< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

في ظل النتاج الإبداعي الذي لم ينقطع في الساحة الثقافية العراقية: نقاد: نعيش أزمة وعي كبرى… لا أزمة نقدية فقط

بغداد ـ «القدس العربي»: منذ أن بدأت المفاهيم النقدية تاريخياً بالتشكل، حتى اختلفت النظرة لواقع الثقافة في أي بلد، فلم يعد الشعر هو العلامة المميزة لأية ثقافة، بل أصبحت ثقافته ثقافة بدوية وليس مدنية، لأن الشعر؛ عربياً، عرف كنتاج بداوة وليس نتاج تحضر. فثقافة أي بلد تقاس على ما ينجز من مشروع نقدي فيه، وكيف تتطور هذه المفاهيم وتتوالد لتشكل مفاهيمها الخاصة وآلياتها التي تُبرز التفكير والفلسفة.
غير أن ما نلاحظه في العراق زيادة مضطردة في النتاج الإبداعي، شعراً وقصة ورواية، مقابل قصور واضح في النقدية المتابعة لهذه الأعمال أولاً، ولتعميق مفاهيم البيئة التي تنتج هذه الأعمال ثانياً.. فكيف ننظر للنقد العراقي؟ وما الذي علينا فعله لردم الهوّة بين الإبداع والفكر؟

أزمة نقد

يرى الدكتور صالح زامل أن الحديث عن أزمة نقد صار مكروراً، وكل فترة يطل هذا السؤال عندما يشعر كل جيل من الكتاب الجدد أن تجربتهم مهملة من قبل النقد بشكل مقصود. لكن المشكلة ليست في طبيعة النقد الحديث وهو اشتغال يحتاج إلى هضم النظريات الحديثة وهي ذات مجال فلسفي، وذلك لا يتأتى بسهولة للكثير من المشتغلين، فالكثير الذي يواجهنا في الصحف وأحياناً في المجلات والدوريات لا يتجاوز الانطباعات أو المجاملة خاصة ما يكتبه الكثير من المبدعين للنص لبعضهم البعض، وأحياناً النقاد لبعض المبدعين.
ويضيف زامل أن النقد الحديث الذي يميل للاتجاهات والنظريات الحداثية يميل إلى التأني ومنجزاته أحياناً غير متاحة لعموم المتلقين، فهناك الكثير من الدراسات هي إما رسائل ماجستير أو أطاريح دكتوراه أو بحوث ترقية أو بحوث تخرج طلبة هي في الكثير من أبوابها دراسة للإبداع لكنها مركونة في رفوف مكتبات الجامعات، وبسبب من سياسات النشر وغياب صناعة عراقية للكتاب تجد الإهمال يطالها.
و»الذين يكثرون من اتهام النقد وأحيانا حد الشتيمة والاستصغار أو التعادي وكأنما الإبداع بمقابلة ضدية للنقد فهو بسبب التغاضي عما يكتبه عشرات النقاد من دراسات تطبيقية، وقد تكون هذه الدراسات معنية بشعريات سابقة في الزمن (الجيل)، وذلك طبيعي لأن النقد يميل غالباً للتجارب المكتملة أو التي امتلكت الديمومة، وهذا حق طبيعي للناقد لأنه يقدم نتاجاً نقدياً يفكر أيضاً بالتداول وإثارة الانتباه إليه بقوة، بالضبط مثل الشاعر والقاص والروائي الذي يحرص أن يقدم ما يستطيع من النصوص وقد اكتملت فيها تجربته، ويحرص عليها بالاطراد، وقد يحملها عتبات ذات صلة بأدباء معروفين في الإهداء أو التناص أو الإشارة بالتقديم أو العرض».
ويعترف زامل أن هناك قطيعة أسبابها مشتركة، تصدر غالباً عن قيم غير ثقافية؛ حسب رأيه، وهي التعالي والمصادرة التي يبالغ بها البعض من الطرفين من خلال أحكام عمومية الغائية هي إما نزق أو مبالغة بمنزلة الحكيم أو القيم التي يضع البعض فيها أنفسهم وغالباً تصدر ليس عن قراءة حقيقية للمشهد وإنما لعداءات شخصية أو رد فعل إزاء موقف بذاته.

استثناء القاعدة

من جانبه يشير الدكتور معن الطائي إلى أنه غالباً ما يكون عدد المبدعين في كل جيل أدبي وفي أي مكان أكثر من عدد النقاد الجادين. هذه مسألة طبيعية. الناقد لا يعتمد على الموهبة فقط. فهو يحتاج إلى تأسيس منهجي وعقل موضوعي وقراءات واسعة في العديد من الحقول المعرفية وحساسية جمالية عالية منفتحة على تقبل مختلف التجارب الإبداعية بدون الوقوع في الدوغمائية أو التمركز الجمالي و المعرفي.
مبيناً أن الجامعات والدراسة الأكاديمية المتخصصة لعبت دوراً بارزاً في ظهور عدد من النقاد العراقيين المتميزين مثل الدكتور علي جواد الطاهر والدكتور عبد الإله أحمد والدكتور شجاع العاني والدكتور عمر طالب والدكتور علي عباس علوان والدكتور علي جعفر العلاق، فقد قدموا إسهامات جادة أسست لثقافة نقدية رصينة.
غير أن دخول المناهج النقدية النظرية الغربية، وعلى وجه الخصوص الأسلوبية والبنيوية، على النقد العربي الحديث مع بداية الثمانينات من القرن الماضي، وتحولها إلى موضة بدلاً من أن تصبح عملية تأصيل معرفي جاد وتثقاف بناء، جعلت هؤلاء النقاد ينحرفون بالممارسة النقدية بعيداً عن الوسط الأدبي المحلي.
وبذلك تعطل الدور الذي كانت تلعبه الجامعات في تفعيل الوسط الثقافي ولم نعد نجد ناقداً أكاديمياً بوزن الأسماء التي سبق ذكرها، ينهمك في دراسة الإنتاج الإبداعي المحلي و متابعته. ويبين الطائي أنه لا بد للقاعدة من استثناء. ففي الوقت ذاته لم ينقطع نشاط بعض النقاد العراقيين المتميزين الذين واصلوا عطاءهم النقدي بصبر ومثابرة.

ويضيف الطائي أنه يمكن القول بأن غياب المتابعات النقدية الجادة للأعمال الإبداعية قد لا يؤشر وجود أزمة نقد، فالعمل الإبداعي الحقيقي سيعمل بالضرورة على استدراج النقد الجاد. وربما يحتاج ذلك إلى فترة زمنية قد تطول وقد تقصر، حتى يتمكن الناقد من رؤية ذلك العمل الإبداعي في ضوء مسافة فاصلة تسمح بالمقارنة وبالتأويل.

أزمة ثقافية عامة

يؤكد الشاعر والناقد علي شبيب ورد إلى أن الوسط الثقافي عموماً والنقدي على وجه الخصوص، تتلاعب فيهما بعض العلاقات غير الصحية وغير المخلصة، جراء نفوذ الطارئين على الثقافة. غير أن ذلك لن يغيب عن الفاحص المتأمل وهج الحقيقة، في كون العمل النقدي الفاعل والمؤثر، وعلى الرغم من ندرته، كان وما يزال يلعب دوراً مهماً في التنقيب عن اللقى الإبداعية في التضاريس الوعرة والضارية.
والمراقب المنصف لا يمكن له أن يتغافل تلك المحاولات النقدية المخلصة، من لدن بعض النقاد الجادين، في متابعتهم المتواصلة للمنجز الإبداعي.
موضحاً أننا بحاجة إلى إن تلعب المؤسسات الجامعية دورها المنشود في تأجيج الحراك الثقافي، لأنها ما زالت للأسف، تعمل وفق منطلقات تقليدية غير مؤثرة لا تخدم الفعل الثقافي القابل لاستقبال الجديد والمتطور.
فالحديث عن أزمة نقدية ينسحب بالضرورة إلى أزمة ثقافية عامة، وذلك لأن النقد فعل ثقافي يؤثر ويتأثر بالحراك الثقافي عموماً. كما أننا نؤكد عدم استطاعة النقد العراقي على قراءة الإبداع العراقي قراءة وافية وعميقة، شأنه شأن النقد العالمي.
وذلك لأن النشاط النقدي عموما هو فعل ثقافي لاحق لفعل سابق هو العمل الإبداعي، الذي يتميز بسرعة حراكه الابتكاري والتحديثي، وتعدد مناطق اشتغالاته. بينما يأتي النقد مكملا للعمل الإبداعي في تنوير مناطق الأغوار المعتمة والعميقة في المنجز الإبداعي، بغية الإكثار من بؤر الخصب والاخضرار في عملية الاتصال والتلقي.

قرائن المعنى

الشاعر والناقد كريم ناصر يكشف أن عملية التطوّر في آلية النقد تفترض وجود قرائن أدبية مماثلة ترقى بالمعنى إلى حدود المعقول، ومنذ الشكلانية التي كانت نقطة انطلاقها علم الجمال الرومانسي، والمستقبلية، ثم البنيوية، والسيميائية، والانطباعية، والرمزية، والسريالية، والماركسية، والتفكيكية، والظاهراتية تبلّورت في واقع الأمر بنىً جديدة للنقد الحديث، معيارها الوحيد: ليس التقويم والتحليل واستنباط المعاني الدلالية فقط، وإنّما يتعدّاها إلى مرحلة البدائل في الإنتاج، وهذا مبدأ أساس يسعى إليه النقد دائماً دون أن يخلَّ بالوحدات الأدبية العميقة للعمل الأدبي بوصفها مُنتجات جوهرية..
ويرى ناصر أن أنَّ غياب النقد يحيلنا على ضمور العمل الإبداعي في أغلب أحواله، فالفرق واسع المعنى إذا عرفنا الحقيقة، لأنّنا لا نستطيع غالباً أن نوهم أنفسنا بالقول: إنَّ كلّ من يكتب القصائد نعده شاعراً من نمط مبتكر، ولا يمكن أن نطلق تسمية مثل روائي أو قاص أو كاتب مسرحي على كل من امتهن الكتابة ضمن هذا النطاق، فلا يمكن أن تغدو الكلمات المرصوفة بأناقة على الورق: مادة أدبية، لأنها لا تحمل نبراً خاصاً يدلّ على الابتكار.
في الواقع هناك ثغرة يتطلّب لجمها مقابل اعتبار الابداع مادة تتوفّر على معنى قيمي.. «كلّ الأعمال الأدبية تبقى متفاوتة القيمة، لكن مع ذلك فهي تُجسّد الإبداع في أدنى حالاته، كما نرى الأمثلة في الواقع، نستطيع أن نُقدّم البرهان عندما يفقد الشعر أهميته كجنس أدبي ينحرف عن سياقه التعبيري، أو عندما تفقد الرواية تقنيات السرد الممكنة، إلاّ أنَّ هذا ليس شأن الشعر دائماً، ولا شأن أيّة مادة أدبية، لا بدَّ من أن تكون هناك بالطبع استثناءات مقابل ما يمتلكه الناقد من آلية مناسبة».

حركية الإبداع

ويؤكد الكاتب عبد الكريم هداد أن هناك أزمة نقد عراقي حقيقي، وذلك لعدم وجود احتكاك مباشر ويومي للنقد، مصاحباً لفعاليات حركة الإبداع العراقي الواسعة في التنوع والاتجاهات، فليس من فعاليات واضحة في التنبيه أو التنبؤ النقدي، قادر على الاستشعار في توضيح التفاصيل الإبداعية، كما أن الكم الهائل من النتاج الثقافي العراقي، جدير بأن يقرأ بصورة وافية وعميقة، فكل ما نراه اليوم هو قراءات صحفية سريعة، وعبارة عن بيان وسرد واضح لتفاصيل الصداقات اليومية، وكيل من المجاملات المجّة والتزويق اللفظي والمصطلحات ذات الرنين العالي والبعيدة جداً عن النص المطلوب قراءته، لهذا تكون في الغالب القراءات خالية من الموضوعية والصدق وروح الإبداع، ذا المنهج النقدي الأكاديمي والرؤية التي تتطلبهما الكتابة النقدية، فالنقد دوماً قراءة متممة ومكملة للنص الإبداعي.
وما يطلق عليه اليوم من مصطلح النقد ما هو إلا عملية انعكاس واضح ومرادف للحياة الاجتماعية في الوسط الثقافي العراقي، لخلوها من أدواتها المطلوبة في ترسيم خارطة واضحة لما يتطلبه الإبداع من استفزاز وتحريك للركود في الحياة اليومية.
هل من المعقول، وبعد مضي ما يقارب عشر سنوات على سقوط حكم البعث، لم يزل النقد خاملاً فينقد أكثر من أربعين عاماً من عجاف تلك الحياة الثقافية التي أنتجتها سلطة البعث المستبدة..؟؟؟.
وليس من الحكمة أن تكون الأسماء التي ساهمت وأنتجت ثقافة نظام البعث، بحماسة المهرجانات ومناصبها ومواقعها الإداري، هي ذاتها اليوم، وبنفس سياقها الكتابي السابق والمؤثرة في الحياة الثقافية والإعلامية العراقية.
«إن عدم وجود تيار نقدي له قوته ومؤثراته النقدية في الممارسة الثقافية، لا يمكن لنا أن نتحدث عن حركة إبداع وتجديد واسع. لذا أقولها إننا سنبقى نعيش انتكاسات أبدية ومتكررة في كل نواحي حياتنا اليومية ومنها الحياة الثقافية…! فمنذ خمسين عاماً، وبسبب عدم وجود حركة نقدية حقيقية، تضع حياتنا الإبداعية والاجتماعية والسياسية، نظراً لتداخلهما، على طاولة الضوء النقدي، بقدر ما تتحمله مساحة النص». كما أن أيّ مجتمع لا بد له من فعاليات نقدية، قادرة على التشخيص والتفسير، والمعالجة، ومن غير ذلك ستكون الحياة اليومية عبارة عن ضجيج عالي يشد الحياة نحو التخلف المحاط بماض مظلم.

أزمة ثقافية

الناقد أمجد نجم الزيدي يقول إن حديثنا عن أزمة النقد العراقي، حالة تبسيطية لما هو موجود في الساحة الثقافية، لأن مفهوم الأزمة يعتريه الكثير من سوء الفهم، وذلك لأنه ينظر إلى النقد والعملية النقدية من زاوية متطرفة معزولة ومقيدة بالرؤية التقليدية المحكومة بصورة نمطية لمفهوم النقد التقليدي، وعدم تمييز النقد عن الدراسات التاريخية للأدب والنقد الصحفي..
وغيرها من الصفات المجاورة، فـ»النقد والنص الإبداعي ناتجين عن مجموعة من العمليات التي تكونها البنية الاجتماعية والثقافية والحضارية، حسب تعبير الناقد حسين خمري الذي يقول (ما يشاع عن أزمة نقدية هو تشويه لحقيقة أعم وأشمل، هي الأزمة الحضارية والتحديات الراهنة على المستويات الأخرى، فإذا كان النقد يعاني من أزمة فإن ذلك يعود إلى أزمة التعبير ذاته، فالقضايا التي يعكسها النص النقدي هي ذاتها التي تنتجها النصوص الإبداعية)، فأزمة النقد هي أزمة النص وأزمة الثقافة بصورة عامة، وتحتاج إلى جهود الجميع لان العملية النقدية اليوم عملية مؤسساتية تتعاون عدة جهات لإدامتها والنهوض بها، وأنا بصراحة لا أقر مفهوم أزمة النقد العراقي، وأرى أنها أزمة ثقافية عامة كان النقد أحد ضحاياها».

صفاء ذياب