< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

تونس: هل يسعى السبسي لجمع مفاتيح الحكم في قبضته؟

تونس ـ «القدس العربي»: يطرح الخطاب الأخير لرئيس تونس الجديد الباجي قائد السبسي تساؤلات عدة حول شكل السلطة الجديدة في البلاد وطبيعة العلاقة التي ستربط بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والبرلمان، في وقت يسيطر فيه الحزب الأول في البلاد على مفاتيح الحكم في قرطاج والقصبة، الأمر الذي يثير مخاوف كثيرة من «التغول» أو الانفراد في الحكم، وهو ما ينفيه «نداء تونس» باستمرار ويؤكد بالمقابل أنه سيحكم البلاد مع بقية الشركاء السياسيين.
ويرى بعض المراقبين أن تركيز قائد السبسي في خطابه على بعض المواضيع التي تدخل في صلاحيات رئيس الحكومة (من قبيل تحسين ظروف العيش وتوفير الشغل والتغطية الصحية والتوازن الجهوي وغيره) ربما يعد مقدمة لإحكامه السيطرة على مقاليد الحكم في البلاد وإدارته الحكومة والبرلمان من قصر قرطاج، وهو ما يعد تجاوزا كبيرا للصلاحيات التي نص عليها الدستور التونسي الجديد.
فيما يدعو البعض الآخر إلى عدم تقديم «قراءة متسرّعة» للمشهد السياسي في البلاد اعتمادا على تأويلات «قد تخطئ غالبا»، مشيرا إلى أن وجود رئيس دولة من الحزب نفسه أو العائلة السياسية للأغلبية البرلمانية التي ستشكل الحكومة، يشكل سندا سياسيا كبيرا لها، ويعطي بالتالي نوعا من «التناغم» والتنسيق بين السلطة التنفيذية بقطبيها (رئيسي الجمهورية والحكومة) والسلطة التشريعية، وهو ما تحتاجه البلاد في الوقت الحالي.
ويرى المحلل السياسي والدبلوماسي السابق توفيق ونّاس أن ثمة تحديات كبيرة تنتظر قائد السبسي مستقبلا من بينها الأوضاع الأمنية داخل البلاد وفي دول الجوار، وخاصة التطورات الأمنية في ليبيا واحتمال التدخل الدولي فيها وموقف تونس ودورها في هذا الأمر.
ويشير إلى وجود تحديات أخرى تتعلق بمحاولة إنعاش الوضع الاقتصادي المتردي والبحث عن التمويل الخارجي، فضلا عن «التحديات المؤسساتية» والتي تدخل جميعها في إطار صلاحيات رئيس الحكومة، ولكن ونّاس يؤكد أنه «في الوقت الحالي أصبحت جميع الصلاحيات السياسية شبه منحصرة في الباجي قائد السبسي بما أن الحكومة ستكون تحت إمرته بصورة مباشرة أو غير مباشرة».
ويضيف لـ «القدس العربي»: «أغلبية البرلمان الآن هي أغلبية رئاسية أكثر منها أغلبية حزبية، وهذه التحديات المؤسساتية هامة جدا لأنه ليس هناك انسجام كامل سواء داخل حزب نداء تونس أو في العلاقة مع أحزاب أخرى كالنهضة والجبهة وغيرها، وهذا قد يؤدي لبعض المشاكل والخصام الداخلي».
ويشير ونّاس إلى أنه في حال سعي رئيس الجمهورية الجديد إلى «مركزة الحكم» أو إدارته من قصر قرطاج، فإن ذلك قد يؤدي إلى وجود «تحد ديمقراطي» يتعلق بعدم تشغيل المؤسسات وفق ما نص عليه الدستور، «لأنه إذا أصبح كل شيء متمركزا في قصر قرطاج فهذا يمنع الحكومة من القيام بدورها كما ينبغي وبحرية خاصة، وقد يؤدي إلى حكومة شبه ضعيفة لأنها تأتمر بقصر قرطاج، ومن ثم قد يؤدي إلى برلمان يتلوّن حسب إرادة الرئيس أو حسب المصلحة السياسية لـ «نداء تونس» الذي هو يبقى في النهاية حزب الباجي قائد السبسي».
من جانب آخر، يقدم الخبير الدستوري غازي الغرايري (الأمين العام للأكاديمية الدولية للقانون الدستوري) قراءة مختلفة لخطاب قائد السبسي الذي يرى أنه «عبّر عن توجهات عامة وسياسة تتجاوز الاختصاصات الدستورية ولكن هذا لا يمكن أن ننسبه للرئيس الجديد فقط بل لجميع مترشحي الرئاسة (ومنهم منافسه منصف المرزوقي) الذين قدموا برامج تتعلق برفع مستوى العيش وبالتوازن الجهوي وغيره، وبالتالي هذا الخطاب هو في تمشي مع كامل الطبقة السياسية التي ترشحت للانتخابات الرئاسية».
ويضيف لـ «القدس العربي»: «المسألة الثانية التي تشفع لقائد السبسي هي أنه ليس فقط الرئيس المنتخب ولكن كذلك مؤسس حزب نداء تونس وكان رئيسه حتى أداء اليمين الدستورية، وهذا يجعله «الأب الروحي» الذي يمتلك سلطة معنوية على الحزب الذي سيتصرف في دواليب الدولة غدا، وربما هذا كله أدى لوجود هذا الخطاب الذي يتجاوز الإطار الدستوري الدقيق».
ويرى أن وجود «علاقة موضوعية» بين رئيس الجمهورية والحزب الذي لديه أغلبية في البرلمان تتجسد في كونهما ينتميان إلى العائلة السياسية نفسها «يمنحه سندا قويا ويعطي لسياسته تناغما كبيرا مع سياسة الحكومة القادمة، وهذا ليس فيه بالضرورة إقرارا بأنه سيكون هناك تجاوز للدستور».
لكنه يشير بالمقابل إلى أنه في حال تجاوز رئيس الجمهورية لصلاحياته الدستورية فإن «هناك سلطات سوف تجابهه، واليوم تونس لم تستكمل بناءها الدستوري وخاصة المجلس الأعلى للسلطة القضائية وكذلك المحكمة الدستورية وهي أدوات للتعديل ويمكن أن يحتكم إليها وخاصة المحكمة الدستورية التي سيكون لها الكلمة الفصل في فيما يتعلق بالتزام مختلف السلطات بالنص الدستوري وهي التي ستسهر على تأويل النص الدستوري، ولكن في نظري لا يمكن استباق هذا الأمر (تجاوز رئيس الجمهورية لصلاحياته) وتقديم قراءة تقوم على موقف مسبق».
ويؤكد في السياق ذاته أن تونس التي طوت المسار الانتقالي تحتاج إلى استكمال بعض المؤسسات الديمقراطية التي نص عليها الدستور وخاصة المؤسسات القضائية والهيئات المحلية المحلية البلديات والمجالس الجهوية والأقاليم، مشيرا إلى أن هذا الأمر ضروري جدا لتثبيت أركان الجمهورية الثانية.
ويمنح الدستور الجديد رئيس الجمهورية صلاحيات محدودة تتجلى في تمثيل الدولة وضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية، بعد استشارة رئيس الحكومة.
ويستطيع رئيس الدولة أيضا حل مجلس نواب الشعب في الحالات التي ينص عليها الدستور، كما يرأس القيادة العليا للقوات المسلحة ويتولى إعلان حالة الحرب والسلم وارسال قوات إلى الخارج بموافقة رئيس مجلس نواب الشعب والحكومة.
من جانب آخر، يؤكد الباحث توفيق ونّاس أن الدبلوماسية التونسية لن تشهد تغييرا جذريا، وخاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع المحيط المغاربي أو الانفتاح على دول المشرق العربي، مشيرا إلى أن المعالم السياسية والعسكرية في بعض الدول ما زالت غير واضحة.
ويضيف «هناك مقتضيات وضوابط للسياسة الخارجية التونسية، فالاتحاد المغاربي متعطل حاليا بسبب قضية الصحراء الكبرى، وحل هذه المشكلة هو بيد الجزائر والمغرب، وتونس التزمت منذ البداية الحياد تجاه هذه القضية وهي قاعدة جوهرية
ويتابع «لا أتوقع أي تغيير أساسي في السياسة التونسية بالنسبة لسوريا بدون أن تتوضح مجريات الأمور هناك التي تتدخل فيها أطراف عالمية كبيرة، وأعتقد أن قطع العلاقات مبكرا مع النظام السوري كان خطأ، ولكن أيضا إرجاع العلاقات معه الآن في وقت عملت أغلب دول العالم على قطعها يصبح خطأ آخر، ولا يمكن أن تصحح خطأ بآخر، بمعنى أنه يجب مراقبة الوضع بصفة حذرة وإيجابية حتى يتم إحلال السلام ما بين كل الفرقاء في سوريا وكذلك بالنسبة للفلسطينيين فيما بينهم، بمعنى يجب أن تتوضح معالم السياسة والحل في الشرق الأوسط حتى تستطيع تونس اتخاذ موقف نهائي وواضح وإيجابي في الوقت نفسه».

حسن سلمان