< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

السلطة التي لم تسلم أبدا في تونس

■ عشر دقائق كانت تكفي لاستكمال مراسم التسليم. دخل الباجي قصر قرطاج في موكب مهيب طوقه الخيالة من اليمين والشمال تطبيقا لوصايا البروتوكول، وغادر المرزوقي في أعقاب جلسة شكلية قصيرة مع الوافد الجديد، تاركا خلفه تنازلا «صريحا ناجزا لا رجعة فيه»، كما قال عن هدايا ثمينة تلقاها من رؤساء وقادة أجانب زمن الخدمة، ولم يعد هناك من داع أو موجب للاحتفاظ بها بعد ترك السلطة والعودة الى «شعب المواطنين» بلقب المواطن الرئيس.
المشهد كان باردا كطقس اليوم الأخير من العام الماضي، لكنه هادئ وساكن بعكس العواصف الهوجاء التي هبت بقوة وأجبرت المنظمين في اليوم ذاته على اختصار الحفل وتعويض الاستعراض العسكري المفتوح في احدى ساحات القصر بآخر في الداخل أقل حشدا ووقتا.
انزاحت الغمة و»تنفس التونسيون الصعداء بعد انتهاء المؤقت»، كتبت صحيفة «الصريح» اليومية بالبنط العريض وعلى صدر صفحتها الأولى تعليقا على الحدث التاريخي. «وفتح باب الأمل أمامهم»، مثلما أضافت في تقديمها لخطاب الرئيس الجديد امام البرلمان. موقف الصحيفة كان نموذجا بسيطا ومصغرا لنظرة أحادية الجانب سادت معظم وسائل الإعلام المحلية، وبدت من خلالها بوضوح مظاهر النشوة الفاضحة والمكشوفة لقدوم الباجي والتشفي بخروج المرزوقي من القصر في نهاية تجربة قصيرة وصفت بالفاشلة والكارثية. خارج تونس كان هناك انبهار واعجاب لقدرة بلد عربي صغير على دخول نادي الديمقراطية العريق وانتزاع عضوية صعبة الشروط وباهظة التكاليف. لكن المغالطة التي انخرط فيها الجميع عن قصد، أو لمجرد التفاؤل الكاذب والمجاملة الرقيقة، هي أن ما حصل لم يكن تسليما واستلاما كاملا للسلطة بالمعنى الدقيق والمألوف الذي عرفه الغربيون، ولا حتى ايضا بالشكل والأسلوب والمنطق الذي حكم ويحكم حتى الآن عمليات انتقال السلطة في البلدان العربية التي ما زالت تدور خارج فلك الديمقراطية. والسبب بسيط، وهو ان السلطة ورغم التحولات التي طرأت على البلد في الأعوام الأربعة الأخيرة لم تخرج البتة من دوائرها المغلقة القديمة، عكس ما توقعه أو انتظره البعض، فكل ما جرى هو أن وجوها جديدة من خارج النظام سمح لها ولمدة قصيرة ومحدودة باستلام طبق مغشوش وغير أصلي لسلطة وهمية وغير حقيقية وذلك لغاية واحدة فقط وهي إظهار عجزها وقصورها عن إدارة شؤون الدولة، حتى تمنح بالمقابل مشروعية جديدة للحكام القدامى الذين غيروا جلدتهم في سبيل ان يضمنوا تواصل سيطرتهم واستمرارها بواسطة مشروعية الصناديق وإرادة الجماهير بعد ان كان الامر يتم في السابق بانقلابات ناعمة وهادئة داخل العائلة الواحدة مثلما حصل لبورقيبة في 1987 .
رفع الغطاء قليلا عن قدر ظل يغلي لوقت طويل ويوشك على الانفجار في كل مرة، لولا تدخل اللحظات الأخيرة، وامتُص بذلك غضب مكتوم في القاع لم يُسمح له أبدا بالظهور على السطح بقوة وعنف خارج حد السيطرة والتحكم، ثم ُوضع التونسيون في النهاية أمام متاهة لا حل أمامهم للخروج الآمن والسريع منها الا باختيار واحد من أمرين، إما حريتهم بما تعنيه من فوضى الغابة وضراوة وحوشها الكاسرة والمخيفة، أو أمنهم واستقرارهم بما يفرضه من انصياع تام وطاعة عمياء ومطلقة لسلطان الدولة صاحبة المقام والهيبة. حتى الان ظل التردد سائدا ومسيطرا على الجميع، وهو ما ظهر بوضوح في نتائج الدور الثاني من انتخابات الرئاسة. فنصف التونسيين تقريبا لا يرون حرجا أو ضيرا في مقايضة حرياتهم بالأمن، ونصفهم الآخر لا يرغب بالمقابل بالتنازل أو التفريط مطلقا في بعض الحريات التي غنمها في الأعوام الأخيرة. ذاك التردد وتلك الحيرة جعلت المهمة صعبة وشاقة ومحفوفة بالمخاطر، فتونس التي انتفضت في وجه الاستبداد والحكم المطلق لم تملك بعد القدرة أو الإرادة على السير في الاتجاه المعاكس لميزان قوى الداخل والخارج.
حتى الثوريون أدركوا تلك الحقيقة الصادمة والغريبة باكرا، وهي ألا معنى لانتقال سلمي ومدني للسلطة مع استمرار الحديث عن ثورة لم تقوض شيئا من أصنام الماضي وأركانه، بل أن كل ما فعلته هي أنها عبدت الطريق أمامه ليحكم الحاضر والمستقبل بالادوات نفسها وحتى الوجوه ذاتها بعد اخضاعها لعمليات «شفط» الاستبداد ولتجميل ديمقراطي «على السريع».
لقد لخص عدنان منصر مدير الديوان الرئاسي في ذلك الوقت في مقابلة أجرتها معه صحيفة «الدستور» الأردنية في الحادي عشر من مارس/ آذار من العام الماضي، ما حصل داخل تونس بأنه» صراع بين نخبة قديمة لا تريد أن تمضي ونخبة جديدة لم يفسح المجال أمامها حتى تمسك بمقاليد الأمور… نخبة كانت تحكم وأزاحتها الثورة وتريد الآن العودة باستعمال الأدوات الديمقراطية التي فرضتها الثورة والتي كان فضل النخبة المقصاة كبيرا في إرسائها وهذه النخبة الجديدة التي لا تجد الظروف مهيأة بالكامل امامها لاستلام الأمور فيجب ان تصارع النخبة القديمة من اجل استلام الامور…».
لكن هل صارعت حقا تلك النخب الجديدة من أجل إزاحة القديم وإبعاده، أم حاولت على العكس من ذلك استرضاءه ومهادنته؟
في إحدى المناسبات سألت وزيرا سابقا في حكومة الائتلاف الثلاثي المعروفة بالترويكا إن كانت لتلك الحكومة استراتيجية عمل واضحة للتعامل مع بقايا النظام السابق؟ وفوجئت به يقول لي بأن لا شيء من ذلك كان موجودا على الاطلاق بل ترك الامر لكل وزير ليتدبر طرق التصرف مع رموز الاستبداد الذين كانوا يشغلون مواقع مهمة في أجهزة الدولة بحسب اجتهاده وتقديره الخاص. وحتى داخل الاحزاب الحاكمة لم توجد ابدا لا خطة ولا تصور مضبوط ودقيق للمسألة. كان الحكام الافتراضيون يمسكون خيوطا شديدة الوهن لسلطة زئبقية رخوة لا وجود لها إلا على الورق وكان النظام السابق الذي ظن الكثيرون انه قد لفظ انفاسه الأخيرة بهروب رئيسه المخلوع، يلملم بقاياه ويستعد للحظة الفاصلة مستغلا انشغال القادمين الجدد بمعالجة ملفات جانبية أُسقطت فوق رؤوسهم دفعة واحدة وجعلتهم يعملون تحت الضغط العالي للنقابات ورجال الاعمال وعصابات التهريب التي زرعها الاستبداد على طول البلاد وعرضها.
كان الأمر أشبه بخلايا سرطانية قاتلة لم تترك للوافدين فرصة حتى لالتقاط الأنفاس. وتحولت معها الحرية إلى معول يحطم به المستبد السابق كل أمل أو فرصة للاصلاح والتغيير. أُعطيت بشكل متزامن إشارة موحدة للانكماش أو الدفاع الذاتي وصارت هناك دول داخل الدولة الواحدة. النقابات تحكم وتقرر والقضاء يسير بالأهواء والمصالح والجهاز البيروقراطي يرفض كل القرارات والأوامر فيما يشبه العصيان المدني غير المعلن. لا صوت للحكام الجدد ولا أثر لهم حتى في وسائل الإعلام الرسمية والمصدر الوحيد تقريبا لتتبع اخبارهم هو صفحات التواصل الاجتماعي، وكأن الامر يتعلق بجمعية أو ناد ثقافي لا بحكومة وسلطة تقود البلد. والنتيجة هي ان القصف الإعلامي المستمر والمركز اصاب اهدافه بدقة متناهية، ولم يعد هناك امام القوى الجديدة من خيار سوى البحث عن»تسوية تاريخية» وتقاسم مدروس للسلطة، أو مواجهة حرب مفتوحة «تسقط البيت فوق رؤوس الجميع»، على حد وصف الشيخ راشد الغنوشي، وليس باستطاعة أي أحد التكهن بمآلاتها وعواقبها. اختارت تونس بعد ذلك أخف الاضرار وأقلها كلفة، أي الحكمة فاضاعت بذلك الثورة. لكن الوقت قد لا يخدم الوجوه القديمة التي عادت للتمسك مجددا بزمام السلطة بالضرورة لان «شعب المواطنين» الذي بشر المرزوقي بولادته قد لا يقبل بسهولة أن يلدغ من جحر الاستبداد مرتين، مثلما ان الوجوه الجديدة لن تكون قادرة في المستقبل على استلام سلطة «موهومة» وتسليم اخرى «مشؤومة» إلى ملاكها المؤبدين الصالحين لكل الازمنة والعصور، كما خيل لهم .

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية