< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

خطاب الحركة في مسرحية «في انتظار المحاكمة» للكاتب الجزائري محمد بورحلة

إذا كانت الاحتفالية عند الكاتب المسرحي المغربي عبد الكريم برشيد، تعني الاستفادة من التراث في تطعيم الفكرة المسرحية العربية وتسنيدها بالخصوصية، فالاحتفالية عند عبد المالك برشيد ليست التنظير، ولكنّها تلك الأعمال «التي تتميز بامتلاكها مضامين مختلفة ولها لغتها المتميزة وأدواتها التعبيرية الخاصة»، كما يقول سعد السّعدون، بمعنى أنّ المسرح ضمن مفهوم الاحتفالية يتميز بالفرجة من خلال حوارية متواصلة مع الفاعلين المسرحيين ومع الجمهور.
هذه الحوارية هي التي أسس لها محمد بورحلة عبر هجرته ضمن أشكال الكتابة السردية، إلى أن عثر على الشكل الذي يفك عزلته، حيث يعترف قائلا، في مقدّمة مسرحيتي «في انتظار المحاكمة» و»الثؤلول»: «.. بيد أنّ النص المسرحي يعطي من الأحاسيس ما تعجز عنه الرواية، فهو يخرج الكاتب من عزلته القاتلة ويتيح له فرصة اللقاء بقرّاء من نوع خاص».
يفك محمد بورحلة عزلته ويطلق تواصله مع الآخر في كل تحققاته الموضوعية، كتابة، قراءة، حوارا، ديكورا، إضاءة، صداقة، وأشياء أخرى، لكن أيلولة محمد بورحلة إلى المسرح تكشف عن ليونة في المجال المسرحي كتابة، على الخصوص في تقبل وتطويع التراث لصالح إدماجه في راهنية المشهد الثقافي العربي، المحلي منه والقومي، والاستفادة من أدواته وآلياته لتأثيث النص والفرجة، فافتتاح المشهد الأول بشخصية «كرافطة» وحده، وبتداعيات خطابية طويلة نوعا ما، يوحي بتوظيف مشهدية «الحلقة».
حينما نبحث في المسرح، إنّما نقف على الحركة، حركة الجسد فوق الرّكح، فـ»على المسرح يميل الجسد لاستنطاق فتوّته كي يعيد الاعتبار لدوره النحتي التقمّصي الشّعري الأخاذ»، كما يقول المسرحي العراقي جواد الأسدي، هو الجسد إذا، يخزّن طاقة ولا يستطيع التعبير عنها إلا طليقا داخل إطار الديكور المسرحي، وهي تضادية كونها تجمع بين الحرية والتأطير، لكنّها مبرّرة ومفهومة، إذ حرية الجسد لا تتحقّق إلا داخل حدود معيّنة، فنّية وتقنية، تعبّر عنها الخشبة، هذا التضاد هو الذي يخلق الحياة بكل تلوّناتها وتبدلاتها وتناقضاتها، وهو الذي يسمح للمثل منح جسده فرصة الحوار مع أشكال الحياة التي لا تتحقق في تواصل الذات المباشر مع الواقع، ولكن في عزلتها عن الواقع وإحساسها بامتلاك واقعها الخاص الذي يختزن العالم والحياة والواقع، ولهذا يبدو أن المقولة المنسوبة لشكسبير: «أعطني مسرحا أعطك شعبا عظيما»، تجد تبريراتها الواقعية في علاقة المسرح بالجمهور في مواجهة حيّة.
إنّ أول ما يلفت الانتباه في النص المسرحي «في انتظار المحاكمة»، هو هذه الحركة على مستوى تلقي المسرحية، وعلى مستوى حركة الشخوص التي تتجلى من خلال الجسد اللعوب، فالمحاكمة مفهوما تحيل على رسمية منطوقة تتجلى في المحكمة، والحدث المسرحي في كليته يدور أمام باب المحكمة، وهو ما يمثل حركة بنائية تمتثل للقصدية المضمرة لدى الكاتب، بما يعني أنّ المحكمة تتأسّس كرمز قوي الدلالة على عزلة ما تمثله من قيمة العدل في الحياة، فـ»المرأة» وهي إحدى شخصيات المسرحية تقول: «لا حاجة للعدالة بالشعب حتى.. يحيا العدل!»، إذ انحياز الفاعلين الاجتماعيين لأحكامهم وقناعاتهم، بمعزل عن الجهة التحكيمية الحيادية التي تمثلها المحكمة، يعبر عن خلل في حركة الواقع الذي يؤسس ديناميكيته على الظنية والوهم، وأيضا يمثل عزل المحكمة نصيا، الفوضى في مقابل النظام، وهو ما تفجره الحركة المسرحية لشخصية «كرافطة»، إذ أنّ «الحكم على الآخر غايته»/ص23.
إنّ الحركة المسرحية في النص، وكما يبدو من خلال بعض القرائن، تنحو صوب السياسي الخائب في وجوديته الرّاهنة، فـ»كرافطة» يجري خلف أصناف البشر، لا ليحاورهم، ولكن ليحكم عليهم، وفي إحدى ملاحقاته يصف أحد الفرائس بـالجلاّب، فيرد عليه «شبيبة»: يجلب الزّبائن للبائعين؟»، يقول كرافطة: «لا.. يجلب الأصوات للسياسيين !»/ص40.
فالانتقال من حركة اجتماعية إلى حركة سياسية وتأكيد الثانية، يمعلم للقصدية السياسية في تخوم النص المضمرة، لأنّ السباق نحو اقتناص الصيد الذي ينشّطه «كرافطة»، يشكل الدّعامة التأويلية للدلالة على اللهث السياسي وراء المصلحة، بما يكشف التخلي عن الأداء السياسي البراغماتي المجرّد، وهو ما ينكشف عند الحد المفرداتي لفعل «جلب».
كما أنّ الحركة المسرحية تتجلى عند مفهومية الزّمن، والمقابلة بين زمنين من خلال حركة سردية ضمنية تحمل تناصا تراثيا، ففي وصفه لإحدى طرائده الوهمية، يقول: «.. ونسمّيه هذا.. هذا.. لا يستحق حتى كلمة هذا»، يرد «شبيبة» على انعدام التسمية: «لا ناقة ولا جمل»، يقول «كرافطة»: «نعم، أيها الطالب، نعم.. بل لا عصفور ولا زرزور !»/ص40.
إنّ «شبيبة» في المقطع الحواري، يحيل بكلامه إلى مقولة تراثية، ترسّخت عبر الزمن في وعينا للتعبير عن الفراغ واللاجدوى، لكن «كرافطة» يحيّنها عن طريق مثيلتها الرّاهنة والتي تدل دلالة قوية على خلو الواقع من الأثر الإيجابي، والمتعالق في عموم حركته بالسياسي المتهالك، وحركة المعنى في انحدارها من المقولة في زمن الانتصار (التراثي) إلى زمن الانكسار (الحالي)، تعبر عن انحدار مستوى الكينونة الانجازية.
وينكشف المضمون السياسي عند التوظيف المكثف للشخوص الحيوانية، التي تؤول بالنص إلى المُقفَعِية الدالة التي تختفي خلف ألسنة الحيوان لإدانة الواقع، فتحوّل الشخوص في نهاية المسرحية إلى ذئاب، لا يدع مجالا للشك في ترسيم حدود مكرية الواقع الذي يسوده التحايل والخداع.
تتخذ هذه المسرحية من الحركة كأداة لدفع التصاعد الدرامي إلى نهاياته، فتقنيا يدفع الكاتب بشخوصه واحدا واحدا في مشهدية مسرحية من فصل واحد، وذلك لسهولة تقديم الشخوص ورسم أعماقها النفسية، حتى يسهل تلقيها من ناحية القارئ، وحتى «يقوم الممثل بلوك وهضم الدور، يفكك روح جسده وعادات وإشارات الشخصية التي سيلعبها في جسده هو وصولا إلى كيمياء روحي وجسدي بينه وبين الشخصية»، كما يقول المسرحي جواد الأسدي.
ولتكريس مفهوم الحركة، يهبط بالعدالة من مستواها القيمي في أعلى هرميته إلى مستوى الأرضي في انبساطه، فعاملة النظافة التي توهّمتها الشخوص الأخرى بأنّها رئيسة المحكمة، لا يكشف في نهاية المطاف سوى عن انحدار العدالة وتدني مستواها إلى درجة انسياحه مع الأرض في حركة عاملة النظافة التجفيفية للبلاط، والملاحظ أن الكاتب لم يعط اسما للمرأة زوجة «الحيوان» ولا لعاملة النظافة، ذلك لأنّ المرأة تمثل سلطة داخل النص، فزوجها «الحيوان يقول: «لا.. أنا.. (الحيوان)  هكذا تسميني المرأة التي كانت معكم.. امرأتي، ألم تروها؟..»/ص111، فغياب الاسم يركز دلالة السلطة في شخصية «المرأة»، ثم تقوّي هده الدلالة «عاملة النظافة» بسلوكها التسلطي.
ترتقي الحركة مداها التأويلي عندما نفكك البنية الدلالية للأسماء في النص المسرحي «في انتظار المحاكمة»، فـ»كرافطة»، يحيل إلى ربطة العنق، التي من مميزاتها إضفاء الأناقة على الشكل، لكنها في الوقت ذاته تعكس صورة الخنق والتعليق، وهو ما تمارسه السلطة من تلميعٍ لصورتها وخنق معارضيها إعلاميا وسياسيا، أو شيطنتهم، وذلك هو ما يعكسه خطاب المسرحية حين يقدّم شخصيتين متقاربتين في دلالة الاسم، الحيوان والوحش، ويرد على لسان الحيوان زوج المرأة: «لا.. أنا (الحيوان).. لكنني لست وحشا !»/ ص110، والحيوان قد يكون أليفا أو يروّض ليكون كذلك، لكن الوحش مفترس على الدّوام.
شخصية شبيبة من خلال توصيفه المسرحي، «شاب قصير، بدين، زيه غريب: سروال لوبيا، هلام على الشّعر، نظارات بلاستيكية ملونة… يبدو أبله تارة وثاقب الذكاء تارة../ص27، فالشباب يقع على هامش اهتمامات المجتمع السياسي، لأنّه همّش بالدرجة الأولى نفسه فهمّشته الفعالية السياسية إلا ما اقترن بمصلحتها، ولهذا رافقت المسرحية وجود كرافطة بشبيبة، لأنّ الكرافطة تعلق الشباب على إرادتها، فلا وجود له خارج هذه الإرادة، ولهذا يصفه «كرافطة» بـ»أنت موجود، نعم.. لكن من دون وجود.. دون وجود»/ص34.
أما بائع الشاي فتصفه المسرحية بأنّه: «قوي الصوت والبنية..غريب حينا، وواضح فترات أخرى.. مقنع، يتكلم كأنّه خبر الدنيا ثم يريد أن يطلقها..»/ص83، ويصفه شبيبة بـ»أنت فيلسوف»/ص87، ومن خلال هذه الأوصاف يبدو أنّ الرمزية في وظيفته كبائع للشاي تدل على حالة الحركة بين الناس ومحاورتهم التي يتميز بها المثقف، كون الشاي رمزيا يحيل إلى القعدة ومناجاة النّفس والآخر، وبلوغ حالة الاتزان في التفكير، لكنّه مهمل ضمن بانوراما الوجود المجتمعي.
إنّ مسرحية «في انتظار المحاكمة» تكشف عن حالة الهياج المجتمعي الذي يأكل بنية الذات الذهنية والإنتاجية، من خلال حركة هامشية تكثف السّاذج والعنفي والوثوقي الذي لا جدوى منه ولا فيه، وذلك من خلال عبثية المحاكمة التي تبقى أمل أفق الانتظار، لكنّها لا تتحقق إلا من خلال حركة «كرافطة» على الناس الوهميين والواقعيين في سردية النص المسرحي، وهو ما يحيل إلى عبث وجودي نشهد مظاهره ولكن لا نغامر في عملية زحزحته وتغييره.

كاتب جزائري

عبد الحفيظ بن جلولي