< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

سنة انبعاث الحرب الباردة بقوة والعالم العربي مجبر على الاصطفاف والولاء لهذا الطرف أو ذاك

اسبانيا – «القدس العربي»: على بعد خمسة أيام من نهاية سنة 2015، صادق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على العقيدة العسكرية لبلاده التي تعتبر إعادة توزيع منظمة شمال الحلف الأطلسي لقواتها خطرا على الأمن القومي الروسي. والوثيقة العسكرية هي رد على أخرى أمريكية مماثلة. وتؤكد هذه التطورات عودة الحرب الباردة وإن كانت بصيغة أخرى مختلفة هذه المرة، حيث لا تعتمد على الاختلاف الإيديولوجي بقدر ما تقوم على الصراع وبسط النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي ونسج تحالفات جديدة في العالم.
ورغم نهاية الحرب الباردة التي ارتبطت بتفكك الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات إلا أن روسيا سعت دائما إلى المحافظة على نفوذها وهيبتها بل وتقويتها بمجرد ما خرجت من أزمة التفكك التي تعرض لها، ويرتفع الإيقاع الآن في ظل وجود رئيس قومي راديكالي مثل فلاديمير بوتين.
وإذا كان عقد الماضي قد شهد تقوقعا روسيا في صنع القرارات الدولية ومنها الحرب الأمريكية-البريطانية ضد العراق، فالأمر بدأ يختلف بشكل جذري خلال السنوات الأخيرة وخاصة في الملف السوري، وإن كانت سنة 2014 هي التي تسجل المنعطف الحقيقي في انبعاث «الحرب الباردة» بسبب المواجهة حول ملف أوكرانيا وتعزيز التحالفات سواء الغرب أو مجموعة دول البريكس. ويبقى الصراع الروسي-الأمريكي هو البارز، لكن كل دولة تجر وراءها دول سواء تابعة لها أم ضمن تحالف متساو.
ويعتبر الملف الأوكراني المفجر لهذه الحرب الباردة الجديدة، حيث تحولت أوكرانيا الى ما يشبه بولونيا في الحرب العالمية الثانية التي كانت وراء انفجار تلك الحرب سنة 1939. وكان أوباما قد أكد في تصريحات له خلال تشرين الثاني/نوفمبر الماضي أن سياسة موسكو في أوكرانيا تعتبر تهديدا للعالم والولايات المتحدة، وترجم روبر وورك، الوزير المساعد في البنتاغون التصريحات إلى بلاغ واضح بقوله يوم 29 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي «روسيا والصين تشكلان أكبر تهديد تواجه الولايات المتحدة».
وعمليا، تعزز الولايات المتحدة من تواجدها العسكري في أوروبا ومنها أوروبا الشرقية وخاصة ببرنامج الدرع الصاروخي حيث تجد في ضم موسكو شبه جزيرة القرم سببا كافيا لخطابها العسكري. ولا تتردد موسكو في الرد، فعلاوة على اعتبار واشنطن تهديدا لها، تقوم بنشر قواتها في العالم مركزة على نشر سفن حربية بالقرب من مضيق جبل طارق وبحث تسهيلات عسكرية شمال أمريكا الجنوبية أي منطقة فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا.
ولا يقتصر الصراع على بسط النفوذ العسكري من خلال انتشار جديد للجيش وإنشاء قواعد جديدة بل يمتد إلى الحقل الاقتصادي. وسجلت سنة 2014 أكبر عناوين الحرب الباردة وتتجلى في مبادرتين سيكون لهما الأثر الكبير على الاقتصاد العالمي مستقبلا، ودائما من زاوية الصراع.
وتتعلق المبادرة الأولى باستمرار مجموعة دول بريكس «روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا» في تبني مشاريع اقتصادية تجعلها مؤثرة في صنع القرار السياسي وعلى رأسها تأسيس «البنك الجديد» للتنمية خلال تموز/يوليو الماضي ليكون بديلا لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي وأداة فعالة تساعد هذه المجموعة التي ترمي إلى عالم متعدد الأقطاب في مواجهة الغرب، إذ لا يمكن بسط النفوذ العسكري دون الاقتصادي. ويعتبر البنك ثاني خطوة هامة تقدم عليها المجموعة بعد الاتفاق حول إنشاء شبكة إنترنت بديلة لا تتحكم فيها الولايات المتحدة.
ووعيا منها بارتفاع قوة دول البريكس، أقدمت الولايات المتحدة على تزعم اتفاقية التجارة الحرة والاستثمارات حيث جرى وضع التصور الكامل سنة 2014 بعد أكثر من عقدين من المفاوضات السرية لتدخل حيز التنفيذ ابتداء من سنة 2015. وستضمن هذه الاتفاقية أكبر تبادل تجاري في التاريخ وسيحدث وسط الغرب بين مكونيه الرئيسيين الأوروبي والأمريكي لضمان الريادة الاقتصادية.
وبهذا، تحولت المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة إلى ساحة للمواجهة للتأثير في صنع القرارات، وفي الوقت نفسه، تجبر عودة الحرب الباردة دول العالم للتقرب من معسكر أو آخر.
في هذا الصدد، يحضر العالم العربي بقوة في «الحرب الباردة الجديدة» لاسيما وأنه منطقة استراتيجية بسبب النفط وكذلك بسبب التوترات الناتجة عن الربيع العربي- الأمازيغي. ويمكن الحديث عن خمس دول حاولت الاستفادة من الحرب الباردة الجديدة أو تفادي تأثيراتها السلبية، وهي:
أول هذه الدول هي العربية السعودية التي ساهمت في تخفيض أسعار النفط إلى أقل من 60 دولارا للبرميل بعدما كان في مستوى 120 عند بداية الصيف. وهي بذلك تساهم في مخطط أمريكي لضرب اقتصاد روسيا وكذلك إيران للحد من نفوذهما دوليا.
وتستفيد مصر من «الحرب الباردة الجديدة» بعدما مالت إلى روسيا قبل منتصف السنة الجارية ووقعت معها صفقات أسلحة بالضد من الغرب، ولم يجد الغرب بدا من التقرب من مصر ومغازلتها مجددا بلقاء الرئيس الأمريكي باراك أوباما نظيره المصري عبد الفتاح السيسي واستقبال آخر في باريس.
ويعتبر المغرب من الدول التي تريد الاستفادة من الحرب الباردة الجديدة، فهذا البلد حليف تقليدي وكلاسيكي للغرب، لكن الأخير بدأ يتخلى عنه في ملف نزاع الصحراء الغربية. وهددت الدبلوماسية المغربية بتغيير وجهتها نحو الصين وروسيا، ولم يحدث التغيير بعد، ولكن هناك نوعا من مجاملة الغرب للمغرب للبقاء في حظيرة الغرب مع تفهم أكبر لمصالحه في نزاع الصحراء.
ويستمر النظام السوري بزعامة بشار الأسد في الاستفادة من عودة الحــــرب البـــاردة، حيث يعتبر من عناوينها البارزة. أوتصــــمم موســـكو علــى عدم التفريط في النظام السوري مقابل تردد في الغرب في إسقاطه بسبب الوافد الجديـــد «ارتفاع قوة داعش». ويبقى الشعب السوري هو الأكثر تضررا من عودة الحرب الباردة لأنه يؤدي ثمن الاختلافات الجيوسياسية من خلال التشرد والجوع والموت الذي يعاني منه يوميا.
وتبقى الجزائر الدولة الخاسرة من عودة الحرب وخاصة في ملف النفط. فقد تراجعت مداخيلها المالية، مما يهدد السلم الاجتماعي القائم على تقديم المساعدات. وتندد الجزائر بوجود مؤامرة، ولم يتردد الأمين العام لحزب جبهة التحرير الحاكم، عمار سعداني من اتهام السعودية خلال منتصف كانون الاول/ديسمبر 2014 بالإضرار وضرب الجزائر اقتصاديا.
وكان المفكر في الشؤون الاستراتيجية روبير كاغان قد شدد في كتابه «عودة التاريخ ونهـــاية الأحلام» الصادر منذ ســـنوات في أن التطــــورات التي يشهدها العالم منذ بداية القرن الواحد والعشرين تقود إلى معسكرات متحاربة على شاكلة الحرب الباردة، معتبرا الحديث عن نظام عالمي جديد هو سراب سياسي، معززا أطروحته باستمرار روسيا قوة كبرى ترغب في استعادة نفوذها وبروز الصين إلى جانبها بل وتتجاوزها مستقبلا.
وبهذا تنبعث الحرب الباردة من جديد وتصل الذروة سنة 2014. وهذه المرة، لا تقوم على أسس إيديولوجية بحكم انهيار الشيوعية وتبني الصين سياسة مزيج بين الاشتراكية والليبرالية المتحكم فيها، بل على أسس بسط النفوذ العسكري والاقتصادي السياسي في العالم. وهذا الوضع، أي غياب السياسي وحضوره هو شبيه بالصراع الذي كان قائما بعد منتصف القرن التاسع عشر وحتى بداية الحرب العالمية الأولى.
ويترتب عن كل هذه التطورات «العودة الإجبارية» للعالم العربي إلى الاصطفاف وبشكل جلي وراء هذا المعسكر أو الآخر. وتنص السياسة الدولية على أن صراع الكبار استراتيجيا يحتم على الصغار إعلان الولاء لطرف لحصول على الحماية…والعالم العربي ضعيف، فلا مفر له من الولاء لهذا الطرف أو ذاك.

د. حسين مجدوبي