< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

أوروبا في ناظر «إسرائيل» لا مفرّ من إثم الهولوكوست!

قرار محكمة العدل الأوروبية، الذي قضى برفع اسم «حماس» من لائحة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، ليست له صفة تنفيذية أو ملزمة، ولا سياسية بالطبع؛ بل تقنية صرفة، ذات صلة بنقض ما كان الاتحاد قد اعتمده، أصلاً، من أدلة أسفرت عن إدراج «حماس» على اللائحة، وكذلك بعض الخلل القضائي الإجرائي الذي بادرت المحكمة ذاتها إلى إعادة النظر في سلامته القانونية. وضمن هذا المنوال، وقبل القرار حول «حماس»، من المعروف أنّ «نمور التاميل» السريلانكية، التي كانت مُدرجة على اللائحة إياها، نجحت في الحصول من المحكمة على قرار بإزالة تصنيفها كمنظمة إرهابية. وإلى جانب افتقار هذه القرارات إلى أي أواليات تنفيذية، فإنّ الاتحاد الأوروبي يملك حقّ الطعن خلال ثلاثة أشهر، حيث ستبقى «حماس» تحت التصنيف القديم، دون تغيير، وستبقى أصولها المالية في أوروبا رهن التجميد.
.. ومع ذلك، كله، أرغى بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية، وأزبد وتهدد وتوعد: «رأينا اليوم أمثلة على التحيز الأوروبي. في جنيف يدعون إلى تحقيق ضدّ إسرائيل حول جرائم حرب، بينما المحكمة الأوروبية في لوكسمبورغ أزالت حماس من لائحة المنظمات الإرهابية. حماس التي ارتكبت ما لا حصر له من جرائم الحرب والأعمال الإرهابية. يبدو أنّ أناساً أكثر مما ينبغي في أوروبا، على الأرض التي شهدت ذبح ستة ملايين يهودي، لم يتعلموا شيئاً. والصداقة التي نراها من الولايات المتحدة تقف على تضاد تامّ إزاء ما نراه من أوروبا للأسف».
لا مفرّ من استنهاض فكرة الهولوكوست، إذاً، أياً كانت السياقات، ومهما بدت الأسباب واهية، ولا جديد في هذا، فالأسطوانة المشروخة تواصل عزف النغمة، مكرورة معادة، دون كلل أو ملل! لافت، من جانب آخر، حتى إذا لم يكن جديداً تماماً، هذه المحاباة التي يبديها نتنياهو للولايات المتحدة، على حساب أوروبا، وذلك رغم الإقرار المعروف بأنّ المساندة الأمريكية لإسرائيل لا يُعلى عليها، اليوم كما في الماضي. ذلك أنّ القارّة العجوز لم تقصّر أبداً، ولا تقصّر، في التكفير عن ذنوب الهولوكوست؛ إلى درجة أخذت تنقلب إلى الضدّ في أمثلة كثيرة، خاصة حين يجري إقحام التماهي المباشر، إلى درجة التطابق التامّ، بين إدانة الهولوكوست و»تغنيج» إسرائيل، أو اعتبار تأييد حقوق الفلسطينيين عداءً للسامية.
المثال الذي قد تكون استعادته واجبة، خاصة وأنّ مهندس المثال ـ الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي ـ اتخذ مؤخراً الخطوات الأولى للعودة إلى السياسة، بعد أن أوحى بهجرانها، بعد هزيمته أمام الرئيس الحالي فرنسوا هولاند. فقبل أسابيع قليلة من الانتخابات، وخلال واحدة من ذرى التعصّب القومي الشعبوي في خطابه السياسي، بدا ساركوزي، المرشّح للرئاسة والمنبطح تماماً امام اليمين المتشدد، وكأنه يبرّئ الأمّة الفرنسية من كلّ الآثام الكبرى التي شهدتها أوروبا على امتداد القرن العشرين: «أنا من الذين يعتقدون أنّ فرنسا ليس لديها ما تخجل منه في تاريخها. إنها لم ترتكب الإبادة. إنها لم تبتكر الحلّ النهائي. إنها ابتكرت حقوق الإنسان، وهي البلد الذي ناضل أكثر من الجميع دفاعاً عن الحرّية».
بعد أسابيع قليلة أعقبت الانتخابات، لم يلقِ باللائمة على الشعب الفرنسي، بأسره، جرّاء قسط المسؤولية الذي تتحمّله فرنسا إزاء المحرقة، فحسب، بل خصّ أطفال فرنسا، تلاميذ المدارس الابتدائية والمتوسطة، بعبء مسؤولية من طراز ثقيل، ورهيب: إلزام كلّ طفل حيّ بإحياء ذكرى طفل قضى في المحرقة، على نحو أقرب إلى تقمّص الحيّ للميت! كان ساركوزي يتحدّث أمام العشاء السنوي للمجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية الفرنسية، الـCRIF، والذي يتسابق كبار ساسة فرنسا على حضوره والخطابة فيه، للتقرّب من هذه المؤسسة الأهمّ على صعيد تنظيم حياة، واستثمار قوى وطاقات، نُخَب الفرنسيين اليهود. وبين أبرز هؤلاء كانت السيدة سيمون فاي، الناجية من المحرقة، والتي يراها الكثيرون أيقونة حيّة ترمز إلى الهولوكوست، فضلاً عن كونها وزيرة سابقة، وصاحبة القانون الشهير الذي يجيز الإجهاض.
«للوهلة الأولى تجمّد الدم في عروقي»، هكذا وصفت فاي ردّ فعلها الغريزي حين استمعت إلى اقتراح ساركوزي، وكانت تتصدّر الصفوف في ذلك الاجتماع بالطبع؛ قبل أن تضيف إنّ الاقتراح «لا يُحتمل، إنه دراماتيكي، وغير عادل في المقام الأول (…) لا نستطيع أن نلقي بهذا العبء على كاهل أطفال صغار في سنّ العاشرة. هذه الذاكرة أثقل من أن يحملها أحد. حتى نحن، الذين كنّا في عداد المرحّلين للمحرقة، واجهنا بعد الحرب صعوبات كبيرة في الكلام، حتى مع أقربائنا، عمّا شهدناه».
شاهد كبير من أهل عائلة ساركوزي السياسية، رئيس الوزراء الأسبق دومنيك دوفيلبان، قال: «لا نستطيع مطالبة أطفال اليوم، بحمل ذاكرة جرائم ارتُكبت بحقّ أطفال الأمس». الـCRIF ذاتها سارعت إلى إطراء الاقتراح على استحياء، ثمّ دعت صراحة إلى تشذيبه وتطويره وتعديله.
هل تقدّم أيّ من رؤساء أمريكا باقتراح أكثر جسارة من هذا، حتى يعتب قادة إسرائيل على أوروبا، وفرنسا خاصة، ويكيلون لها تهم التقصير بحقّ الهولوكوست، فضلاً عن العداء للسامية؟ وحين لم تكد فرنسا تفرغ من محاكمة مواطنها روجيه غارودي (بتهمة «مراجعة» التاريخ، ليس في صالح الرواية اليهودية عن الهولوكوست)؛ حتى لوّح غلاة اليهود في بريطانيا بإطلاق محاكمة ثانية تخصّ الحكاية ذاتها، مع فارق أنّ الفزّاعة كانت هذه المرّة تستهدف نورمان فنكلشتاين (المؤرخ وعالم الاجتماع الأمريكي المرموق وأستاذ العلوم السياسية في جامعة نيويورك، واليهودي سليل أسرة ناجية من المحرقة)؛ وروث بتينا بيرن (المؤرخة الكندية، والباحثة المسؤولة عن ملفات الجرائم بحقّ الإنسانية في وزارة العدل الكندية). أما صاحب الدعوة فهو دانييل جوناه غولدهاغن، مؤلف مجلد في 619 صفحة، عنوانه «جلاّدو هتلر المتطوعون: الألمان العاديون والهولوكوست»، أطروحته الوحيدة هي التالية: ألمانيا بأسرها، بلداً وشعباً وثقافة، مسؤولة عن الهولوكوست، و«ما يُقال عن الألمان لا يمكن أن يُقال عن جميع الأمم الأخرى مجتمعة. الأمّة الألمانية هي الهولوكوست، ولولا هذه الأمّة لما كان الهولوكوست».
غير أنّ ثقافة استذكار الهولوكوست ليست ملكاً خالصاً للضحايا وحدهم، من جانب أوّل، وهي، من جانب ثانٍ، لم تعد رهينة الذاكرة وحدها وباتت تاريخاً تجب دراسته واستخلاص الدروس منه، كما أنها، ثالثاً، ليست حكراً على إسرائيل، لأنّ تراث الهولوكوست يخصّ الإنسانية جمعاء. ولهذا فإنّ مؤلفات مثل «الموت والأمّة: التاريخ، الذاكرة، السياسة»، للمؤرّخة الإسرائيلية إديث زيرتال؛ و«في ظلّ الهولوكوست: الصراع بين اليهود والصهاينة في أعقاب الحرب العالمية الثانية»، لأستاذ الألسنيات في جامعة تل أبيب يوسيف غرودزنسكي؛ إنما تنصف ضحايا الهولوكوست من زاوية غير مألوفة: دور المؤسسة الصهيونية ذاتها في صناعة الهولوكوست، وكيف انطوى ذلك الدور على تواطؤ مباشر صريح بين بعض القيادات الصهيونية وكبار ضبّاط الرايخ الثالث المسؤولين عن تصميم وتنفيذ ما عُرف باسم «الحلّ النهائي» لإبادة اليهود.
ثمّ… أليست إسرائيل، اليوم، صانعة هولوكوست التجويع والحصار في غزّة؟ ألا يشجّع نتنياهو، ويطالب أمريكا بالسكوت عن، هولوكوست بشار الأسد بحقّ السوريين؟ ألم يقلب اجترار الهولوكوست هكذا، في كلّ كبيرة وصغيرة، إلى إهانة للضحايا أنفسهم؟ وفي نهاية المطاف، كم يتبقى من تأثير، في آذان الإنسانية، لأسطوانة مشروخة، تعيد المعزوفة المكرورة ذاتها… صبحاً وعشية، وكلما الناقوس رنّ؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

صبحي حديدي