< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

رحيل مارك ستراند شاعر قصيدة النثر الأشدّ عتمة

مُقلِقٌ عندما يتذكّر الموت أحد أفراد جيل أدبيّ ما. كأنّ الجيل بكامله يصبح عندئذ تحت خطر الاستدعاء. فبعد سبعة شهور تماماً على رحيل الشاعر الأمريكي رسل إدسون ( 29 نيسان 2014)، انضمّ إليه في التاسع والعشرين من الشهر الماضي، مارك ستراند، الشاعر الأمريكي الكندي المولد، لتبدأ رحلة غياب الجيل الأول من شعراء قصيد النثر الأمريكية.
أن يحثّنا رحيل ستراند على استدعاء اسم إدسون، ليس مردّه علاقة المجايلة بينهما فقط، بل لأن الكلام على شعر أحدهما يوصِلنا إلى الآخر، ويوصلِنا إلى إلقاء نظرة بانورامية على مشهد شعري أمريكي معاصر، شكّلتْ فيه قصيدة النثر الأمريكية منذ الستينيات تفاصيله الأكثر بروزاً وأهمية؛ القصيدة التي ضمن فيها ستراند، أسوةً بإدسون، مكانةَ أحد المؤسّسين وأحـــد الصانعين لتاريخها الأنجلوسكسوني الحديث الرسوخ.
تأخرتْ قصيدة النثر الإنجليزية عن مثيلتها الفرنسية لأسباب توضّحُها مارغريت مورفي في كتابها «إرث من التحطيم». أسباب لها علاقة بالبدايات المتعثّرة لهذه القصيدة في إنجلترا، وبالإرث الإليوتي (نسبة إلى ت. س. إليوت) المـُحافِظ. في وقت ليس بالبعيد (الستينيّات من القرن المنصرم)، كانت أمريكا المكان الذي استطاعت فيه قصيدة إنجليزية جديدة التحرّر من هذا الإرث؛ قصيدة نثر أرادتْ حتى تجاوز التجديد الويليامزي (نسبة إلى وليام كارلوس وليامز)، مرتَكزةً بالتأكيد على الإرث الفرنسي لهذه القصيدة، الأقدم كتابة وتنظيراً، لكن مع محاولات ناجحة إلى حدّ كبير في أَمرَكتها، أسلوباً ومضموناً، ووصلِها بتاريخ شعري أمريكي ذي علاقة وثيقة بالمكان، يعود إلى والت ويتمان، وليامز، وجون آشبري…
هكذا كان ستراند من أوائل الذي بدأوا كتابة هذه القصيدة الأمريكية النثرية. لفتَ الانتباه لموهبته الشعرية منذ مجموعته الأولى «النوم بعين مفتوحة» (1964)، التي عبّر فيها ستراند عن قلق وجودي، ظلّ سمة مرافقة في مجموعاته الشعرية اللاحقة، ومُتلبِّساً أشكالاً عديدة من المضامين.
في مجموعاته التي تلتْ: «أسباب للرحيل» (1968)، «عتمة أشدّ» (1970)، «قصة حيواتنا» (1973)، «الساعة المتأخرة» (1978)، «النّصب» (ترجمة العنوان هذه لأمجد ناصر هي الأنسب برأيي)، (1978)، رسّخ ستراند نفسه، أسلوبياً، في عالم قصيدة النثر الأمريكي، والعالمي. ففي تلك المجموعات، والتي تلتْها، وطّد سمعته، رويداً رويداً، كأحد ممتهني قصيدة النثر السردية أولاً، والسريالية ثانياً. السريالية بمرجعيتها البورخيسية والجاكوبية (نسبة إلى ماكس جاكوب)، المرجعية التي يتحدّث عنها ميشِل ديلفيل في كتابه «قصيدة النثر الأمريكية».
«كان الوقت عصراً، لكنّي كنتُ واثقاً/ أنّ ضوء القمر كان عالقاً تحت الصحون./ كنتِ واقفةً، عبر النافذة، تقولين: «ارفعْها»./حين رفعتُها، كان البحر مظلماً،/ الريح تهبّ من الغرب، وكنتِ رحلتِ». (ستراند ـ من «الساعة المتأخرة»).
الميكانيكية السردية التي اقتبستْها قصيدة النثر من أجناس أدبية أخرى، لتعيد طرحها شعرياً، كانت هاجساً نقدياً لدى كثيرين من المهتمّين بتاريخ قصيدة النثر. لذلك لم يكن الشاعر والناقد الأمريكي روبرت بلاي أوّل من حلّل تلك الميكانيكية، لكنه كان ربّما أول من طرح تصنيفاً معقولاً ومختصراً للأشكال المختلفة لما نسمّيه اليوم «قصيدة النثر». يتحدث بلاي عن ثلاثة أنواع لقصيدة النثر: «قصيدة الشيء» يمثلّها بلاي نفسه وشعراء أسلاف كفرانسيس بونج وخوان خيمينيث؛ «قصيدة الصورة» ذات اللغة الملتهبة، بمثالها الأوضح لدى رامبو؛ والقصيدة «الحكائية»، التي يعتبرها بلاي من أقدم أنواع قصيدة النثر، في أمثلتها المعاصرة الأكثر وضوحاً لدى شعراء مثل رسل إدسون، دايفيد إغناتو، ومارك ستراند.
لم تكن الطريق معبّدة لشعراء قصيدة النثر في أمريكا. فقد قوبل التخلّي عن تقاليد راسخة في الكتابة الشعرية، قوامها الإيقاع الموزون، أو حتى غير الموزون، واستخدام النثر المنفلت من أي ضوابط إيقاعية لغوية، بمقاومة أكاديمية، وأخرى عامة معتمدة على ذائقة شعرية كانت قد بدأت لتوّها بالانزياح في بداية الستينيات.
الاطلاع على الصدى النقدي لأعمال ستراند الشعرية، يمنحنا المثال الأوضح للتحوّل في المكانة الأدبية العامة، والأكاديمية الخاصة، الذي أصاب قصيدة النثر الأمريكية مع تراكمها الزمني والكتابي. ففي المقدمة التي كتبها الشاعر الأمريكي ديفيد ليمان للأنطولوجيا الشعرية الهامة: «قصائد نثر أمريكية بارزة ـ من بو إلى الزمن الحاضر»، يسرد ليمان حادثة الهزيمة الأبرز التي مُنِيتْ بها قصيدة النثر في بداياتها، حين رفض بشدّة، في العام 1978، رئيس لجنة «جائزة بوليتزر» العريقة، منح الجائزة لستراند عن كتابه «النّصب»، لأنه مكتوب نثراً. استمرّ ستراند طبعاً في كتابة الشعر (نثراً)، وأصدر في العام 1990 «الحياة المستمرة»، وفي 1993 «مرفأ معتم»، وفي العام 1998 «عاصفة ثلجية»، المجموعة الشديدة النثرية أيضاً، والتي تفاعلتْ معها لجنة «جائزة بوليتزر» في نهاية التسعينيات بطريقة مختلفة، مانحةً الجائزة نفسها التي حجبتْها عنه قبل واحد وعشرين عاماً، لصاحب المجموعة (ستراند)، وذلك في العام 1999. ترسخّتْ مكانة ستراند الشعرية بعد هذه الجائزة، وحاز في العام 2004 على جائزة والاس ستيفنز للشعر؛ ستيفنز الذي كان له (بحسب ستراند نفسه) تأثير شعري كبير عليه. وفي العام 2009، حاز على الميدالية الذهبية في الشعر من «الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب».
ربّما كان ستراند من أكثر الشعراء الأمريكيين الحديثين الذي استخدم العبثية السريالية في قصائده كوسيلة وليس كغاية. من أكثر الشعراء الأمريكيين الذين تعاملوا مع كتابة قصيدة النثر بعمق وجديّة. وفي عودة إلى العلاقة التي تربط بين ستراند وإدسون، شاعرَيْ قصيدة نثر سردية سريالية، تبدو العبثية لدى إدسون، ولدى الكثير من مقلّديه، غاية لا تستر وراءها إلّا رغبة في اللعب، مُحاطةً بالفراغ. بينما يغوص ستراند منذ بداياته في حوار طويل مستمر مع ذاته ومع العالم حول الهوية، الفردية والجمعية، متأرجِحاً في هذا الحوار بين لوحات شعرية تصوّر في الوقت نفسه، جمال العالم ورعبه. لوحات شعرية، يظهر في بنيتها المشهدية تأثر ستراند (وهو تأثر لم يخفِه) بالفنون البصرية. تأثر يبدو مفهوماً في ضوء الدراسة الأكاديمية التي حصل عليها ستراند، والتي تشمل شهادة في الفن التشكيلي من جامعة «ييل».
«جلستُ في غرفة شبه مظلمة،/ تطلّ على البحر. كان على سطح الماء، شعاعُ ضوءٍ/ ينطلق منه قوسُ قزح ينتهي قرب السلالم./ تفاجأتُ عندما اكتشفتُ وجودكِ في آخره». (ستراند ـ من «الساعة المتأخرة»).
«ها قد عادوا، الشعراء الغاضبون. لكن انظر إليهم! أتوا بمطارق وسُطول صغيرة، يقتلعون قطعاً من النُّصب لتفحّصها واستخدامها في صنْع قبورهم الصغيرة». (ستراند ـ من «النّصب»). تحدّث ستراند في مقابلات عدّة، عن الوقت الطويل الذي يأخذه أحياناً لكتابة قصيدته. من ناحية أخرى، عبّر إدسون عن ازدرائه للتنقيح، وحبّه للغزارة في الكتابة. ربّما هذا ما يفسّر الفرق بين عبثيةٍ تتزاوج مع المعنى. عبثية تستبطن العمق، كتلك التي يكتبها ستراند، وتلك التي أخذها إدسون إلى حدودها الأكثر لعباً، وفراغاً.
«هل تذكر قصّة موتي؟ حسناً، خطّطتُ له في وقت مبكّر جداً. فعلتُ ذلك من أجلك، حتى يمكن لك فهمه، حيث لم يستطع أحدٌّ فهمه. عندما استلقيتُ على الوسائد الباردة، محدّقاً في السماء المخمليّة السوداء عبر النافذة المشرعَة، مشيراً، رغم أن يدي كانت على وشك الانهيار، وقلتُ بصوت هادئ واضح: «انظروا! انظروا!». (ستراند ـ من «النّصب»).
بدا ستراند دائماً كمن يكتب، ويدٌ تداعب وجه الحياة، ويدٌ أخرى تحاول تلمّس ملامح الموت. هذا التوتر في المسافة بين هاجسين، كان الخيط الذي يربط مجموعاته الشعرية الثلاث عشرة. في مجموعته «الإنسان والجمل» (2006)، تتجلّى، في أقصى حدودها، ثقته بخياله الشخصي. الثقة التي على ما يبدو، جعلتْه في مجموعته الأخيرة «غير مرئي تقريباً» (2012)، يتخلّى عن حيطته المعهودة أمام إغراءات الخيال، حيث بدتْ هذه المجموعة خروجاً من النسق العام لكتابته، نحو عبث أصمّ. في إحدى مقابلاته الأخيرة، يصف ستراند المجموعة بخفيفة الوزن. هكذا أراد ستراند أن تكون مجموعته الأخيرة.

فادي سعد