< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

المبدأ النثري وشعر الحياة: اختلاط الحدود بين الرواية والشعر

في الآداب الحديثة بدأت الحدود تختفي شيئاً فشيئاً بين شتى الأشكال والقوالب، ولسوف نتحدث هنا عن الحدود ما بين الشعر والرواية.
للوهلة الأولى يبدو وكأن المقارنة بين هذين القالبين غريبة، ويبدو بعض النقاد حريصين على تمييز الأصناف، وعدم اختلاطها، وقديماً كان الناقد الألماني ليسنج يشكو من عدوان الفنون أحدها على الآخر، ولكن المتتبع لمصطلحات النقد نفسها يجد أنها تتضمن هذا الاختلاط وإلا فما معنى حديثنا عن الصورة الشعرية؟ ألا نستعير للشعر مصطلحاً من الرسم؟ وعندما نتحدث عن هيكل القصيدة، وعن بنائها، ألا نستعير مصطلحات النحت وفن المعمار؟
هذا ما بين الفنون المتباعدة في وسائلها، إذن فالفنون الكلامية (الآداب) والتي تعتمد وسيلة الكلمة أقرب إلى أن تتشارك ويؤثر واحدها في الآخر. وليس عجيباً إذن أن النقد الحديث قد قبل مصطلح (القصيدة النثرية) و(الرواية الشعرية) على الرغم من التناقض الذي يبدو لأول وهلة في هذه المصطلحات.
إن القارىء لاشعار أودن، أو لأشعار جاك بريفير خاصة، يرى بوضوح كيف أن الموضوعات اليومية البسيطة، هي مادة لقصائدهما، وكيف أن اشعار بريفير بالذات قريبة من المقالة الصغيرة، أو من تسجيل اليوميات.
وبالمقابل فإن كاتباً مسرحياً مثل إبسن، أو روائياً مثل جيمس جويس، هما شعراء في الروح التي يتناولان بها موضوعاتهما، رغم الأداء النثري في قالب المسرحية أو الرواية.
هناك حاجتان متعارضتان، يمكن تبينهما في الرواية، كما يمكن تبينهما في الشعر خلال النصف الأول من القرن الحالي: الحاجة إلى الحقائق، والحاجة إلى الشعر.
وهاتان الحاجتان تطابقان على حد ما شيئاً نشعر به نحن أنفسنا حين تجابهنا التجربة الحديثة:
ـ الحاجة إلى المعلومات.
ـ والحاجة إلى المخيلة.
وما بين هذين القطبين، يتحرك مؤشر التفاعل المتبادل بين الرواية والشعر، كل لون منهما كان بحاجة إلى عنصر موجود في اللون الآخر، مفتقد عند ذاته، فنجد أحياناً أن الرواية منغمسة في الشعر مستوعبة فيه، وأحياناً نجد أن القصيدة منغمسة في الواقع مستوعبة فيه.
إن جويس وفرجينيا وولف ود. هـ. لورانس من أدباء مطلع القرن الحالي، يمثلون ردّ فعل المخيلة الشعرية على المبدأ النثري، كانوا يقومون بردّ فعل ضدّ كتّاب النثر الوقائعي جداً، ومن مثل ويلز، وشــو، وبنيت.
إن التأرجح ما بين الواقعي والشعري والتفاعل المتبادل بينهما، يبدو في فترة زمنية معينة وكأنه انتصار لمبدأ النثر على الشعر أو العكس، ثم ما تلبث الدورة أن تُعاد. والحقيقة أن عنصري المخيلة والوقائع سيظلان دائماً موجودين رغم التنافر بينهما، وهكذا فما من ضير في أن تدخل الشعر لمسات من الواقع، وأن تسري في الرواية روح من الخيال الشعري، ولعل في هذا خطاباً لكلا القالبين من الأدب، بالإضافة إلى أنه خطوة من خطوات التغير والتطور، الذي يشمل بسننه الأدب كما يشمل كل مناحي الحياة.

مرثية أبو ذؤيب الهذلي لأولاده

في الشعر العربي القديم لوحات حية تستحضر للقارىء صور الحياة العربية في البادية، وهي في مجملها حياة بسيطة سواء في مظاهرها الخارجية كتحصيل العيش والسكن والارتحال، أو في مضمونها الروحي الباطني حيث تتبدى العاطفة صافية جلية في الحب والبغضاء، في الفرح والحزن.
لقد قال الشاعر القديم قصائده مفتخراً حيناً، مادحاً أو هاجياً حيناً، واصفاً لمتعة الوصف أو متوعداً أعداءه. ومن بين هذه الأغراض الشعرية المختلفة كتب الشاعر قصيدة الرثاء أيضاً.
تظل المرثاة واحدة من ألصق القصائد بالنفس على تغير الأزمان وتطور الحياة. إننا لا نستسيغ الآن قصيدة الهجاء مثلاً، وتبدو قصيدة الفخر غريبة عن عالمنا. طبعاً إن الهجاء والفخر جزء من حياة البادية، دعت إليها طبيعة الحياة إذاك، حيث مؤسسة القبيلة وقوّتها وعلوّ شأنها من الأمور الحيوية جداً للشاعر. الصراع على لقمة العيش والدفاع عن البقاء ولدا قصيدة الهجاء. أمور طبيعية جداً.
غير أن الحال تغير الآن تماماً، وبتغيره انقرضت قيم وحلت محلها قيم جديدة. ومن أجل هذا تبدو قصائد كانت طبيعية في وقتها، غريبة على زمننا الحالي.
أما المرثاة فقد بقيت دائماً قريبة من النفس، ذلك أن حدث الموت وما يخلفه من مشاعر الحزن لم ينته ولن ينتهي.
مرثية شهيرة من مراثي العرب تلك التي كتبها أبو ذؤيب وقد فقد أولاده الخمسة في عام واحد: «أمن المنون وريبها تتوجع/ والدهر ليس بمعتب من يجزع/ قالت أميمة ما لجسمك شاحباً/ منذ ابتلـــيت ومثل مالك ينفع».
في المفتتح يعرض الشاعر هول مصابه بأولاده ويصرح برغبته في الموت، إلا أنه وفي الوقت ذاته يحض نفسه على التجلد خوف شماتة الأعداء، ويحاول أن يعزي نفسه برؤية حدث الموت على أنه حدث عام لا بد منه ولا تنفع ضده تميمة (…)
روعة هذه المرثية تكمن في أنها خرجت من دائرة الحزن الفردي الذي مهد به الشاعر لقصيدته لترتفع إلى أفق الوجود الرحب، فتتابع صور الموت في مصرع حمار وحشي بغتة على يد صياد كامن، ومصرع ثور بري في صراع مخيف مع الكلاب، وأخيراً مصرع الفارس في ساح الوغى. وبهذا ربط الشاعر بين همه الخاص لوفاة أولاده، بهموم البشر عموماً وهم يواجهون الموت، بل تعداه إلى هموم الحياة على الإطلاق، حتى همّ الحيوان الأعجم وهو يواجه الموت.
عن «الأعمال الكاملة»، دار ابن رشد، 1985

الفراشة ونار الخواء

ذات خريف، بعد أيام قليلة أعقبت إعلان وقف إطلاق النار في حرب تشرين الأول/أكتوبر، احتسى الكاتب الأردني تيسير سبول (1939ـ1973) فنجان قهوة كان قد طلبه من زوجته، السيدة ميّ اليتيم؛ ثمّ استلقى على فراشه، واختار إنهاء حياته، حتى قبل أن يبلغ الأربعين، برصاصة في الرأس. ليسوا كثراً كتّاب العرب الذين انتحروا (أحمد العاصي، إسماعيل أدهم، عبد الباسط الصوفي، خليل حاوي، أروى صالح…)، لكنّ انتحار سبول قد يكون الأكثر غموضاً، بمعنى دوافعه الكثيرة المرجحة: المرارة الوطنية، العبث القدري، التصوّف الأقصى، حافة الموت كملاذ من الحياة، أو المرض (وفق ترجيح عيسى الناعوري، مثلاً). الثابت، مع ذلك، أنّ الجذوة التي أشعلت حياة سبول القصيرة، ولكن أعطت في المقابل نتاجاً إبداعياً ونقدياً وفكرياً فريداً، كانت تنتقل من اتقاد عنيف إلى آخر أعنف، أشدّ اضطراماً من احتمال رجل تشبّع بالأمل والانكسار في آن معاً، وآمن بالحياة وهو في ذروة انسياقه نحو الموت.
في مجموعته الشعرية «أحزان صحراوية»، التي صدرت سنة 1967، وفي قصيدة بعنوان «شتاء لا يرحل»، تعود إلى سنة 1959، يقول سبول: «وأعلم أني أحب الربيع/ وأصبو إليه صبوّ اشتهاءْ/ ولكن قلبي يعاني شتاءْ/ يلوح بلا موسم منتظر/ أحس الدموع به تنهمرْ/ وأسمع فيه خواء الرياح/ شتاءٌ/ شتاءْ/ أرى للغيوم/ وأنصت في خاطري للخواءْ/ وأعرف أني ما زلت ذاك القديم/ وعمري شتاء». كان المرء، يومذاك، لا يعثر على نظائر هذه الصياغات الشعرية، في النبرة وفي اللغة وفي الإيقاع، إلا لدى روّاد من أمثال صلاح عبد الصبور (الذي كتب عنه سبول، بإعجاب)، وخليل حاوي (هل اقتفى سبول أثره، شعراً وانتحاراً؟)، وبالتالي يمكن الترجيح بأنّ هذا الشاعر كان سيحتلّ مكانة عالية ومميزة في صفّ أبرز أصوات تجديد الشعر العربي، لو أنه بقي على قيد الحياة.
كذلك كانت الحال ـ من حيث التجديد في الموضوع والتجريب في الشكل واللغة، والحسّ الطليعي في التقنيات وتحليل الشخصيات ـ في رواية سبول الوحيدة «أنت منذ اليوم»، التي فازت بجائزة النهار لعام 1968، مناصفة مع رواية هامة بدورها، هي «الكابوس» للأردني أمين شنار. ولم تكن القصص القصيرة، والمقالات النقدية (التي تناولت الشعر والرواية والنظرية الأدبية) أقلّ احتشاداً بسلسلة الحساسيات المشحونة التي كانت تدفع سبول إلى التألق والالتماع… قبيل الاقتراب، على هدي الفراشة، من نار الخلاص!

نصّ : تيسير سبول