< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

العراق والجيش المفقود

■ منذ انتهاء الحرب العراقية الايرانية عام 1988 وحتى الآن وتعاشق المخططات الامريكية الصهيونية الإيرانية العلنية والسرية للإطاحة بطائر العنقاء العراقي، الجيش العراقي، لم يتوقف.
كانت مسلسلات حروب الخليج الأولى والثانية والثالثة، التي توجت بحل الجيش العراقي والنيل من حاضنته الوطنية، لا تستهدف إخضاع العراق وإرادته والتحكم بثرواته فقط، وإنما قطع الطريق امام اي انبعاث جديد لطائر العنقاء من رماد الأرض المحروقة، لذلك نجد ان مشروع تقسيم العراق الى مكونات حاضنة لخصخصة الجيوش وبعقائد مفصلة على مقاسات التقسيم الشيعي الكردي السني، أصبحت تميمة للمستخلفين على حكم العراق، وهي وعلى مدى 11 عاما مضت، شكلت جوهرا غير معلن لكل ممارساتهم، التي من خلالها فقط يتم التعرف على حقيقة نواياهم المشبعة بروح القسمة الطائفية والإثنية.
لم يعد العراق واحدا، ولم يعد مستقلا، رغم كل المزاعم القائلة بعودة السيادة والعودة الكاريكاتيرية للجيش العراقي، ورغم كل رتوش العملية السياسية التي تدور بساقية لا تصب إلا بطاحونة التقسيم المبرر بدواعي الواقع المزري الذي صنعوه بأنفسهم.
الجيش البريمري الذي تشكل بعد احتلال العراق عام 2003 سمح بدمج الميليشيات الطائفية الشيعية التابعة لإيران فيه، وأصبح بعد تطعيمه بواجهات كردية وسنية، خيال مآتة يغطي على الدور المنبوذ والبربري للقوات الامريكية بوجه المقاومة العراقية، وكل الرافضين للاحتلال ومن جاء بهم، هذا الدور الذي يعكس حقيقة دور الحكم في بغداد. كانت نواة هذا الجيش فرقة الاستخباريين المدربين في معسكرات اسرائيل وقواعد الناتو في اوروبا وواشنطن، وأغلبهم من المرتزقة العراقيين الذين جرى ترشيحهم من قبل ما يسمى باحزاب المعارضة حينها، ومن ثم دعموا بأعداد جديدة من المتعاونين داخل العراق، من الذين باعوا عقيدتهم العسكرية الوطنية واستبدلوها بالعسكرية الامريكية، معتبرين إياها المثل الاعلى في المهنية، لتتشكل منهم فرق سوات والفرقة الخاصة الذهبية.
بعد انسحاب الجيش الامريكي من العراق عام 2011، أصبح تعداد القوات المسلحة النظامية من جيش وشرطة وقوات أمن واستخبارات وحماية منشآت ما يقارب 650 ألفا منهم 300 الف عسكري تابع لوزارة الدفاع، مقسمين الى 17 فرقة غالبيتها تعمل تحت قيادة القوات البرية، وعددا قليلا منها يعمل تحت قيادة القوات البحرية والجوية، 350 الف عنصر تابع لوزارة الداخلية والاستخبارات والأمن الوطني، مقسمين على اغلب المحافظات العراقية، خاصة بغداد والمناطق الساخنة.
بمقارنة بسيطة بين الجيشين الحالي والسابق نتلمس حجم الخراب الذي حل بالعراق، كمنظومة متكاملة، دولة ودورا وحجما وعقيدة وعرفا واجهزة واداء، القوات المسلحة الحالية لا تقل عددا عن القوات المسلحة السابقة، إن لم تزد عليها، لكنها قوات لا تتمتع بأي نوعية معيارية، فهي كما منفوخة حد التخمة، ونوعا فقيرة فقر الدم، القوات المسلحة السابقة كانت تمتاز بالتخصص واحيانا بالاكتفاء الذاتي لانها تصنع ما يمكن تصنيعه من معداتها، فهي قوية بخبراتها وبمعداتها المصنعة وطنيا، كقوة عقيدتها القتالية الوطنية، وهيئة التصنيع العسكري شاهد على ذلك، أما القوات الحالية فهي لا تجيد حتى استخدام السلاح الذي تحمله، كان للقوات السابقة أكبر جهاز هندسي نوعي يشهد له الاعداء قبل الاصدقاء، وحقق ملاحم بطولية تصلح لتكون مادة ينهل منها طلاب الاركان، أما الجيش الحالي فهو لا يصلح لهندسة ساحة واحدة من ساحات المعارك الصغيرة، إنه لا يصلح حتى للعب دور شرطي المرور داخل المدن المكتظة. كانت القوات البرية والجوية والبحرية والصاروخية متكافئة بمعنى التكامل النوعي، أما القوات الحالية فهي في اغلبها قوات للمشاة والمدرعات غير المقاتلة والمستأسدة على المدنيين داخل المدن، أما خارجها فان عناصرها يدفعون الاتاوات للانتقال الى داخل المدن او دفع نصف مرتباتهم لآمريهم مقابل عدم الالتحاق بوحداتهم، خاصة في المناطق الساخنة.
لم تكن هناك أي شبهة فساد في تسليح وتمويل الجيش السابق الذي خاض معارك كبرى وبكل أنواع الأسلحة، وكانت ميزانيته اقل بكثير من ميزانيات الجيش الحالي الذي فاحت رائحة الفساد في كل ركن من اركانه، عدة وعددا ومخصصات. اما الصفقات المشبوهة فحدث ولا حرج حيث كلفت الخزينة العراقية المليارات من الدولارات المهدورة، ولا عجب إذا قلنا إن ربع ميزانيات العراق الجديد تذهب للصرف على جيش من الفضائيين، أي الوهميين، بوهمية الدولة الجديدة التي اقامها المحتل الامريكي بمعية ايران المتطلعة لحصة الاسد في تقاسم الكعكة العراقية، وقبل كل ذلك والأهم منه أن الجيش السابق لم يكن طائفيا ولا إثنيا، ولم يكن الانخراط فيه طلبا للرزق، لان التجنيد له كان إجباريا ولكل فئات الشعب، كان جيشا يحمي الوطن وكان يرابض على الحدود وليس جندرمة تحمي مناطق الحكام كما هو حال الجيش الحالي الذي لا تحمي نخبه غير المنطقة الخضراء.
الواقع الطائفي والاثني المختلق في عراق الروم والعجم اليوم جعل من الجيش الحالي عبارة عن فصائل ميليشياوية رسمية تعمل تحت يافطة اسمها الجيش العراقي، هناك جيش كردي مستقل تماما ويبلغ تعداده 150 الفا من العناصر التي لا عقيدة لها سوى اقامة الوطن القومي للكرد، وهناك اكثر من عشرة ميليشيات شيعية كبيرة منضوية تحت مسمى الحشد الشيعي، يقدرعدد عناصرها بحوالي 170 الف عنصر وتمول من قبل الدولة، وبدعم إيراني صارخ يشهد له هادي العامري الذي يفخر بصحبة قاسم سليماني في قيادة معارك الحشد الشيعي، الذي يعتبر كل سني مشروعا لولادة داعشية جديدة، فيحمله خوفه المرضي هذا الى حملات من التطهير الطائفي لرسم حدود ربما تكون حد السكين في مشروع الدولة الشيعية القادمة، من قم الى كربلاء، مرورا ببعقوبة والبصرة وبغداد، بحجة حماية المقدسات الشيعية من المتمردين السنة. اما الصحوات وميليشيات العشائر السنية فهي تؤطر حاليا لتكوين جيش سني يحمي ابناء المكون، ولهذا الغرض يدرس حاليا مشروع قانون الحرس الوطني الذي يشرعن تلك التكوينات الطائفية والاثنية المسلحة، البيشمركة والحشد الشيعي والحشد السني بإطار قانوني يغطي على الخلفية التقسيمية لهذا الواقع المسلح بكل شيء الا عقيدة حماية العراق من المتربصين به في الداخل والخارج، ويبقى خيال الظل للجيش الحالي الذي يسمى بالجيش الاتحادي باقيا مع شيء من المقبلات ليهضم على انه جيش للدولة العراقية التي لم يبق لها وجود حقيقي الا في المنطقة الخضراء.
جيش ينهزم امام عصابات بدائية مثل «داعش»، ويتضح ان اكثر من نصفه قد ترك مواقعه قبل بدء المعركة لا يستحق ان يسمى بجيش عراقي، جيش لا يصلح منه للقتال غير بضعة الاف لا يستحق حمل هذا الاسم الذي خلده جيش البطولات والملاحم جيش معارك فلسطين وحرب اكتوبر والقادسية، جيش كان شوكة بعين المتربصين من الروم والعجم، شتان ما بين جيش طائر العنقاء العراقي، وبين جيش هو سور للوطن، وجيش هو قناع يلبسه اعداء هذا السور.

٭ كاتب عراقي

جمال محمد تقي