< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

قمة الدوحة: ما بعد البروتوكول

بدأ الرهان من إمكانية أن تنعقد، أصلاً، قمة خليجية في العاصمة القطرية، وذلك بعد أجواء التنازع والخلاف التي سادت العلاقات بين الدول الستّ خلال الأشهر الماضية، وبلغت درجة سحب سفراء ثلاث دول من الدوحة. صحيح أنّ لقاء الرياض، الشهر الماضي، والإعلان السعودي الذي صاغ المصالحة رسمياً، كان ضمانة مكينة لإنجاح أعمال قمة الدوحة الآتية، إلا أنّ القضايا الشائكة، ذات الطابع الحساس والملحّ، على أصعدة إقليمية قبل أن تكون خليجية، كانت بدورها تشكّل ضمانات إضافية.
فالقادة الخليجيون اجتمعوا في غمرة مشهد عربي، وجوار إقليمي، تتشابك معضلاته وتتعقد، وتفرض بالتالي أنساق تعاون أعلى وأرقى بدل الانغماس في خلافات تفصيلية، أياً كانت حدّة الخطاب السجالي حولها، يمكن تجاوزها عن طريق حلول مُرضية في الحدود الدنيا، بل يمكن أيضاً التعايش معها دون أن يخلّف التعايش عواقب خطيرة أو مؤذية.
ثمة، خليجياً، مشكلات ديموغرافية (حول قوانين منح الجنسية، والإقامة، والتنقل…)، وأخرى سياسية ـ اجتماعية (المنزلقات المذهبية التي تكتنف بعض قوى المعارضة في الخليج، على سبيل المثال)، وثالثة أمنية وعسكرية (كما في حال اليمن، وما يشهده البلد من صراعات داخلية بين الحوثيين و»القاعدة»، تهدد بنقل توترات طائفية إلى الجوار، واستدراج التدخل الخارجي…)؛ وثمة، بالطبع، سوق الطاقة وتقلّب أسعار النفط، وما يرتبط بهذا الملفّ من معضلات تخصّ موازنات الدول الخليجية وبرامجها التنموية.
على صعيد عربي، لا جديد في الاتفاق الخليجي على ضرورة رحيل نظام بشار الأسد، ولكن لا جديد أيضاً حول تشعّب مواقف الدول الستّ من أطراف المعارضة السورية، وفصائلها المسلحة بصفة خاصة؛ وثمة قراءات متباينة بصدد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في سوريا والعراق، حتى إذا كان الموقف من «داعش» متماثلا وشبه موحّد.
وأمّا عقدة مصر، بمعنى دعم البلد والشعب بوصفه خياراً لا يتطابق بالضرورة مع البصم الآلي على «خارطة الطريق» ونظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فإنها يمكن أن تتخذ مسارب مرنة متفاوتة، تخصّ اعتبارات كلّ دولة على حدة، فلا تهدد التعاون الخليجي ـ الخليجي، ولا تضع الانفتاح على السيسي شرطاً مسبقاً لذلك التعاون.
ويبقى، غنيّ عن القول، أنّ الحركات الجهادية ـ من «داعش» التي تعبر الحدود وتتمدد، إلى المجموعات الأصغر هنا وهناك في أربع رياح العرب ـ معضلة خليجية بامتياز لأسباب بالغة الأهمية، عقيدية وثقافية، قبل تلك السياسية والأمنية. وليست بعيدة في الزمن تلك السياقات التي أخرجت أسامة بن لادن، وركائز «القاعدة» الأولى، من جزيرة العرب، كما موّلت معظم تيارات «الأفغان العرب»، وخرّجت العدد الأكبر من انتحاريي 11/9.
كان لافتاً، في المقابل، أن يسمّي القادة الخليجيون الأمور بمسمّياتها الصحيحة، والصريحة، فيتحدث إعلانهم عن إيران محتلة، في الجزر الإماراتية الثلاث، وعن الحقّ السيادي لدولة الإمارات في المياه الإقليمية والجرف القـــارّي والأجواء المحيطة بالجزر؛ حتى إذا ظلت النبرة ميالة إلى التحكيم الدولي من جهة، والحثّ على حسن الجوار مع إيران من جهة ثانية. الأمر الذي لا يعني، البتة، أنّ مناخات التهدئة البادية على السطح، لا تخفي الغليان في الأعماق، خاصة وأنّ أشكال التدخل الإيراني في الشؤون الخليجية الداخلية يتجاوز الأقوال، إلى الأفعال.
غير انّ الأمور رهن بخواتيمها، في نهاية المطاف، والأيام كفيلة بالبرهنة على مقادير الممكن في ترجمة الأجواء الإيجابية التي غمرت قمة الدوحة: من لغة البروتوكول والإعلان، إلى الممارسة والتطبيق على الأرض.
 

صبحي حديدي