< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

ماذا قال حبش عن إنتفاضة الأكراد؟ الكتاب السوريون والخياط «النسواني»

سألت مرة مخرجاً وكاتباً مسرحياً وتلفزيونياً سورياً هو رياض عصمت، وهو قد مثّل سوريا سفيراً في غير بلد، وختم وزيراً للثقافة حتى عدة شهور من بدء الثورة السورية، لماذا شاغلُك الوحيد تقريباً الاقتباس من أعمال شكسبيرية، في المسرح أو حتى لأعمال درامية تلفزيونية؟ أجاب (ما مفاده)، وأظنه بدا ملولاً بعض الشيء من فرط فتور الحياة حينئذ: وما الذي تجده في واقع الحياة، الآن وهنا، غير هذه الرتابة، حيث لا حكايات من قبيل «روميو وجولييت»، ولا كورديليا تلوح في الأفق؟! كما يمكن التخمين أيضاً أنه لم ير صراعاً رهيباً دامياً على التاج، كي يكتب «ماكبث» أو «هاملت» الخاصة به، ولم ير أحداً يمكن أن يصرخ بعالي الصوت «مملكتي مقابل جواد».
لطالما خطر لي ذلك الكاتب، الذي ظلّت أعماله المسرحية تعرض حتى الساعات الأخيرة من تربّعه على هرم وزارة الثقافة، كأنما يريد أن يستثمر المكان حتى الرمق الأخير، لطالما فكرت بكلامه عند النظر إلى مجريات ما بعد اندلاع الثورة، تُرى أما زال ينظر إلى الأمر على هذا النحو؟
لقد وفّرت المأساة السورية ما لا يخطر لشكسبير ولا لأنداده من كتاب المسرح العظام، ها هو ذا التمسك الرهيب بالعرش، ها هنا الدسائس والمؤامرات والقتل الكوني وقطع الرؤوس، وها هنا، في المقابل، الجمال كله في توق الناس إلى الحرية والعدل ومستقبل أفضل. قل لي ماذا تريد، تراجيديا؟ كوميديا؟ عبث؟ فارْس؟ ميلودراما؟ هنا ستجد خلاصة ما مرّ على البشر منذ الأزل. لكن أين أنت الآن؟
لقد سمعنا وقرأنا، مثلاً، من قصص هجرة السوريين والفلسطينيين عبر البحر ما يجعل «تايتانك» حكاية مائعة. مهربون أوغاد. يائسون يدفعون كل ما يملكون ليجدوا أنفسهم مسجونين في تنزانيا أو مع مسلحين ليبيين. مشي عبر الليل والصحراء والبرد والثلج، وخفر لا يرحمون. وفوق ذلك حسّاد من ملّتهم حين يصلون. هذا جانب صغير من المأساة السورية. تصوّر أن الناس حين يجدون أنفهسم في قلب البحر يتنفّسون الصعداء على أنهم نجوا من كل الأخطار، ولم يبق لهم سوى خطر الماء البسيط. هل تطمح إلى تراجيديا أكثر من هذه!
الكاتب غائب منذ ذلك الوقت، لا أحد يعرف أين يقف، وفيما إن كان يكتب أو يهيم على وجهه مثل «الملك لير» في قلب العاصفة، أو بلا عينين كأوديب في الغابات، منذ اكتشف أن أشياء كثيرة كان يمكن لها أن تقال.
لم يكتب رياض عصمت، أو يقل شيئاً، منذ حوالي ثلاث سنوات تقريباً، لعله أراد أن ينأى بنفسه، هو اختار هذه الطريقة في النأي، فيما اختار زملاء له من الكتّاب النأي عبر التلهي بكتابة مسلسلات لا تقول شيئاً.
لكن من قال إن النأي ليس نوعاً من القول؟ ولماذا يقول ما دام كل الذين عيّنهم في التلفزيون وضمِن لهم مواقع لم يكونوا يحلمون بها، حين كان مديراً لـ «الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون»، ما زالوا يتكلمون في مواقعهم ومناصبهم المستمرة؟ رياض عصمت ما زال هناك، ومازال يقول، ربما أكثر من اللازم.

على الطاولة نفسها مع رجال الأمن

سمعت البرلماني السوري السابق، المعارض حالياً، محمد حبش يتحدث لـقناة «العربية» عن أيام الانتفاضة الكردية في سوريا العام 2004، وقد وصف ما قاله اللواء هشام الاختيار، الضابط الأمني المعروف جيداً للسوريين، والذي قضى في تفجير «الأمن القومي» في دمشق، وصَفَه (أي الاختيار) مخاطباً الأكراد بشراسة يقول إنه سيعيد ما فعلوه في حماه (يقصد الإبادة الجماعية التي تعرضت لها المدينة بذريعة القضاء على «الإخوان المسلمين»). ما لفتني أن حبش كان يعرف منذ تلك الأيام ماذا تعني حماه في تاريخ السوريين، وماذا حدث أثناء انتفاضة الأكراد وبأي شراسة قمعت. ويبدو أنه كان يعرف أكثر ما يعني هشام الاختيار.
مع ذلك، من قيض له أن يرى محمد حبش ضيفاً على معظم الشاشات التلفزيونية المتابعة للحدث السوري في أوائل الثورة، وكان بعد لم يعلن الانشقاق، سيدهشه كم الرخاوة في حديثه، مع أن الوقائع التي كان يعرفها ينبغي أن تأخذه إلى انتظار حدث الثورة وتأييده على الفور.
حبش، وأمثاله الكثر من المترددين آنذاك، انشق، ولقد اعتاد السوريون على القول إن الثورة تجبّ ما قبلها، لن يحاسبه أحد على تأخيره، لكن لو أردنا أن نفسر ما نحن عليه الآن لما وجدنا مثالاً أفضل، كيف لهذا الشيخ السمح أن يلتقي من أساسه على الطاولة نفسها مع هشام الاختيار. هل كان حواراً مبكراً مع النظام؟!

شاعر بمرتبة «خياط نسواني»

كل ما انتقد أحدٌ تصريحات فناني ومثقفي النظام، أو مَن في صفّه من المحايدين المزعومين، خرج من يقول إن فلاناً من الموالين كان موهوباً في فنّه، أو عصامياً، أو نظيف الكف! وليكن. من قال إن الموالين كلهم ممن يقوم بـ «التعفيش»، أو أنهم عديمو الموهبة أينما حلّوا، ألديكم شكّ بشاعرية ونزاهة شاعر مثل نزيه أبو عفش؟
آخر كلام من هذا القبيل أشعله موت الشاعر اللبناني سعيد عقل، راحت الآراء تنوس بين مؤيد لشعره العظيم، وبين آرائه العنصرية. الأصوات نفسها التي أدانت الشاعر السوري أدونيس لأسباب أقل بكثير كانت تتسامح مع تصريحات سعيد عقل التي يطالب فيها بقتل الفلسطينبين ويسمي جيش الاحتلال الاسرائيلي بجيش الخلاص. بل إن البعض بدا وكأنه يبرر تصريحات عقل وكأنها الرد المنطقي على مقولة «الطريق إلى فلسطين تمر عبر جونيه». وكأن الفلسطينيين أجمعين أقروا تلك العبارة في مجلسهم الوطني، وكأن ليس على الشاعر، الذي طالما قُدم بمرتبة فيلسوف، أن يكون أرقى، هو المنذور للعلا والجمال، إذا استعرنا شيئاً من عوالم الشاعر الراحل.
البعض جاء يوضح الأمر، قال «لماذا لا يجري النظر إلى الشاعر كما لو أنه «خياط نسواني»؟ هل يهمك إن قال الخياط شيئاً بخصوص مناحيم بيغن؟ هل يؤثر على شطارته كخياط؟»! هذه المقاربة لدور الشاعر، المثقف عموماً، تذكّر بجواب فنان تشكيلي سوري عندما سئل حول مساهمته الكبيرة في الحملة الانتخابية لأحد التجار اللصيقين بالنظام، فاعتبر أن عمله أقرب إلى عمل النجّار، وعليه أن يلبي ما يطلب منه السوق.
هل هناك إساءة لفهم دور المثقف أكثر من ذلك؟ مع كل الاحترام طبعاً لـ «الخياط النسواني».

كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى