< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

الفكر العربي في عاصفة التاريخ

(…) إن موجة كموجة التتار التي اجتاحت بغداد ذات يوم في التاريخ، كافية وحدها أن تلتهم كل ما أنجبه الفكر العربي في عهود الدولة العباسية، ولكن رغم ذلك، ورغم موجات الطغيان الأخرى التي تعرضت لها معاقل الفكر العربي في مراحل أخرى من الزمن، بقي لنا من تراث هذا الفكر ما نعرف جميعاً، وتعرف المدنية الأوروبية نفسها، أنه أدى للحضارة البشرية فضل الاستمرار في سبيل التقدم من غير انقطاع، وقد كانت هذه الحضارة مهددة بالانقطاع فعلاً، والابتداء من أول الطريق لو أن الفكر العربي لم يؤدّ دوره العظيم هذا، وعلينا أن نتصور فاجعة كانت تصيب الإنسانية لو أنه قُضي عليها أن تبدأ سلسلة الحضارة من أول حلقاتها.
حقاً يجب علينا، حين نرتاب بقيمة التراث الفكري العربي الذي وصل إلينا من خلال الأجيال الغابرة، أن نستحضر بأذهاننا هذه الصورة التاريخية الرهيبة التي تحدثنا بها أوثق مراجع التاريخ عن فعلة التتار والمغول يوم قذفوا إلى المياه والنيران بكنوز الفكر الإنساني التي كانت تحتشد بها مكتبات بغداد وغيرها من العواصم والحواضر الفكرية في بلاد العرب.
على أنّ للقضية جانباً آخر يحسن بنا أن نواجهه بصدق وصراحة.
لم تكن محنة الفكر العربي منحصرة في مكابدة الاضطهاد والإرهاب، أو في معاناة الحرق والإغراق والإتلاف من الغزاة البرابرة، تتاراً كانوا أو مغولاً، أم أتراكاً، أم صليبيين، بل هناك وجه آخر من المحنة ينبغي أن يكشف عنه الباحثون اليوم. وذلك أن الفكر العربي إذا كان قد لقي في عهود بعض الخلفاء مجالاً من الحرية والتسامح والرعاية، يمكن القول ـ مع ذلك ـ أنه لقي حتى في تلك العهود نفسها، إلى جانب الحرية والتسامح والرعاية، محنة أعمق شأناً من الإرهاب والاضطهاد، لأنه بلغ من تفاقم هذه المحنة أنها كادت أن تتحول بالفكر العربي عن وجهته الأصيلة من الشمول والسعة والعمق، ومن الإبداع والبناء، إلى وجهة غريبة عن أصالة الفكر الإنساني، تكثر فيها الالتواءات والانحرافات ومواطن الشذوذ.
لقد كان ذوو السلطان يرهبون الفكر ويخافونه، بقدر ما كانوا يكبرونه ويقدرون شأنه، ولذلك رأينا أشدهم عداء للفكر أرسخهم معرفة بأمره وأقربهم صلة به.
كانت مخافة ذوي السلطان من الفكر تتجسد أحياناً في الإرهاب والاضطهاد الفكريين رأساً، ولكنها تجسدت في أكثر الأحيان بصرف المفكرين، علماء كانوا أم كتّاباً وشعراء وفنانين، عن رؤية مظالم السلطات في المجتمع، بإغداق النعمة عليهم حتى يجعلوا مواهبهم وقفاً على مشيئة «ولي النعمة».
فالشعر العربي، مثلاً، انصرف معظمه، في العصور التي كثر فيها الظلم وتفاقم فيها الانحلال الاجتماعي، عن صلته بالمجتمع وتصويره أوضاع الحياة العامة، إلى وجهة أخرى، إما أن تكون عبثاً ولهواً ومجوناً وعربدة، وإما أن تكون «تبخيراً» للحكام.
والنثر العربي انصرف طويلاً عن وجهته البنائية إلى زخرف من القول لا طائل منه، وكذلك شأن العلم. ما كان العلم في تلك العصور الناشطة ليقف عند تلك الفتوح الرائعة التي اقتحمها الفكر العربي يومذاك، لولا أن يد السلطان كانت تشير إليه مرة أن يسير في هذا الطريق ومرة ان يسير في تلك، فلا يملك من أمره إلا أن يخضع ويستسلم، لأنه إذا خالف عن ذلك تعطلت حركته وفقد الأداة التي بها يستنبط ويكتشف ويقتحم.
وهناك مفكرون كثيرون تمردوا، في تاريخنا الفكري، على دواعي الإغراء هذه، ولكن الاضطهاد سلك سبيلاً آخر إلى إبعادهم عن ساحة المجتمع وساحة التاريخ معاً، إذْ أخفى آثارهم الشامخة، وأهمل أسماءهم العبقرية، ومع ذلك، بل رغم ذلك، ظهرت آثار الكثيرين منهم وتألقت أسماؤهم، وظل آخرون مغمورين.
وإنك لتعجب كيف استطاع الجاحظ مثلاً أن يخلص من المحنة في بعض ميادينه، فيبقى سليماً معافى، ويبقى في نعمة ورفاهة، مع كونه من المفكرين الذين لم يستطيعوا إلا أن ينظروا إلى القواعد والأعماق دون القمم والسطوح.
وتعجب أيضاً لأبي العلاء المعري كيف تمرد على المحنة هذه من كل أقطارها، ولكنه تأسى وتألم لأبي الطيب المتنبي، إذ كافح المحنة كفاح الأبطال، ولم يستطع أن يفلت من مكرها قط، بل كل ما استطاعه أن ترك هذه الأبيات والقصائد التي تظل تنزف دماً من جراحاته العميقة الحية أبداً، تنطق بجراحات عصره كله.
أما بشار المسكين، فقد أبلى في الكفاح بلاء رائعاً جباراً، ولكن يد السلطان كانت أشد بأساً في الميدان من جبروت فكره المبدع الخلاق.
1955

سيّد «الحوزة اليسارية»

لولا مصادفة، فريدة حقاً واستثنائية، تكفّلت بتغيير مسار المفكر والناقد اللبناني حسين مروة (1910 ـ 1987)؛ لتوجّب أن يكون، اليوم، وعلى امتداد عقود حياته، أحد مراجع الشيعة في جبل عامل، يسير في كنف أمثال نعيم قاسم ومحمد يزبك وحسن نصر الله، أو محمد حسين فضل الله، في احتمال آخر أفضل. في النجف، حيث أرسله والده الشيخ علي مروة لكي يدرس، تعرّف مروة إلى علي حسين محمد الشبيبي، الشريك في تلك المصادفة العجيبة، فأعطاه نسخة من «البيان الشيوعي»، فانقلبت حال الفتى حين قرأ أفكار كارل ماركس وفردريك إنغلز، وتيقظ في ضميره حسّ العدالة الاجتماعية والانحياز إلى البؤساء في مسقط رأسه، وفي العالم أجمع. ولم يكن ينقصه، لكي تختلط المصادفة بالمفارقة، سوى قرارات نوري السعيد التي اسقطت الجنسية العراقية عن مروة وأمثاله، فأجبرته على العودة إلى لبنان.
لكنه عاد في إهاب فكري آخر، مختلف تماماً، لأنّ الرجل/ مشروع الشيخ سوف ينتسب إلى الحزب الشيوعي اللبناني، ولن يطول الوقت حتى يرتقي إلى عضوية اللجنة المركزية والمكتب السياسي. ولأنّ الفكر كان ميدان نشاطه الأبرز، وكذلك العمل الثقافي والصحافي والأكاديمي، سواء داخل الحزب أو على نطاق أعرض في لبنان والعالم العربي والإسلامي عموماً، وفي الأوساط الشيعية خصوصاً؛ فقد رصدته رصاصات غادرة لم تعد تحتمل رحابة تفكيره، ورقيّ عقله النقدي، وأبحاثه الجسورة المعمقة في التراث، ومواقفه الشجاعة من المسائل الاجتماعية والسياسية والطائفية، والحريات العامة وحقوق الإنسان، خلال سنوات الحرب الأهلية تحديداً، فوجدت في بقائه خطراً لا مناص من استئصاله.
مقالاته التي واظب على نشرها في «الثقافة الوطنية» و»الطريق» منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي، ثم جُمعت بعدئذ في كتابه «تراثنا كيف نعرفه»، 1985؛ تناولت شخصيات مثل عبد الحميد الكاتب وعبد الله بن المقفع والجاحظ والمعري وابن سينا والمتنبي وجابر بن حيان وأبو نواس وابن حزم… فاستخلص، من خلال المحن التي عاشها هؤلاء، سلسلة سمات ثورية طبعت التراث العربي، وسلسلة نقيضة موازية كانت صفة السلاطين والحكام. وأمّا كتابه «النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية» فقد اعتمد مقاربة مادية تاريخية تتقرى بلوغ غايتين مركزيتين، بين غايات أخرى كثيرة: استكشاف، وإعادة قراءة، كنوز ثمينة من التفكير المادي التقدمي في مختلف تيارات الفلسفة التراثية؛ واقتراح نقد مواز، استطراداً، للتيارات التي كانت تقف في الصفّ النقيض. وأياً كانت الطعون حول تلك المقاربة، وكيفما اتفق المرء أو اختلف مع خلاصاتها، فقد كان الجهد شاقاً ومخلصاً ومثمراً، وكانت الحصيلة منصفة لتراث زاخر، كان ويظلّ مجهولاً في كثير من قسماته الكبرى.
وإذْ يحلو للبعض إطلاق صفة «الحوزة اليسارية» على المجال العام، الفكري والثقافي والسياسي، الذي أطلقه مروة، ورعاه حتى ساعة اغتياله؛ فإنّ الموصوف كان، في الواقع، أكبر من الصفة، وأسبق من دلالاتها جمعاء.

نصّ: حسين مروة