< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

آل باشينو لـ«القدس العربي»: نادم على فترة الثمانينات وأحن الى المسرح

لوس أنجليس – «القدس العربي» يبلغ آل باشينو 74 عاما، ولكن كلما أقابله أشعر بأنه لا يكبر بل يصغر جيلا، اذ دخل غرفة المقابلة في فندق «الفور سيزينس» في «بيفرلي هيلز» رشيق القامة ومفعما بالحيوية ووجهه يشع بالمرح. يصافحني بحرارة ويسأل بصوته العميق المعروف «هل أنت بخير؟».
ما يميز باشينو عن غيره من الممثلين الكاريزما التي يتحلى بها. أنت تدرك بأنك جالس مع عملاق سينمائي ومسرحي وأكبر نجم عالمي، ولكنه يشعرك بالراحة ويطربك بروح الدعابة التي يبثها. صوته يعلو ويخفض كأمواج بحر هائج عندما يحكي ذكرياته او يجيب على سؤال. ويسبغ كلامه بالفكاهه والضحك، ويذكرك أنه ليس إلا ممثلا يسعى للقمة العيش كغيره من البشر.
رغم جيله المتقدم ما زال باشينو يعمل بلا كلل، مؤكدا ان الجيل ليس عاملا مؤثرا على شغله كممثل اذ ان الشغف والشهية لمهنته لم يتغيرا منذ بداية مسيرته في الستينيات. ولكنه يعترف أنه يمر في مراحل وتجارب تختلف من جيل الى جيل.
في هذا الجيل هو يمر بمرحلة جديدة وهي اختيار أدوار تجد صدى عاطفيا وحسيا عنده. «الآن أقوم بتقدير وتقييم الأمور وقت قراءتها. على القصة أن تكون مختلفة وأصلية. أما في الماضي كنت فقط أنظر الى الدور، ولا أقيّمه أو أفكر فيه. الأهم لي كان أن الدور مكتوب بشكل جيد وكان يلائمني. قريبا سوف أقوم بمسرحية مع دافيد ماميث وهي جديدة لم تنتج من قبل وهذا مثير. أنا ما زلت استمتع بالتحديات». يقول باشينو.
ربما هذا ما يفسر لماذا خفت نجمه في السنوات الاخير واختفى وراء أفلام رديئة المستوى فنيا وتجاريا. فمنذ دوره الرائع الذي أدلاه في فيلم كريستوفر نولان «الارق» (1998) غرق في أفلام مثل «قتل صائب» (2008) ، «ابن لا أحد» (2011). و «جاك وجيل» (2011). وهذا ما حاول أن يتفاداه مؤخرا، واختار مشروعين حس بشخصيتيهما وفهمهما، وهما «مانغلهورن» و«الاذلال». كلا الفيلمين عُرضا مؤخرا في مهرجاني «فينسيا» و»تورنتو».
في «الاذلال»، المقتبس عن وراية فيليب روث ويخرجه باري ليفينسون، يجسد باشينو شخصية ممثل البالغ 67 عاما، سايمون، وهو نجم مسرحي، يعتزل التمثيل عندما شعر أنه فقد موهبته ولا يستطيع أن يقوم بأدواره. ثم يغرق في حب فتاة مثلية تصغره بعدة عقود.
هذا الفيلم هو فرصة لمشاهدة باشينو، رغم أنه يجسد ممثلا آخر، يمارس سحره على المسرح، اذ نراه يتقن حواراته وينخرط في شخصية المسرحية قبل صعوده الى المنصة، ويحاور نفسه من خلال المرآة ويتساءل ان كان مقنعا عاطفيا. وبعد ذلك نشاهده يتفاعل مع الجمهور ويهوسهم ببراعته. طبعا نحن نعرف أن باشينو شغف بالمسرح، وخاصة الشكسبيري، منذ بداية مسيرته المهنية قبل أن يدخل عالم السينما، وفاز بجوائز طوني القيمة عدة مرات عن أداءات في مسرحيات كثيرة.
ما يميز المسرح عن الفيلم، حسب باشينو، هو الترابط الذي يحصل بين الجمهور والفنان، وكأن الجمهور كان شخصية اخرى في المسرحية وعلى الممثل ان يتفاعل معها. «أنت تحكي لهم قصة وهم يردون الفعل. في حالة صعودك على المسرح، تبدأ بفهم علاقتك مع المسرحية حسب رد فعل الجمهور. أنت تكد في التدريب وفجأة تقف أمام الجمهور وتسمع الضحكة الاولى وتقول لم أدرك أن هذا كان مضحكا. وهنا تدرك أنهم يوعونك بأمور كثيرة لم تفكر بها بنفسك. فهناك تبلور علاقة شخصية بيني وبين الجمهور وكأنهم كانوا الشخصية الرابعة في القصة. أنا أعطيهم الشخصية وهم يردون علي، ولكن علي أن اذوب في تجسيد الشخصية وأبث أحاسيسها اذا أردت أن يتفاعل معي الجمهور».
بعكس التمثيل في الأفلام، حيث يدلي الممثل حواره عدة مرات حتى يتقنه، المسرح لا يمنح هذه الإمكانية، فهناك فرصة وحيدة لاداء الحوار أمام الجمهور ولا يوجد مجال للخطأ او تصحيحه، وهذا ما يرعب باشينو، الممثل المخضرم حتى هذا اليوم وكثيرا ما يعاني من كوابيس. «انت تصعد على عتبة المسرح والكل يتوقع منك أن تعرف حواراتك غيبا، ولكن أحيانا تنسى وتتلخبط،» يضحك باشينو. ويمضي بحديثه عن تجربة مر بها، حيث قرأ حوارات من مسرحية شكسبيرية تختلف عن المسرحية الشكسبيرية التي كان يقوم بها. «بعد أن قرأت عدة حوارات، أدركت أنني كنت أحاور هاملت، ولكن أنا كنت في مسرحية «جوليوس سيزر». فما حدث هو أنني نسيت حواراتي وشرعت بقراءت حوارات اخرى دون وعي. صدقني هذا مرعب جدا، لا تحاول أن تجرب ذلك.» يقول ضاحكا.
وهذا ما يحدث لسايمون في «الاذلال». عندما يصعد الى المنصة في بداية الفيلم، ينهار ويقع على وجهه أمام الجمهور، فاقدا وعيه. هذه التجربة تدفعه الى ترك التمثيل والاعتزال في بيته، مقتنعا انه فقد موهبته. «أظن انه فقد رغبته بالتمثيل بسبب جيله وخصوصا بسبب فقدان حواراته. هذا محطم نفسيا. العمل في المسرح مرهق جدا، فعليك كممثل مسرحي أن تؤدي ادوارا صعبة وعليك أن تمضي بها حتى النهاية. وليس هناك مجال لإعادة وتحسين الحوار في لقطة أخرى كما نفعل في الافلام».
رغم الترابط الذي يشعره باشينو مع قصة «الإذلال» إلا أنه لا يوافق مع افتراضها الأساسي، إذ انه لا يأمن أن الممثل يتوقف عن العمل لانه فقد شهيته. «وظيفة الممثل هي أن يقوم بالاكشن، تماما مثل المصارع. في حالة ما دخل حلبة الصراع لا يمكنه أن يغير رأيه. عليه أن يواجه خصمه». يقول باشينو.
المشكلة هي أن كاتب الرواية، روث، طرح هذا الموضوع من منظور كاتب وليس ممثل. اذ أن الكتاب كثيرا ما يعانون من محنة «حاجز الكاتب»، التي يبتلى بها الكاتب عندما يجف نهر أفكاره وأبداعه ويصبح كسيارة معطلة لا يمكنها السير. «روث ليس بممثل ويفكر مثل كاتب. فلهذا حاولنا أن نجد سببا لسايمون ليترك التمثيل من خلال الإرهاق». يعلق باشينو، الذي يؤكد أن شهيته وشغفه لعمله لم تتركه وسيستمر بالتمثيل حتى النهاية.
الطريف هو أن باشينو يصر على ان أسوَد فترة في حياته كانت بداية السبعينيات عندما انفجرت مسيرته المهنية وتحول من ممثل مسرحي الى نجم سينما عالمي بفضل أداء دور زعيم المافيا مايكل كورليوني في فيلم «العراب» عام 1972. الشهرة هطلت بشكل مفاجئ وبكثافة مذهلة على الممثل النيويوركي الذي ترعرع في عائلة فقيرة وربّاه جده بعد أن تركه ابوه عندما كان في الثانية من عمره. فشهرته وثراه سنحا له الفرصة ليعوّض عن ما حُرم منه في جيله الصغير، فأسرف المال بشكل عشوائي واستسلم لإغراءات الحياة وانغمس في ملذاتها.
ولكن أهم انجاز حققه هذا الممثل الاسطوري ليس بطولاته في أفلام مهمة بل أطفاله الثلاثة: جولي ماري (25 عاما) والتوأميين انطون جيمس واوليفيا روس (13 عاما)، وهذا ما يجعله يشعر بالفعل أنه محظوظ في حياته. «إنهم يساعدونك على التقدم الى الامام في الحياة وينعشونك عندما تشعر بالاحباط، وطبعا يساعدونك في نسيان السبعينيات»، يضحك باشينو.

من حسام عاصي: