< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

الإسرائيلي المناهض للإستعمار: نقاش مبالغ فيه… ونموذج مغالطة جديد

إن أحد أبرز أشكال الخضوع والهيمنة، في معظم تصورات علم الإجتماع السياسي الحديثة حول علاقة المهيمن بالمهيمن عليهم، تتمثل في سقوط الضحية دائما في معالجة أسئلة ونماذج السلطة، بحيث يتحول وجود النقاش نفسه أو موضوع النقاش الى مسلمات، ويظل الخلاف الممكن داخل النقاش؛ رفضا أو قبولا أو حيادا، في حالة يصفها بير بورديو بأنها المبرر المباشر في «أن لا يكون هناك شك مبالغ فيه، إذا كان الحديث عن أشكال السلطة الجديدة».
هذا – بمباشرة مطلوبة ومبالغ فيها – أول ما يمكن ملاحظته، فيما يتعلق بالنقاش الذي صار عاما في الفترة الأخيرة، عن الإسرائيلي المناهض للإستعمار والإسرائيلي غير المناهض للإستعمار. النقاش الذي يمتد على إمتداد تاريخ المشروع الوطني الفلسطيني، وما قدمه وما قدمته تحولاته من إشكاليات، صارت أكثر وضوحا مع التحول الأكبر بعد اوسلو ونشوء المشروع المؤسسة. من فكرة مد الجسور مع اليسار الإسرائيلي الذي لاقى جدلا واسعا، الى النقاش الذي تلاقيه حوادث يومية، آخرها كان النقاش الذي أصبح عاما كما أسلف حول منع الصحافية الإسرائيلية عميرة هس من الدخول الى جامعة بيرزيت قبل فترة.
يجب القول أولا، أن هذا النقاش يقوم في بدايته على تصنيف مغلوط على الأقل حسب معايير وبنود المقاطعة وتعريفات التطبيع، حتى تعريف إدوارد سعيد – الأكثر ميولا الى التعامل مع «الآخر» -، الذي دعا لاحقا الى رفض فكرة القطيعة العامة مع الثقافة والأكاديميا الإسرائيلية، القطيعة التي يعتبرها مضيعة مستمرة للوقت وللمواجهة ولفرص تقويض الحكاية الإسرائيلية، وحتى مع تجاوز النقاش حول تراجعه أو عدمه، إلا أن التنويه هنا يجب أن يكون واضحا في أن منطق إدوارد سعيد هنا وعلى عكس ما تم إستخدامه في النقاش نفسه، لا يقوم على أحكام تصنف الإسرائيليين على أساس من هو عدو، ومن هو بريء ، إلا أن العلاقة التي يطالب فيها مرتبطة بالمواجهة بشكل أو بآخر للصهيونية من منطق مختلف، ومحل لنقاشات مستمرة.
وموضع المغالطة في طرح هذا التصنيف وهذا النقاش، هو تحديدا في أن الصهيونية – كما يعرفها حتى معظم القائمين على هذا التصنيف- منظومة إستعمارية قائمة على عناصر أساسية مرتبطة بالمكان أولا، وبالوجود على هذا المكان، بمعنى أن الحكاية الصهيونية والقومية، والهوية التي يوصف فيها أي شخص بأنه إسرائيلي، قائمة على وجودها على أرض المستعمرة، في حالة مختلفة عن أي إستعمار آخر في التاريخ – في ما يتعلق بالوجود والهوية فقط – بالتالي فإن كل من يوصف أو يصف نفسه بأنه إسرائيلي، يكتسب هذه الصفة من وجـودة كمستعــمر، ومن فعل الإستعمار، الذي لا يقبـل بالضرورة معــيارا أخلاقيا للتقييم، على الأقل من يــقع عليهم هذا الفعــل.
ولا شك أن هناك أمثلة كثيرة على أشخاص كانوا من أبرز مقاومي الإستعمار ورافضيه، تحديدا في الإستعمار الفرنسي، وكانوا يحملون جنسية المستعمِر، وفي الوقت نفسه كانوا يعيشون في المستعمرة نفسها، لكن المقارنة هنا لا تبدو موفقة، ومنطلق ذلك هو ما أسلف حول حالة الإستثناء التي تتشكل من خلالها «الهوية الصهيونية»، والمرتبطة دائما بالشرط الإستعماري وبشرط الوجود على الأرض، فمثلا كان تعريف فرانز فانون بأنه مواطن فرنسي لا يتعارض مع تعريفه على أنه مناهض للإستعمار الفرنسي، وفي نفس الوقت كان وجوده على أرض المستعمرة – الجزائر – لا يعني تعريفه كمستعمر، ما يسمح بإمكانية وجود تصنيف من هو الفرنسي المستعمِر والفرنسي غير المستعمِر والفرنسي المنهاض للإستعمار، لأن القومية والهوية الفرنسية التي يتصف بها أي فرد لا ترتبط بوجوده على أرض مستعمرة معيــنة ولا بفــعل الإستعــمار نفســه.
لكن الموضوع مختلف تماما ومن نفس المنطق فيما يتعلق بفكرة وجود إسرائيلي مناهض للإستعمار، لأن الوصف نفسه أي «الإسرائيلي» لا يمكن فصله عن الإستعمار، وفي نفس الوقت لا يمكن إعتبار من ما زال على الأرض ضمن قوانين ومعطيات المنظومة بأنه غير إسرائيلي. وهذا ما يبرر ضمن المعطيات السابقة ما حدث في جامعة بيرزيت فيما يتعلق بمنع عميرة هس من الدخول الى حرمها الجامعي، من نفس منطلقات وسياسات منع التطبيع والتعامل مع الإسرائيليين الذي تنتهجه الجامعة منذ بداياتاها.
إن الحدث الأساسي لم يعد الآن هو الحدث نفسه، ولكن النقاشات حوله تحولت من خلال «ثورة وأزمة الإعلام الجديد» حسب تعبير هاشم صالح، الى الموضوع الأساسي، هذا ما يمكن من خلاله القول أن دلالات النقاش الذي حصل حول حالة عميرة هس، أكبر من الحدث نفسه، وقراءة النقاش أهم من تقديم قراءات في موضوع يقدم مجموعة من الخيارات المغلوطة دائما. بما يعطي إنطباعا مهما حول علاقتنا بالعدو، وهوسنا بما يجري من خلاله، حتى لو لم يتعلق بأزمتنا المباشرة معه، وتحويل العادي والمفترض، الى حالة نقاش عامة.
وإحدى هذه الدلالات الأهم في ما يتعلق بنقاشات ما حدث، هي الفكرة المباشرة، حول تفسير العداء لمجموعات الإسرائيليين التي نعرفها، قبل أن تعرف نفسها، بانها مناهضة للإستعمار، أكثر هذه التفسيرات إنتشارا، هو وصف هذا العداء بأنه عنصري، وتحديدا ضد اليهود، وهذا ما يعيدنا الى بداية تقويض النقاش الرائج، حول الوصف الأول لهذه المجموعات، ومنها عميرة هس بأنهم يهود، وتحويل هذا الوصف في مخيلة الفلسطيني من الصهيوني الى اليهودي، بالتالي من النقيض الى الآخر العادي، الذي تصبح أزمتنا معه، وعداؤنا له عنصرية، وأبعد من ذلك الى إرهاب، مما لا يسمح ولا يعطي أي مساحة أخرى لمفاهيم، المقاومة، مواجهة الإستعمار، الكفاح، الخ.
ما يمكن قوله هنا إذن أن ثمة صياغة جديدة لمجموعة ثنائيات تقوم أولا على تحويل الطبيعي الى حالة خاصة وجدلية، وتطبيع كل ما لا يفترض أن يكون طبيعيا في حياة المستعمَر، ومن جهة أخرى تحويل شكل العداء ضمن آليات إدخال مفاهيم جديدة في العلاقة مع الإستعمار، من منطق الإستعمار نفسه، مثل العنصرية، في حالة صياغة ما هو أبعد من رؤيتيّْ الهوس والـلوم للنقيــض وللذات.

عزالدين التميمي