< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

جان- بيير فيليو في «تاريخ غزة»: فصول الماضي العريق والحاضر المعذب

القارئ لكتاب الفرنسي جين- بييؤ فيليو «تاريخ غزة» والذي ترجمه للغة الإنكليزية جون كينغ يقرأ صفحات من الحروب المتواصلة، النكسات والنهوض الدائم والإزدهار، فعلى أبواب غزة هزمت جيوش ودفع أهل غزة في كل مرة ثمن صمودهم. فقد عاش فيها أكثر من 16 فرعونا في فترة حكمهم. وظلت تقع على مفترق طرق الحضارات فهي بوابة كل من فلسطين ومصر، وحارسة البلدين فانتصارها يعني انتصار مصر وفلسطين وهزيمتها تعني هزيمة البلدين. وكانت غزة خاسرة رابحة في كل الحروب، فمن عهد الإسكندر المقدوني إلى السلطان سليم الأول وحتى عهود الجنرالات الإسرائيليين- موشيه دايان- ماتي بيليد- رفائيل إيتان- أرييل شارون الذي بدأ تاريخه الإجرامي فيها، كانت غزة تدمر ويذبح شعبها ولكنها لا تموت.

الإسكندر المقدوني

ففي 332 قبل الميلاد غزا الإسكندر المقدوني مدينة غزة، واستعصى عليه دخولها ومن هنا فرض عليها حصارا استمر 100 يوم. وقاوم الغزيون الذين قادهم باطيس «ملك غزة» ودافعوا عن أنفسهم بشراسة وأقاموا سلسلة من الأنفاق، وأثناء القتال جرح الإسكندر العظيم. ومن هنا انتقم من المدينة بقتل كل شبابها بمن فيهم باطيس الذي ربطه الإسكندر بعربته وجره للموت بين الأسوار. وستتكرر القصة في كل العهود، فعندما وصلت جيوش السلطان سليم الأول العثماني إلى مصر وسوريا شعر الغزيون أن زمن المماليك الذين ازدهر بلدهم في عهدهم وأقيمت الدروب والبنايات قد قارب على النهاية، ولهذا وقفوا إلى جانب المماليك، وعندما انتشرت شائعات في المدينة عن هزيمة السلطان سليم في الطريق إلى مصر ثار الغزيون ضد الحامية العثمانية وقتلوا أفرادها وهو ما قاد السلطان للعودة والقيام بمذابح فيها. فالقرون العثمانية الأربعة في غزة بدأها السلطان بسلسلة من المذابح أدت إلى تراجع سكانها، ففي عام 1525 لم يبق فيها سوى 1.000 عائلة.
ويبدو ما فعله الإسكندر الكبير والسلطان العثماني بعده بقرون عاديا في سياق غزة فمنذ ظهورها في التاريخ في القرن الرابع قبل الميلاد كجزء من مملكة الفرعون المصري كنان ظلت قصة الموت والحياة تتكرر حيث تنهض من ركام الموت وغبار المعارك لتبني نفسها من جديد، فغزة الأرض المستوية والرملية بمرتفعات قليلة والقريبة من البحر مثلت عبر التاريخ نقطة العبور للنصر والهزيمة.

ليست كيانا جغرافيا

وعليه فتاريخ المدينة يمنح القارئ صورة عن حاضرها المعذب فهي كما يقول فيليو لم تعد تلك المنطقة الجغرافية الصغيرة التي لعبت في التاريخ صلة الوصل بين وادي النيل والشرق ومركزا للتجارة الدولية بل نتاجا لتاريخ معذب. ولهذا فاسم غزة اليوم يثير المشاعر خاصة بعد الحرب الإسرائيلية عليها وحصار السنين الثماني من البر والبحر والجو. والقطاع كما يعرف هو نتاج لتراجيديا وأصبح معظم سكانه من اللاجئين الذين حاولوا الهروب من تراجيديا وعذاب آخر. ولم يجد هؤلاء طريقا للعودة لقراهم حيث أغلقت الحدود عليهم وهو مصير شاركوا فيه من حلموا بالعيش فيها. والمثير في تاريخ هذه المنطقة أنه لا إسرائيل التي هجرت الفلسطينيين إليها ولا مصر التي حكمتها لقرون وعاشت إلى جانبها ارادتا بقاء غزة. فتاريخ هذه المدينة المكثف والحافل بالدراما المستمرة جعلها في مركز أحداث فلسطين المعاصرة، فمن غزة ولدت فكرة الوطنية الفلسطينية، ومن هذا المكان الحافل باللاجئين خرجت حركة الفدائيين في الخمسينيات من القرن الماضي وفي عام 1987 اندلعت الإنتفاضة الأولى التي غيرت الخريطة السياسية الفلسطينية والتي قادت في النهاية إلى اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية وأدت إلى العملية السلمية الفاشلة. وكان الهدف من اتفاق أوسلو الذي وقعته منظمة التحرير وإسرائيل لتحويل غزة لمنطقة تجارة حرة على طريقة هونغ كونغ أو سنغافورة البحر المتوسط، وهو حلم كان يمكن التحقق في ذلك الوقت ولكن تداعي الأحداث جعلته مستحيلا.

ظلال الماضي وحزن الحاضر

وعليه يرى فيليو أن فشل الحاضر وتراجيديا الحزن الفلسطينية لا بد من تسييقها في التاريخ وفتح نافذة على الماضي للعبور منه نحو المستقبل. وفي كل التاريخ المفصل والمتعب الذي يسرده فيليو وبعناية تامة وفهم واضح لمعالم تاريخ المنطقة وتداولات التاريخ بما يعنيه من صعود وهبوط للحضارات يجعل من غزة مفتاحا للأمل وطريقا للحل. ولهذا وعبر حبكة محكمة يخرج فيليو غزة من تاريخها القديم ويقدم علاقتها مع فراعنة مصر وأباطرة الرومان الذين نالت في ظلهم نوعا من الإزدهار والسلام وعكر صفوه هجمات الفرس الساسانيين على سوريا في منتصف القرن السادس واستطاع هؤلاء السيطرة على القدس في 614 وعلى فلسطين في 618. وتحولت بعد سيطرة هرقل عليها في 629 إلى جوهرة تتنازعها إمبراطوريتان في الشرق بدلا من كونها محلا للصراع بين الشرق وفراعنة مصر. ولكن حياة غزة تغيرت بدخول الإسلام. ولطالما ارتبطت المدينة بالجزيرة العربية، فجد الهاشميين مات في غزة. وعاشت فيها طائفة تجارية كبيرة من الجزيرة العربية. وكانت المحطة المحبذة للتجار العرب القادمين من الجزيرة والمملكة النبطية- في البتراء جنوب الأردن. وكانت تجارة مكة وقوافلها تنتهي في غزة حتى قبل ظهور الإسلام. ومن هنا جاء ارتباط غزة بهاشم بن عبد مناف (500-525) ، وبالإضافة لهاشم ارتبط تاجر مكي آخر بها أصبح فيما بعد الخليفة الثاني وهو عمر بن الخطاب، فقد كانت تجارته مع غزة رابحة وأدت لبناء موقعه بين نبلاء مكة. ومكانة غزة في الإسلام ليست نابعة من هذه العلاقة التاريخية التي سبقته بل خرج منها علماء وباحثون ولعل أشهرهم الإمام محمد بن إدريس الشافعي مؤسس المذهب الفقهي المعروف.

العصر الذهبي

كانت الفترة المملوكية من أزهى العهود التي مرت على غزة وشهدت نهضة عمرانية، حيث بنى السلطان بيبرس مسجدا تخليدا لذكرى عمر بن الخطاب «المسجد العمري» وأوقف عليه 2000 كتاب كما بنى قصرا للحاكم، ويعتبران اليوم من أهم معالم المدينة، رغم أن المسجد العمري لم يسلم من الهجمة التترية الأخيرة على غزة. كما ان مدينة خان يونس هي صورة حية لما تركه المماليك، ولا تزال المدينة تحمل تأثيرات العائلة الأيوبية والقائد صلاح الدين، حيث أطلق اسم الشجاعية على القائد شجاع الدين الذي استشهد وهو يقاتل الصليبيين في بيت حانون عام 1239. وهي وإن استفادت من العصر المملوكي إلا أن البداية العثمانية القاسية تركت ظلالها على كل القرون الأربعة التي حكمها العثمانيون وشهدت تراجعا في موقعها الإستراتيجي وإن عاشت فترة من الحكم الذاتي في عهد آل رضوان. وبعد الغزوة الفرنسية على مصر وصعود محمد علي باشا حاول الأخير منازعة الباب العالي في غزة وانتصر العثمانيون في النهاية حيث علم العثمانيون سلطتهم بإعادة ترميم مسجد هاشم الذي أقيم على النقطة التي دفن فيها جد الرسول هاشم بن عبد مناف. ولكن صعود بريطانيا كقوة عظمى وسيطرتها على مصر منذ نهاية القرن التاسع عشر فرض واقعا جديدا لم يتضح إلا بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى. سقطت غزة بعد أشهر من المعارك بيد البريطانيين في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1917، ودخلها الجنرال اللنبي في ذلك اليوم حيث كانت بوابة دخوله إلى فلسطين، وهو الدور الذي لعبته منذ تحتمس الثالث وحتى بونابرت.

ولادة الحركة الوطنية

وفي هذا السياق يدخلنا الكاتب في مرحلة جديدة من تاريخ غزة الحديث، والحكم البريطاني وولادة الوطنية الفلسطينية ودور النخب والأعيان الغزيين في الحركة الوطنية. صحيح أن غزة ظلت في معظم الأحيان بعيدة عن مجرى الثورات والأحداث التي مرت بفلسطين الإنتدابية إلا ان نخبها ورجال السياسة فيها ظلوا على وعي بما يحري من خطط صهيونية وكانوا يتظاهرون ويعلنون الإضرابات بشكل مستمر. وكانت غزة هي أكثر المدن التي استوعبت أهل فلسطين الهاربين من بيوتهم بعد حرب 1948 حيث مثلت المدينة «سفينة نوح» وهرب إليها ربع سكان فلسطين الإنتدابية. يؤرخ فيليو للحركة الوطنية وحكومة عموم فلسطين التي تحولت إلى حكومة رمزية بدون سلطة بعد إعلان الوحدة بين ضفتي الأردن. ويرى الكاتب إن غزة كان يمكن أن تتحول لمهد ولادة الدولة الفلسطينية لو قبل الغزيون بعد مجازر إسرائيل في القطاع عام 1956 أثناء العدوان الثلاثي بوضع القطاع تحت إدارة الأمم المتحدة لكن أهلها قرروا البقاء تحت الحكم المصري. ويؤرخ فيليو بتفصيل مثير للحركات السياسية وبداية حركة الإخوان المسلمين في القطاع، ومن ثم النكسة ووقوع القطاع تحت حكم إسرائيل وما تبع ذلك. ويركز الكاتب على النشاط الإجتماعي للإخوان من خلال المجمع الإسلامي. ويشير إلى أن الشيخ أحمد ياسين الذي سجن أثناء الحكم المصري كان تلميذا لسيد قطب، المنظر الإخواني الذي أعدمه عبد الناصر عام 1966. وظهرت حماس كنتاج للإنتفاضة ونشاطات الإخوان الإجتماعية. وما تبع ذلك من اتفاقيات أوسلو وتحول حماس للمعارضة ثم الحكم والسيطرة على القطاع عام 2007 والحصار والحروب الثلاث التي تعرض لها القطاع منذ عام 2008- 2014. وما يهم في كتاب فيليو أنه يؤرخ لثلاثة أجيال عاشوا في غزة منذ نهاية الحقبة الإنتدابية ونشوء إسرائيل: جيل النكبة، جيل التشرد وجيل الإنتفاضتين. وبناء عليه يرى أن من غزة يبدأ السلام الدائم. ورغم تفكيك المستوطنات إلا أن العلاقات الفلسطينية – الإسرائيلية وصلت لأعلى درجات التطرف والعنف. وكما يقول إن «قطاع غزة هو الرحم الذي ولدت منه حركة الفدائيين ومهد الإنتفاضة ويقع في قلب بناء الدولة في فلسطين المعاصرة. إن من العبث تخيل منطقة مليئة بهذه التجارب تتعرض للإهمال والتهميش، ولن يتحقق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في الجوهر والمعنى بدون غزة التي ستكون الأساس وحجر الزاوية» فمن غزة سيكتب تاريخ جيل جديد حالة تم تجاوز التاريخ المر.

Jean- Pierre Filiu: Gaza: A History.
Translated from French by John King.
Hurst & Company,
London 2014. 422 p.

إبراهيم درويش