< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

عودة أصحاب المزرعة إلى تونس

اتركوا جانبا كل الهواجس والشكوك ولا تقلقوا أبدا فلا سبيل للعودة يوما إلى الوراء. التطمينات تكررت من مصر إلى تونس بالشكل والاسلوب نفسه وعلى لسان جنرالين، فصلت بينهما أقدار التاريخ والجغرافيا. أحكم الأول قبضته على أرض النيل وتربع على العرش في انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013، فيما غادر الثاني منتصف مايو/أيار الماضي سجنه الملكي مصحوبا بشهادة بالبراءة من كل ما نسب له بالخطأ من تهم أُسقطت كلها في الماء، ولم يعد لها من أثر أو مفعول بعد قرار المحاكم العسكرية في تونس. لكن ما جمع «الشامي على المغربي»، أو الجنرالين المصري والتونسي، هذه المرة كان انكارهما معا لتلك العودة التي تثير مخاوف قطاعات واسعة من الناس داخل بلديهما ونفيهما المطلق لأي فرص لحصولها لا على المدى القريب ولا حتى المتوسط.
لقد اختار جنرال مصر القوي عبد الفتاح السيسي أن يصدر بيانا رئاسيا غداة الإعلان عن براءة مبارك وزمرته من تهم قنص المتظاهرين وقتلهم، ويؤكد من خلاله على أن «مصر تتطلع نحو المستقبل ولا يمكن ان تعود أبدا إلى الوراء»، وأنها «ماضية في طريقها نحو تأسيس دولة ديمقراطية حديثة قائمة على العدل والحرية والمساواة ومحاربة الفساد».
أما في تونس فقد نقلت صحيفة «الصريح» اليومية ما وصفته بالحديث الحصري الأول للجنرال علي السرياطي المدير السابق لأمن الرئيس المعزول بن علي، نفى فيه في البداية ما وصفها بـ»الإشاعة الباطلة والمغرضة» وهي تكليفه بخطة المستشار الأمني للباجي قائد السبسي، المرشح الأوفر حظا لرئاسة تونس، ثم لم ينس السرياطي في المقابلة نفسها أن يذكر بخدمته الجليلة للبلاد وحرصه الشديد على مستقبلها، ومن أنها بحاجة إلى الجميع، وأيضا وهو الأهم، تشديده على أن «النظام السابق لن يعود».
تطمينات السيسي لم تحمل كما كان متوقعا «بشرة خير» لا للمصريين ولا للحريات التي دخلت قبل أكثر من عام في حالة موت سريري طويل. لكن تسابق وتلاحق عسكريين سابقين ورموز من الماضي في تونس على نفي كل احتمال، ولو ضئيل لعودة الاستبداد ثانية ورجوعه بعد «غفوة» السنوات القصيرة الماضية، أعطى انطباعا للبعض على أن الحرية والديمقراطية النسبية التي ينعم بها التونسيون الآن صارت محصنة تماما ونهائية ضد محاولات الارتداد والنكوص وعصية ومنيعة على جميع المتربصين بها من كل حدب وصوب، أو على العكس من ذلك تماما مفتوحة مثلما يرى البعض الآخرعلى مصير قاتم ومجهول في حال فوز المرشح الثمانيني الأوفر مالا وحظوة الباجي قائد السبسي، الأحد المقبل بمقعد الرئاسة.
الإشكال هنا هو ان ذلك الارتباط الوثيق حد التطابق التام والكامل بين المصير الانتخابي والسياسي للافراد وبين المستقبل والقدر الديمقراطي للدولة قد لا يختلف كثيرا عما عاشته تونس طوال تاريخها الحديث، من تعلق مفرط بشخص زعيم أوحد كان قطب رحى تدور حوله كل المؤسسات وتخرج منه وحده فقط أخطر القرارات والأوامر، وأدناها وابسطها معا بلا مناقشة أو مراجعة وتعديل. لقد تذكر الرئيس المخلوع بن علي في آخر خطاب له قبل الهروب حقيقة فيزيائية بسيطة ومعروفة حاول جاهدا انكارها وتجاهلها لأكثر من عقدين وهي انه لم يكن شمسا حتى يشع على تونس بأكملها. لكن الناس الذين اعتادوا على أن الحاكم لا بد ان يكون شمسا حتى يجلب لهم ما يحتاجونه من طعام وشراب وأمان لم يصدقوا بسهولة أنه صار بإمكانهم بعد هروبه ان يتحرروا بشكل نهائي من القيود والاغلال الثقيلة التي ورثوها. وفور ذلك الهروب الشهير حطمت حماسة الشباب صور القائد التي كانت تملأ المكاتب والمصالح الرسمية، وحتى المحال التجارية، لكن صورة الرئيس الديمقراطي والمصلح ظلت شاغرة ولم تظهر إلى الان، ربما لأن هناك كسلا فكريا وروحــــيا يحول دون ذلك ويجعل الميل إلى استنساخ القديم أقل كلفة وجهدا من البحث عن المبتكر والجديد، أو ربما لأن الولادة العسيرة والقيصرية للدولة الديمقراطية تتطلب قطعا صارما مع مظالم وآلام ليس هناك على ما يبدو رغبة او قدرة على تحمل تبعاتها وعواقبها.
لقد بدت كلمات الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي في الثامن من مايو الماضي لمعظم التونسيين غريبة وخارجة عن المألوف. كانت تلك المرة الأولى التي يخرج فيها زعيم عربي ويعتذر لشعبه بشكل واضح وصريح لا لبس فيه وباسم الدولة عن التعذيب الذي طاله زمن الاستبداد، ويقول للجميع بأن» دولة تقبل التعذيب غير جديرة بالسلطة»، ثم يبوح إلى المواطنين بسر من أسرار الحكم وهو «أن الدولة ليست محقة دائما» و»لا تصدقوا الدولة ولا تثقوا فيها، لأن الدولة يمكن ان تخطئ ويمكن ان تسقط في أياد غير أمينة، وبالتالي من الضرورة ان يكون هناك مجتمع مدني قوي جدا». لكن الآذان بقيت صماء مثل العقول والقلوب التي ظلت مقفلة وموصدة ومعدلة فقط على موجة واحدة لا غير. لم يفهم او يستمع للمرزوقي سوى البعض ممن اكتوى بنار الاستبداد، أو أدرك قيمة الحرية بعد ان دفع ثمنها باهظا. أما الجمهور الواسع فقد بقي على دين إعلامه الفضائي بالاساس متندرا بخطب الرئيس الحقوقي الذي لم يكن شمسا لينزل الأسعار ويجمع القمامة من الشوارع ويصفي الارهابيين في الجبال، ويصمت عما يدور حول بلده من مجازر أو انتهاكات باسم الحياد الدبلوماسي لتونس.
تلطخت صورة الرئيس الذي حذر شعبه من الدولة حتى من قبل أن تكتمل ملامحها وتتحدد بشكل نهائي ودقيق، وعادت في المقابل صورة الرئيس الذي أذل شعبه عقودا طويلة باسمها وباسم الحفاظ عليها للظهور مرة ثانية بعد أن حذفت الآلة الإعلامية الرهيبة كل الفوارق والاختلافات العضوية بينهما، ودفعت معظم الناس في إخراج هوليوودي مبهر إلى الانتباه والتأثر لدموع الباجي قائد السبسي في اجتماع انتخابي، وهو يخاطب الجمهور بالقول «قلبي يبكي على الوضع الذي وصلنا اليه… إحداهن تقول لي منذ ثلاثة اشهر لم نأكل اللحم…»، والسخرية والتندر بالمقابل لدموع مدير الحملة الانتخابية للمرزوقي في برنامج تلفزيوني عندما ذكر بان ابنته سألته بعد الانتخابات البرلمانية ان كان المنتصرون فيها، أي حزب نداء تونس سيرجعونهم إلى السجون.
الدولة نفسها التي حذر منها المرزوقي هي التي اختارت ان تخرق الأعراف والبروتوكولات، وحتى الحد الأدنى من الأخلاق السياسية وتتجاهل توجيه الدعوة له لحضور جلسة افتتاح مجلس نواب الشعب الجديد. في تلك الجلسة تساءل الجميع عن سر غياب الرئيس، وبعد انتهائها جاء الجواب من عدنان منصر مدير حملته الانتخابية، «لا يمكن لرئيس الجمهورية أن يذهب إلى المجلس من دون دعوة. كثيرون يعرفون ذلك ويتصرفون وكأنهم لا يعرفون. يفترض اننا ندير دولة بمؤسساتها ونواميسها وليس مزرعة عائلية، ولكن منطق المزرعة العائلية العائد الينا من الماضي الكريه يروق لكثير من الناس على ما يبدو».
لم تضمن الدولة مبدأ بسيطا وأساسيا هو استمراريتها بغض النظر عن الأشخاص، فهل نرتاح بعد ذلك للوعود الواسعة من أنها سوف تضمن الحريات وتحرص على حمايتها من أي انزلاق؟ بوجود الدستور لا بد من يقظة المجتمع المدني، يرد الجميع بمن فيهم المتربصون بتلك الحريات. لكن ذلك المجتمع ما يزال هشا وضعيفا رغم ما يقال في الخارج من أنه نقطة قوة في مسار تونس، فباستثناء النقابات التي يسيطر عليها متشددون من اليسار، لا سلطة تبدو قادرة على الوقوف بوجه العودة للاستبداد، بما فيها الإعلام الذي لم يستطع خلال السنوات الأخيرة ان ينتج إعلاميين أحرارا من قيود المال والسياسة.
المعركة الانتخابية والسياسية قد تحسم لصالح الثمانيني الذي اختاره اصحاب المزرعة العائلية ليكون كبيرهم، لكن معركة الدفاع عن حرية الناس الذين يزرعون ليحصد غيرهم وينهبهم مثل أسلافه داخل المزرعة نفسها ما تزال مفتوحة وإلى أمد بعيد. وقد لا تجدي تطمينات الجنرالات وغيرهم في التخفيف من وطأتها أو قطع الطريق أمامها، فهي ستكون بالتأكيد أطول عمرا حتى من حياة الثمانيني المعمر الذي قد تسعفه الظروف ويدخل الأحد المقبل قصر قرطاج ظافرا.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية