< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

زنجبار في سيرة امرأتين من عُمان: التاريخ والجغرافيا وحضور الإنسان في المكان

ما أن وقع في يدي كتاب «العائدون حيث الحلم» للكاتبة والناشطة العمانية حبيبة الهنائي، حتى أجهزت عليه في فترة متقاربة جدا، وهو الذي لن يضن عليك بذلك لصغر حجمه، ووضوح فكرته. وهو عمل تدفعك لقراءته عدة أسباب، أهمها موضوعه الذي يشكل ذاكرة عمانية تحيلك لجزء منك تاريخيا وجغرافيا، مع ما يحركه من شجن الفقد، وذكرى الغياب، وما يثيره في نفسك من فضول المعرفة والرغبة في فهم دواعي الحضور، ومسببات النهاية هناك.
والكتاب يحكي حلم عائلة عمانية في العودة لأرض الوطن، ومعاناتها في الهروب من زنجبار إلى عمان بعد الانقلاب الذي حدث هناك عام 1964، والذي استقصد العرب والمسلمين بشكل خاص، وتفاصيل ذلك الهروب بعد تولي السلطان قابوس بن سعيد الحكم في عمان 1970، وفتح الباب للمغتربين من العمانيين في أصقاع المعمورة هربا من ضنك المعيشة، وسوء الأحوال الاقتصادية؛ للعودة والعمل في بناء عمان الجديدة.
قسمت الهنائي الكتاب إلى أربعة أقسام، بعد المقدمة التي تحدثت فيها عن فكرة الكتاب ومضامينه الإنسانية، وطريقة حصولها على المعلومات التي حدثت غالبيتها قبل ولادتها أو في فترة طفولتها المبكرة جدا. وقد تناولت في القسم الأول «المكان والإنسان والحياة»، متحدثة بنوع من النوستالجيا عن سلطنة زنجبار بطبيعتها الخلابة، وممكناتها المعيشية الكثيرة والمريحة، ورغدها الاقتصادي، وتقدمها الخدمي في الصحة والعلم والسياحة وغيرها من المجالات الحيوية، كما تناولت وضع العمانيين مفرقة حسب ما جرت العادة هناك بين من ولدوا في عمان وجاءوا إلى زنجبار، أو من ولدوا في زنجبار، وتفاصيل حياتهم، وطقوسهم المعيشية، ولغتهم، وعلاقتهم مع الوطن الأم.
وفي القسم الثاني «العيد وحميمية الليسو»، تناولت ثقافة الحياة والناس هناك، وتفاصيلها الممتدة من الليسو وهو غطاء الرأس للنساء، والطربوش الذي يستخدمه بعض سكان زنجبار كعلامة على التحضر والتمدن ممن يسمون أنفسهم عربا، أكثر من كونهم عمانيين منتمين بذلك للثقافة العربية، أو المصرية تحديدا، ومتعالقين معها، حتى مظاهر العيد في زنجبار وطقوسه المتعددة والمتنوعة بين الريف والمدن، والمختلفة بين عائلة وأخرى حسب أصولهم وانتماءاتهم العرقية: التعليم الذي يجمع بين الديني والعام، والمهن التي يمارسها السكان مثل «الزراعة وصيد الأسماك وتربية المواشي وتجارة القرنفل والنارجيل»، والطعام بأنواعه وكيفية إعداد بعض أصنافه وحفظها، وعادة دفن الموتى، والوسائل الترفيهية مثل دور السينما والفرق الموسيقية، والانفتاح على المدنية الغربية في اللباس والحياة بتأثير المستعمر البريطاني.
وفي القسم الثالث، «في الميلاد والمعاناة والألم»، تتحدث الهنائي عن حياتها الشخصية بما في ذلك ولادتها التي جاءت بعد عام واحد فقط من الانقلاب، بقيادة كارومي وحزبه الأفروشيرازي بدعم من الإنكليز، والذي حول حياتهم رعبا بسبب انتماءاتهم العرقية العربية التي استهدفها جيش كارومي ذلا وجوعا وعنتا وملاحقة وسجنا وتعذيبا.
وفي القسم الرابع، «في العودة والوطن والحلم»، تتحدث الكاتبة عن العودة بعد أن قام رجال كارومي بزيارتهم وطلبوا من أسرتها التخلي عنها للانضمام للفرقة الموسيقية العسكرية للنظام، مما عجّل بمخطط الهرب الذي كان حاضرا في ذهن العائلة منذ أول لحظة للانقلاب، وهذا ما حدث فعلا فعبر مركب صيد تتقاذفه الرياح والأمواج خرجت الأسرة على مرحلتين سرا في مخاطرة جسيمة متنقلين من بيمبا إلى تانجا، إلى دار السلام ومنها إلى تنزانيا ثم القاهرة فدبي فعمان.
ولم تكن عمان في ذلك الزمن بالحلم، إلا لفكرة الوطن، وحضنه الحنون مهما قلت ممكناته، والأمان لهارب من جحيم سعار دموي للقتل كما في جيش كارومي، فلم تكن بها أبسط وسائل الحياة العصرية، لذا عانت الأسرة الكثير، وذكرت الكاتبة بوصف تفصيلي الظروف الإنسانية الصعبة التي عانتها الأسرة بعد العودة.
ولقد جمعت الهنائي في الكتابة بين ذاكرتين، ذاكرتها الطفلية، وذاكرة عائلتها ـ التي تورع الكثيرون عن الاسهاب في تفاصيلها خوفا أو رغبة في نسيان تلك المعاناة، كما أوضحت في المقدمة ـ فنقلت صورة عامة عن زنجبار «الفردوس العماني المفقود» كما يحلو للبعض تسميته، والتفاصيل الدقيقة للهروب والعودة للوطن، وهو الأمر الذي لم يمنحها مساحة كبرى للكتابة من الداخل بتشعب أكثر، فجاء الكتاب في 108 صفحة من الحجم الصغير فقط.
ويمكننا القول أن زنجبار لم تكن يوما غائبة عن الذاكرة العمانية القديمة والجديدة، فبالإضافة إلى انتماء الكثير من أبناء الوطن بعلاقات وأعراق وذاكرة متينة مع ذلك الجزء الأفريقي، هناك العديد من الكتابات التي صدرت قديما، وحديثا؛ توضح تلك العلاقة التاريخية بين زنجبار وعمان، ولذا فما أن انتهيت من قراءة هذا الكتاب حتى استحضرت الكتاب الأكثر حضورا وشهرة وتفصيلا للحياة من جميع نواحيها؛ الإنسانية، والسياسية، والثقافية للحضور العُماني في شرق أفريقيا، أي «سلطنة زنجبار». الكتاب الأسبق زمنيا في الفترة التأريخية للحياة هناك، وهو «مذكرات أميرة عربية» للسيدة سالمة بنت سعيد، أو «البرنسيسة»، أو إميلي رويتي كما أصبح اسمها فيما بعد.
سبب الاستحضار يعود ربما لوجود امرأة راوية في كلا الكتابين، تنطلق من سيرتها الذاتية، لتقدم وصفا أشمل وأعم للإنسان والمكان هناك. تحكي السيدة سالمة بنت السيد سعيد بن سلطان، سلطان عُمان وزنجبار والتي عاشت بين (1844-1922) تقريبا، بضمير المتكلم، قصة حياتها في خمسة وعشرين فصلا وفي 317 صفحة. والكتاب ـ الذي لا يخلو من النوستالجيا المكانية والإنسانية لامرأة عربية، وافرة الحظ والمال والجاه، فارقت حياة الترف والقصور، لحياة أقل منها، مهما كثرت مغرياتها واتسع مداها في الحرية والمعرفة والمدنية، تبقى مختلفة تماما عن حياتها السابقة في العادات والتقاليد، والطبيعة الإنسانية والمكانية ـ كُتب باستعادة حنينية لكل مظاهر الطفولة والصبا، بكل التفاصيل الممكنة التي تتيحها الذاكرة المتعلقة بالزمن، والمتعالقة مع المكان، بعد زمن ليس قصير من حياة أخرى تماما، حيث تتحدث عن بيوت أو قصور والدها السلطان « بيت الموتني، وبيت الواتورو، وبيت الساحل»، مفصّلة الحديث عن شخص السلطان وسماته، وعلاقته بأهل بيته ونسائه وأطفاله وحاشيته، وتعامله المتسم بالدماثة والمحبة مع الجميع، ممتدة في الحديث عن العادات والتقاليد المتعلقة بالنساء والأطفال والخدم والعبيد وطقوس الحياة والسهر، والحياة واليومية بكل تفاصيلها الدقيقة والمتشابكة، والعلاقات الإنسانية القائمة على المحبة حينا، والحسد و النميمة والمصالح أحيانا أخرى بين أهل هذه البيوت، وتربية الأطفال وتعليمهم، وأزياء النساء، والنزهات في المزارع وغيرها من أمور حياتية وإنسانية.
كما تناولت علاقة زنجبار بعمان، والحالة السياسية في عمان وزنجبار، ورحلة السلطان إلى عمان بين فينة وأخرى لإقرار الأمان، وردع كل من تسول له نفسه زعزعة الأمن في الوطن الأم، وكيف توفي في إحدي هذه الزيارات، وصراع أبنائه على السلطة، ورغبة ثويني في الثورة على أخيه، والتفاصيل السياسية لمحاولات الانقلاب الفاشلة تلك، وأسهبت في ذكر بعض أخوتها وأخواتها من أبناء السلطان.
وذكرت ـ بنوع من التجميل الذي يحرّكه الحنين والاغتراب ـ وضع المرأة في الشرق، والخطوبة والزواج في بلاد العرب، والرقيق، وبنوع من الموضوعية التي يظهر للقارئ أنها تحاولها جاهدة، وإن خانتها في كثير من المواضع نظرا للشوق والحنين والتعلق بالمكان الذي يحركها، وصفت الزيارات بين النساء، ومجالس الرجال، والطب والعلاج، والصيام والأعياد، والمؤامرة والفتنة التي شاركت فيها ضد أخيها ماجد مع برغش محبة لأختها خولة وانصياعا لرغبتها، وتورعا عن خذلانها لمكانتها العالية في نفسها، وما حدث لها بعد فشل تلك المحاولة، من هروب نفسي وانقطاع عن الآخرين، ثم المصالحة مع السلطان ماجد وكسب وده مجددا.
ثم روت كيف خرجت من زنجبار للزواج من الشاب الألماني هذريخ روث، ووفاته بحادث بعد ثلاث سنوات من زواجهما فقط، تاركا لها ثلاثة أطفال، وتركة كبيرة من الوحدة والأسى، التي حاولت معها محاولات جادة وحقيقية العودة لوطنها، إلا أن أخيها برغش وقف ضد ذلك الحلم، ومنعها منه، وكذلك خذلتها الدبلوماسية الإنجليزية في ذلك المسعى حين لجأت لهم لمساعدتها في تحقيقه، لأنه لامصلحة لها في ذلك، بل لعل العكس هو الصحيح، فتصالحها مع أخيها وعودتها للوطن بعد وعي ومعرفة الوضع الأوروبي ليس في صالح بريطانيا.
ثم تصف السيدة سالمة في الفصل الأخير من كتابها، كيفية تحقق ذلك الحلم العظيم برعاية ألمانية أخيرا، وتفاصيل رحلتها لزنجبار، وتنقلها ـ على مضض من أخيها وكراهية منه ـ في وطنها وبين أهلها بفرح جم، والكثير من الحب الذي تحصّلت عليه من الناس هناك، والذي جعلها تختتم هذه السيرة الحنينية ببعض النصوص الشعرية. تماما كما فعلت حبيبة الهنائي أيضا في استشهادها بنص يجمع بين اللغة العربية والسواحيلية، لبيان عمق وحميمية التلاقي المكاني عبر الإنساني واللغوي، وترسيخ لعمق الذاكرة التاريخية التي تظل شاهدة على حضور الإنسان في المكان، وحضور المكان في الروح واللغة الإنسانية معا.

حبيبة علي الهنائي: «العائدون حيث الحلم». دار الانتشار العربي، بيروت 2013. 108 ص.

فاطمة الشيدي