< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

«الغريب» الآخر

عادة ما تثير أعمال لجان الجوائز الأدبية الكبرى اهتمام وسائل الإعلام وبعض القراء. فإلى جانب كونها تغذي الوسائط الجماهيرية بالتعليقات والتصريحات، تثير النعرات المختلفة مع أو ضد بعض المترشحين، فتبدو النوايا على تنوعها معبرة عن الحساسيات والاصطفافات.
هذا ما أمكننا متابعته من خلال ترشح الكاتب الجزائري كمال داود لجائزة الغونكور الفرنسية لسنة 2014 في مجال الرواية. لقد تعبأت الصحافة الفرنسية لمواكبة ترشح كمال داود، وكثرت الحوارات والمتابعات، وأحيانا التعليقات. كما أن الإعلام الجزائري أهتم بدوره بالحدث، فكرس له حيزا مهما يختلف باختلاف المواقف من الرجل، وكتاباته، وإن كان الحماس لترشحه يخفي بعض التعليقات أحيانا. من جهتنا لا يمكننا سوى الابتهاج لوصول داود إلى المرحلة النهائية، وارتأى الكثيرون بأن الجائزة ستكون من نصيبه ليلتحق بمعلوف وبنجلون. وسارت الرياح بما لا تشتهي السفن. إن نقاش جائزة غونكور ومعايير لجانها تثير حافظة العرب لتوجهاتها الخاصة. لكن ذلك لا يقلل من أهميتها، وكل الجوائز لا يمكنها أن ترضي كل الحساسيات. لا أريد أن أدخل فيما يمكن تسميته بـ»القراءة المجيزة»، ولا فيما يمكن أن تثيره من فضول إعلامي، أو مواقف متباينة، فذلك يستحق لمن يريد الاهتمام به موضوعا خاصا للدراسة والبحث. ولكني أرى، عادة، أن الأمر يتوقف على هذا الحد بالنسبة للأعمال المترشحة أو الفائزة. وقلما نجد دراسات عميقة لهذه النصوص. فكلما كثر الحديث عنها، قبيل الفوز أو بعده، يتم نسيان الأثر، ولا يبقى من الزوبعة شيء بعد هدوئها.
لكن رواية «مورسو: تحقيق مضاد» لكمال داود، يمكن أن تثير الاهتمام باعتبارها نصا له خصوصيته على مستويات متعددة. إنها تضعنا في صلب نوع من أنواع التفاعل النصي، أسميته في «الرواية والتراث السردي» بالتعلق النصي، ترجمة للمصطلح الذي اقترحه جنيت، حيث نص لاحق، يتعلق بنص سابق، ويتفاعل معه عن طريق المحاكاة أو التحويل أو المعارضة. لقد اقترحت «التعلق النصي»، وهو ليس «التعالق» الذي حاول جابر عصفور تعديله للمصطلح نفسه. ظاهرة توظيف نوع التعلق النصي كثيرة في الرواية العربية. ومن بين الأعمال التي وقفت عليها في ذلك الكتاب رواية «نوار اللوز» لواسيني الأعرج التي تفاعل فيها مع تغريبة بني هلال، عن طريق معارضتها من خلال «تغريبة صالح بن عامر الزوفري». لكن داود في روايته هذه، التي تفاعل فيها مع رواية «الغريب» لألبير كامو، حقق كل أنواع التفاعل المذكورة. فهي في آن واحد: «إعادة كتابة» للغريب، من خلال محاولة «محاكاتها»، وهي في الوقت نفسه، تحويل لها، باعتبارها «ذيلا أو تكملة» لها. وأخيرا هي معارضة لها، لأنها تتقدم إلينا «تحقيقا» مضادا لرواية الغريب.
لقد تعلق الكاتب كمال داود بألبير كامو الكاتب، تعلق هارون الراوي بمورسو الراوي. وحاول إعطاء نفحة «عبثية» للموت، ولرؤية الواقع في الرواية. فجاءت رواية داود رواية جديدة مختلفة عن الرواية المتعلق بها. وكما أن الدارس يمكنه أن يتفاعل مع نص روائي، ويُقدِم على تحليله لكتابة «نص» آخر، يُقدِّم من خلاله «قراءته» له بما فيها من فهم وتأويل عن طريق توظيف خطاب جديد بلغته وإجراءاته، يمكن للمبدع أن يقوم بالعمل نفسه على نص إبداعي سابق له، فـ «يقرؤه»، ويؤوله، ولكن من خلال تقديم رواية جديدة. لذلك كانت رواية «مورسو: تحقيق مضاد»، قراءة ـ كتابة إبداعية جديدة. فإذا نحن أمام «الغريب» الآخر. رواية «الغريب» (1942) لكامو حققت نجاحا باهرا. وهي على صغر حجمها ظلت مثار اهتمام القراء والباحثين. وحين تعلق بها داود، فلكي يبني من خلالها رؤية جديدة تتركز على علاقة العربي (الجزائري) بالآخر(الفرنسي)، وذلك انطلاقا من جريمة قتل «العربي» في رواية «الغريب». فإذا كان «العربي» الذي ذكر في الرواية حوالي أربعة وعشرين مرة، ظل بلا ملامح، ولا اسم، ولا صفة،،، فإن داود، وهنا مربط إنتاجية الرواية، عمل على جعله مدار الحكي، عن طريق تقديم سيرته من خلال أخيه هارون الذي كان يصغره وقت وفاته بسبع سنوات. فصار لـ «العربي» اسم وسيرة وبطولات. ولقد اختار له الكاتب اسم «موسى». وإذا كانت الرواية عملت على تحقيق اسم «مورسو»، بالبحث في دلالاته الممكنة، التي نجدها تتناقض مع ترجمة الاسم في الترجمة العربية لعايدة مطرجي إدريس (مارسو)، نتساءل عن العلاقة الممكنة بين «موسى»، و»مورسو»؟ وعن العلاقة بين هارون ومورسو؟ وبين كمال وكامو؟ وبين وهران والجزائر في الأربعينيات، وفي زمن التحقيق؟
في كتاب كريستيفا «غرباء عن أنفسنا» نجدها تتحدث عن «حالة مورسو»، أو بتعبيرها: «إننا جميعا مورسو». هارون نفسه يؤكد لنا، أنه إذا كان الجزائري ينادي أي شخص لا يعرفه، باسم «محمد»، فإنه يسمي كل شخص «موسى». فهل نذهب إلى «أننا جميعا موسى»؟
إن أسئلة العلاقات المختلفة والمتعددة، بين النصين، من خلال التعلق النصي، تبين لنا الدور الذي اضطلع به كمال داود في إعادة «تشكيل» الغريب، من خلال «التحقيق المضاد» ليقدم لنا من خلاله «غريبا آخر» يستدعي قراءات متأنية.
كاتب مغربي

سعيد يقطين