< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

حصيلة الخسارات في 2014… آثار سوريا وأطفالها يدفعون فاتورتي الماضي والمستقبل

الآثار تمثل الماضي ومصدر اعتزاز أفراد أي أمة، قبل أن تكون مصدر جذب سياحي. بينما يمثل الأطفال مستقبل أي أمة.
وحسب مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية، فإن 13992 طفلاً سورياً وفلسطينياً قتلهم النظام السوري حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2014. هذا عن الأرقام الموثقة، أما الرقم التقديري فيفوق 17100 طفل.
ويقول آخر تقرير للأمم المتحدة إن 290 موقعاً أثرياً تضرر نتيجة الحرب الدائرة، منها 24 موقعاً دُمر بالكامل، و189 موقعاً تضرر
جزئياً، وهنالك شك في تضرر 77 موقعاً آخر.

متحف مفتوح

يزيد عدد المواقع الأثرية المسجلة في سوريا على ثلاثة آلاف، إضافة إلى أكثر من ألف موقع ينتظر التنقيب، بينما يتوقع أن يزيد مجمل المواقع الأثرية على عشرة آلاف لو أجريت المسوحات اللازمة باستخدام أجهزة الاستكشاف الحديثة.
وأدرجت اليونيسكو، منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم، حتى ما قبل الثورة السورية ستة مواقع سورية على لائحتها للتراث العالمي، وهي جميعاً مهددة بالخطر منذ عام 2013 نتيجة الصراع بين جيش نظام الأسد والمجموعات المسلحة المختلفة.
فمدينة دمشق القديمة دخلت اللائحة عام 1979، ومدينة بصرى القديمة في محافظة درعا، وتدمر، مدرجتان فيها منذ عام 1980. أما حلب القديمة فدخلت اللائحة عام 1986. تبقى قلعتا الحصن، وصلاح الدين، في كل من محافظتي حمص، واللاذقية، على التوالي، وهما مدرجتان في اللائحة منذ 2006.
إذا كان هذا حال المدن والمواقع المذكورة، فحال التلال المنتظرة منذ عشرات السنين للمنقبين أشد خطراً، بعد أن باشر صيادو الجوائز الحفر العشوائي فيها منذ منتصف 2012. تقول تقارير إخبارية إن 420 موقعاً ومبنى أثرياً تضرر منذ بدء الثورة حتى آذار/مارس 2014. وأعدت اليونيسكو قائمة بالمناطق التاريخية المدمرة في سوريا تحت اسم «إرث عالمي تحت الخطر» تضمنت 6 مناطق تاريخية أثرية دُمرت مؤخراً بشكل كامل، أو جزئي، منها كاتدرائية «أم الزنار» في حمص، التي يعود تاريخها إلى فجر المسيحية في سنة 57 للميلاد.
ويذكر المتابع لأخبار القتال في سوريا أن مئذنة الجامع الأموي في حلب اقتلعتها قذيفة إحدى دبابات النظام السوري. وكذلك حال مئذنة الجامع العمري في درعا.
أما أسواق حلب التاريخية (سوق المدينة) التي يعود تاريخ إنشائها إلى أكثر من ألف عام (في رواية أخرى هي أسواق بيزنطية عمرها 1700 عام)، فقد كانت متراساً لمقاتلي المعارضة على أحد خطوط التماس مع جيش النظام!

المواطن العصابة

في لبنان، ضبطت الجمارك 18 قطعة فسيفساء في تشرين الثاني/نوفمبر 2012. والمتوقع أن عمليات التهريب الناجحة عشرة أضعاف هذا الرقم.
تواطأ على ذلك مواطنون بسيطون ومغامرون استغلوا حالة الفوضى وحلموا بالغنى. هم الحلقة الأولى في منظومة التهريب النشطة هذه.
يحفر هؤلاء بشكل عشوائي فيتسببون بأضرار بالغة للموقع الذي يحفرونه. ونتيجة جهلهم يعرضون لقاهم بأسعار رخيصة على تجار يبيعون القطع بمبالغ كبيرة نتيجة معرفتهم بالقيمة العلمية والتاريخية لما اشتروه. أما الجزء المنظم من عمليات الحفر والتنقيب، فتقوم به عصابات محترفة تستخدم خرائط وأجهزة تستشعر وجود الآثار عن بعد، وتعطي تقديراً لمسافة وجودها تحت سطح الأرض.
وفي الحالتين، تصل «البضاعة» إما إلى المتاحف، أو إلى عاشقي جمع التحف الأثرية مباشرة، في أوروبا والدول الغربية عموماً.

طرائف العلماء

طرق التهريب تخضع للجغرافيا، فآثار درعا تذهب إلى الأردن، وآثار مناطق حمص وتدمر ودمشق تذهب إلى لبنان، أما كنوز منطقة الجزيرة، التي بقي معظم مخزونها حتى ما قبل الثورة في باطن الأرض، فوجد طريقه إلى تركيا كمرحلة أولى في الطريق إلى أوروبا.
ونقلت الصحافة اللبنانية عن تحقيق منشور في مجلة «صانداي تايمز» البريطانية أن صحافية بريطانية زارت مركز بيع قطع أثرية في حي مار مخايل في بيروت وأكدت الصحافية التي انتحلت صفة جامعة تحف أن القطع أصلية.
مكتب السرقات الدولية في بيروت اعتبر المقالة بمثابة إخبار، فتم توقيف صاحب المحل، وصودرت المقتنيات.
وفي حين قال صاحب المحل إن القطع مزورة، أكد خبراء المديرية العامة للآثار في لبنان أصالة القطع، وأفادوا أنها تعود إلى الحقبتين الرومانية والبيزنطية، وأن قسماً منها مصدره تدمر.
المحيِّر في القصة أن علماء آثار سوريين أكدوا أن القطع مزورة، لأن التفاصيل المنحوتة عليها غير معروفة في المواقع السورية، كما أن الأشكال الهندسية المعتمدة غير موجودة في ملفات الآثار السورية.
هذا يحيلنا إلى غياب الأرشفة الرقمية للآثار السورية الموجودة في المتاحف السورية. فباستثناء ما يُعرض أمام الزوار، تقبع صناديق الآثار في أقبية المتاحف في انتظار أرشفتها. وأرشفة القطعة بمثابة هوية للقطعة تحد من إمكانية ضياعها في حال السرقة والتهريب. والقطعة المؤرشفة تساعد اليونيسكو والمنظمات العالمية المعنية في البحث عن القطعة، واستعادتها في حال ظهورها في أي مكان من العالم.

ما هي الآثار؟

في لبنان، مثلاً، لا تعد القطع المصنوعة بعد العام 1700 للميلاد آثاراً. هذا فتح باب تهريب 75 ألف قطعة أثرية إلى الخارج خلال الأعوام الثلاثين الأخيرة.
لكن قانوناً صدر في تشرين الأول/أكتوبر 2008 صنف المكتشفات الأثرية المصنوعة بعد العام 1700 للميلاد في خانة الممتلكات الثقافية.
لكن القضاء و»الخبراء المحلفون»، يقدمون الدعم اللازم لجامعي التحف وتجارها، ويجدون في القانون نفسه ما يبرر استمرار هذه الجرائم.
على سبيل المثال، اكتُشف تمثال الملك «سنطروق» أحد ملوك بلاد ما بين النهرين في منزل سيدة لبنانية، فادعت أنها اشترته قبل الاحتلال الأمريكي للعراق، على خلاف ما تؤكد وثائق المتحف الوطني في العراق من وجوده فيها إلى حين احتلال بغداد في العام 2003.
وسيكشف المستقبل حكايات أكثر غرابة عن الآثار السورية المستخرجة حديثاً، أو غير المؤرشفة في المتاحف.

غيض المفقودات

بلغ عدد المفقودات من متحف أفاميا عشر قطع فسيفساء. ومن متحف معرة النعمان في إدلب 30 قطعة فخارية ودمى طينية وتمائم. ومن متحف الرقة 104 قطع مختلفة. وفُقد من تل الشيوخ في جرابلس شمال حلب عدد غير معروف من القطع. كذلك الحال في تل قرامل في حلب، وفي دورا أوروبس في دير الزور، وتل الشيخ حمد في دير الزور، أيضاً، وفي تل عجاجة في الحسكة، وتل الأشعري في درعا، ومدافن تدمر، وكنائس حمص.
هذا إضافة إلى أوانٍ من العصر البرونزي من بلدة تل شهاب في درعا، وفسيفساء من كنيسة القديس سمعان قرب حلب، وتماثيل صغيرة عمرها أكثر من ألفي عام من مدينة بصرى.

ندوب قمرية

صور الأقمار الصناعية لمدينة أفاميا بعد عام 2012 تشبه الندوب التي على القمر في الصور المقربة له. هكذا وصفها تحقيق صحافي، مع أكثر من خمسة آلاف حفرة بقطر يصل إلى مترين في بعضها.
لا تـوجد صـــور متداولة لموقعي «دورا أوربوس» و»ماري» في دير الزور، غير أن ناشطين كتبوا على صفحـــاتهم في فيسبوك أن عمليات حفر عشوائية تجري في المنطقة في عهد احتلال «داعش» لها، بعد أن كان ذلك يجري بإشراف كتائب إسلامية أخرى قبل أن تهزمها «داعش».
في الرقة، وبعد طرد النظام منها، حمى لواء أمناء الرقة، التابع للجيش الحر، الآثار وحفظها. لكن بعد دخول «داعش» إلى المدينة، حاولت مديرية الآثار حماية المباني التي تحتوي على آثار بعد نقلها من المتحف. واتخذت إجراءات لحماية موقع (هرقلة)، الذي يضم قطعاً أثرية نادرة.
التهديد كان أكبر من هذه الإجراءات. وحتى بعد نقل القطع بشكل سري إلى بيت ظنته مديرية الآثار آمناً، هاجم مسلحون مجهولون البيت جهاراً نهاراً وسرقوا القطع الأثرية التي لا يعرف أحد أين ذهبوا بها.

قانون «داعش»

يساعد «داعش» سكان المناطق التي تحتلها في حفر المناطق الأثرية واستخراج الآثار مقابل «ضريبة الخمس» التي يفرضها الإسلام على قيمة أي شيء يستخرج من الأرض. في حلب، يأخذ «داعش» نسبة 20٪، بينما تصل النسبة إلى 50٪ في الرقة، خاصة إذا كانت الآثار تعود إلى العصور الإسلامية، أو مصنوعة من الذهب.
الأمر نفسه يجري في التلال الأثرية جنوب الحسكة، لكن تحت سلطة وحدات الحماية الكردية. ومن هذه التلال تل عجاجة، وتل طابان، وتل عرب. بالإضافة إلى بعض المواقع شمال الحسكة، مثل تل براك، وتل بري، وتل جولمة فوقاني.

مديرية الآثار

في كتاب «الإرث الأثري في سوريا خلال الأزمة 2011 – 2013» الذي صدر عن المديرية العامة للآثار والمتاحف، للدكتور مأمون عبدالكريم، وهو المدير العام للآثار والمتاحف، يوضح عبدالكريم الواقع الراهن لوضع الآثار في سوريا، وجهود حماية مقتنيات المتاحف ونقلها إلى أماكن آمنة.
وبالنسبة للسرقات التي تعرضت لها المتاحف، يبين الكتاب أن المتاحف السورية شهدت مع بداية الأحداث سرقة قطعتين أثريتين هما تمثال برونزي مطلي بالذهب يعود للفترة الآرامية من متحف حماة، وقطعة حجرية رخامية من متحف أفاميا.
ويشير الكتاب إلى تعرض كل من قلعة المضيق، والحصن، وحلب، وشيزر، لأضرار محدودة. وإلى تعرض كنيسة أم الزنار، وكنائس أخرى في حمص، لأضرار بالغة. كما تضرر مبرك الناقة في بصرى القديمة، ومعبد حوريات الماء في المنطقة نفسها.
في النتيجة، هذا ما جرى علناً، سواء بنيران النظام، أو المجموعات المسلحة، أو بأيدي أرباب الجهل والطمع في كلتا الفئتين. لكن، يعلم السوريون أن الآثار كانت مباحة دائماً لذوي السلطة والنفوذ وخُدَّامهم. وكما نهبوا الاقتصاد، وخربوا النفوس، ونشروا الفساد، في مصادرة لحاضر البلاد، باعوا ماضيها بطرقهم المعهودة، والآن يسدون أبواب المستقبل بقتلهم أطفالها.

كاتب وصحافي سوري

علي العائد