< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

جمهوريّة الحجاب

يتهيّا لي أحيانا أنّ حياة كثير منّا، صارت أشبه بـ «أكواريم» تسبح فيه كائنات لا تصغي لإيقاع الحياة خارج الكرة الزجاجيّة التي حُشرت فيها. وهذه الصورة على قتامتها، ليست بالجامحَة ولا المبالغ فيها. وبإمكان أيّ منّا أن يرصدها في سلوك الفرد رجلا كان أو امرأة؛ وقد صار يحمي نفسه من العالم الخارجي، إمّا بالشكّ أو بالعدميّة أو اللامبالاة أو التشدّد الديني إلى حدّ الهوس أحيانا. كثيرا ما نرى في الطرقات أو في الحافلة أو المترو؛ نساء وبعضهنّ لم يُراهقْ العشرين، حزينات منكسرات في أحجبتهن أو براقعهنّ، وتحدس أنّهنّ يحتجن إلى بلسم يُضمّدن بها جراحات أرواحهنّ. لا اعتراض لي على حقّ المرأة في أن تلبس ما تشاء، ولكنّي أتعجّب من شيوع لباس بعينه، غريب على تقاليد المجتمع وعاداته وأزيائه: كيف نفسّر هذه الظاهرة؟ وبمَ نسوّغها؟ تذهب الباحثة التركيّة «نيلوفر جوليا» في «الجمهوريّة والحجاب» إلى أنّ الزيّ أو الرداء الجديد الذي يتّسم بوحدته، يختلف عميقا عن شكل الحجاب التقليدي، ويعبّر عن معنى آخر أكثر من كونه مجرّد غطاء للرأس اعتادت المرأة التركيّة ارتداءه في المدينة أو الريف. وهي تبيّن أنّ الحجاب، حتى وإن كان يرمز عند البعض إلى الهويّة الثقافيّة والحضاريّة لا يشير البتّة إلى العودة ثانية إلى الثقافة التقليديّة القائمة على سلطة الأب، والفصل بين الجنسين أو منع المرأة من الظهور في الحياة العامّة. وتعلّل الباحثة شيوع هذه الظاهرة، بنسبة أو بأخرى، بـ «اختفاء» مقدّمات التقدّم والتحديث التي يعزوها البعض إلى بنية التعليم التركي الغربي، أي تلك التي وضع أسسها أتاتورك، وما رافقها من مناشير وقوانين كانت تدعو إلى إحلال الزيّ الغربي محلّ الزيّ الشرقي. وكانت زوجته لطيفة المحامية ذات التعليم الفرنسي تؤدّي عملها في سائر أنحاء تركيا دون أن ترتدي الحجاب التقليدي. وتخلص نيلوفر جوليا إلى أنّه من المفارقات حقّا أن ترتدي أكاديميّات ونسوة من الطبقة الوسطى الحجاب الجديد، على حين تحرّرت أمّهاتهنّ من ارتداء النقاب وغطاء الرأس. وهي تفسّر ذلك بأنّ الزِيّ الجديد ليس إلاّ نتيجة تفسير جديد للدين، تتبنّاه جماعات أصوليّة لا تسيّس الإسلام فحسب، وإنّما تتقاسم مع تيارات «ما بعد التحديث» مثل الحركات النسويّة أو جماعات الدفاع عن البيئة أو الحركات العرقيّة، التوجّهَ على أساس بنية الهويّة وتأكيد الخصوصيّة والمحليّة، ضد مفهوم العولمة التجريدي أو المثالي. ومن ثمّ يمكن أن يشير الحجاب أو النقاب إلى الاختلاف عن الغرب، حيث الجسد مسرح للفرجة السياسيّة.
إنّ الإسلام سواء تجلّى في مؤسّسات الدولة أو في سلوك المسلم، ليس مجرّد دين وإنّما هو ثقافة وحضارة أيضا، يتمثّل لكثير من المسلمين والمسلمات ضرورة روحيّة بذات القدر الذي يتمثّل به ضرورة اجتماعيّة، ورؤية مخصوصة للكون بشتّى مفرداته وأشيائه، تظافرت في صياغتها عوامل معقّدة، ليس من اليسير الوقوف عليها في مقال كهذا سقفه محدود. ذلك أنّ المخيال الذي يحفّ صورة الجسد في ثقافة الإسلام، قائم في شتّى الطقوس، وخاصّة الديني منها مثلما هو قائم في اللغة والسلوك والموقف من الآخر. ولا غرابة أن تجمع هذه الثقافة ذلك كلّه في كيان واحد، فالإسلام يمتلك بحكم دورانه على خطاب مطلق، كما هو الشأن في الأديان عامّة، خصائصَ ذاتيّة في أشكال تجلّيه ومضامينها. وهي التي تتيح له إمكان التصرّف بالمفردات والمعاني والإفادة من المخزون الثقافي والذاكرة الجمعيّة، ونشر ذلك عبر الزمان والمكان، لتأخذ بمرورالزمن ظلالها وسحرها، وتفعل فعلها في الوجدان الجمعي.
ومن هنا فإنّ الجسد في ثقافة الإسلام الحديثة، مشحون بدلالات مأتاها الواقع الراهن، وما يداخله من الوافد الثقافي. وهذا الواقع يتنوّع لا شكّ بتنوّع الفضاء العربي أو الإسلامي، بما يسوق إلى القول إنّ صورة الجسد ـ وخاصّة جسد المرأة ـ صورة مركّبة يختلط فيها الواقع والخيال، وبعضها حصيلة تاريخ، وبعضها حصيلة أسطورة. ومن ثمّ يصعب أن نظفر بإجابة شافية، كلّما تعلّق الأمر بأسباب شيوع ظاهرة الحجاب أو النقاب، في هذا المجتمع الإسلامي أو ذاك. وقد تكون القضيّة أعمق من أن نحصرها في جدل «عقيم» حول ما إذا كان الأمر يتعلّق بفرض دينيّ أم لا، فالظاهرة تتعدّى ذلك إلى دوافع اجتماعيّة وسياسيّة بالأساس. ولعلّها صورة ممّا يسمّيه المعاصرون «عودة المكبوت»، وما تنطوي عليه، من انفعالات وتطلّعات كثيرا ما تكون محكومة بنوع من «التجاذب الوجداني».
وفي هذا التجاذب، تمتزج عند الفرد، مشاعر الحبّ والكراهيّة إزاء الموضوع نفسه. من ذلك مثلا المقاربة المغرية التي ذهبت فيها الباحثة المغربيّة فاطمة المرنيسي إلى أنّ الحجاب يرمز أو يشير إلى عبادة الآلهة قبل الإسلام. فقد حملته النساء هويّة لهنّ، وبقي وشم ذكرى من تلك المرحلة حتى بعد تأسيس دولة الإسلام. على حين تقف نوال السعداوي على طرف النقيض من ذلك. فهي ترى أنّ الرجل هو الذي يدفع المرأة زوجة أو ابنة إلى ارتداء الحجاب أو النقاب لكي يميّزها عن غيرها باعتبارها ملكا له. ومهما يكنْ فإنّ ما نحتاج إليه حقّا هو الحوار داخل الثقافة الواحدة، حتّى لا يظلّ كلّ خطاب ثقافي يدور على مطلقه فيقطع صلته بالفكر والحياة.
كاتب تونسي

منصف الوهايبي