whotrades7
0
All posts from whotrades7
whotrades7 in whotrades7,

آفاق مبادرة دي ميستورا لحل الأزمة السورية

جاءت المبادرة الأممية التي يقودها ستيفان دي ميستورا بعد انقطاع طويل من المتابعة الأممية المباشرة لإيجاد حل للأزمة السورية. فمنذ فشل الأخضر الإبراهيمي واستقالته المشينة من تولي الملف السوري في نهاية عام 2013 لم ترسل الأمم المتحدة وأمينها العام بان كي مون أي مبعوث أممي لمعالجة أخطر صراع وقع في العالم في هذا القرن، ودون أن ننسى فشل المبعوث الأسبق كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، والذي بذل جهودا أكبر من جهود الأخضر الإبراهيمي، فقد كان أكثر حظوظاً وقدرة سياسية وعدم انحياز لأحد الأطراف، ولم يكن مبعوثاً مشتركاً عن الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية بشكل رسمي مثل الأخضر الإبراهيمي، ومع ذلك لم تكلل جهوده بالنجاح. ولكن جهود السيد كوفي عنان أدت إلى ظهور اتفاق مؤتمر جنيف الأول إلى العلن بحدود حزيران/يونيو 2012، والذي أعلن فيه اتفاق أطراف الصراع الأساسية عليه باسم اتفاق جنيف، والذي أصبح يوصف بالأول بعد دخول مراحل التحضير للثاني وقد خرج الاختلاف على تفسير بنود اتفاق جنيف 1 بين أهم الموقعين عليه بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الروسي، الذي كان ولا يزال يتولى الدفاع عن النظام السوري لبشار الأسد في المحافل الدولية ومجلس الأمن، فضلا عن الدعم العسكري الكامل، ودون قيود وبلا حدود.
كانت نقطة الاختلاف الأساسية هي المادة التي تشير إلى إقامة سوريا انتقالية تتولى إدارة شؤون البلاد بعد وقف القتال، والتحضير إلى انتخابات تؤدي إلى رحيل الأسد سلميا ودون متابعة قانونية له، فوقع الاختلاف على تفسير صلاحيات هذه الحكومة الانتقالية ودور بشار الأسد فيها، فبشار وروسيا يريدان  أن تعمل الحكومة السورية الانتقالية في ظل الصلاحيات الرئاسية لبشار الأسد، وإجراء الانتخابات الرئاسية التالية دون منعه من الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، وهو ما اعترضت عليه الولايات المتحدة والدول المؤيدة لها من الأوروبية والعربية، ولذلك ذهبت الجهود مرة أخرى إلى اتفاق جنيف 2 من أجل تحديد هذه النقطة، وقد وافق بشار الأسد على حضور مؤتمر جنيف 2 ومتابعة الجولات التفاوضية الملحقة به بين الحكومة السورية والائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية برئاسة أحمد الجربا، وقد استطاع بشار الأسد إفشال مؤتمر جنيف 2 وهم يحضرونه وفق شروطهم، لأنه وحكومته يدركون ويحسنون إفراغ أي جهود دولية من مضمونها، دون التورط في معارضتها علنيا أو صدامياً، وهذا يعني أن العقلية التي يتعامل بها بشار الأسد مع أي جهود دولية هي، الترحيب بها مع مماطلة زمنية شديدة وطويلة ووضع الشروط التي تمكنه من الإفلات من أي التزام، وهذا ما أفشل مؤتمري جنيف 1 و2 .
هذه المرجعية التاريخية ضرورية لمعرفة إمكانية نجاح مبادرة دي ميستورا من فشله، الذي لم يأت إلا ممثلا للأمم المتحدة فقط، وليس لجامعة الدول العربية كما كان المبعوث الأخضر الإبراهيمي، وجاء دي ميستورا وهو يعترف بالواقع السياسي والعسكري والأمني أيضاً، وكأن مهمته إنسانية أولاً وقد تكون إنسانية آخراً أيضاً، ولكن لإعطائها أهمية دولية أممية، فقد اتت على بنود أخرى مثل المطالبة بوقف إطلاق النار في مناطق محدودة ، ثم العمل على توسيعها بعد الاتفاق بين الأطراف المعنية، أي بين حكومة الأسد والمعارضة السورية على تثبيت وقف إطلاق النار أولاً، ثم إمدادها بالمساعدات الإنسانية الغذائية والطبية ومعالجة الجرحى وتبادل الأسرى وغيرها من الإجراءات الإنسانية التي تخفف من معاناة السوريين جراء هذه الحرب التي طال عمرها عن ثلاث سنوات دون ان تجد حلاً عسكريا ولا سياسياً.
والنقطة المهمة في مبادرة دي ميستورا لم تأت على ذكر اتفاقيتي جنيف 1و2، وكأن الأمم المتحدة أدركت انها أصبحت من الماضي الميت، أو عدم الإعلان عنها على الأقل، بمعنى انها لم تأت على فكرة رحيل نظام بشار الأسد، وكأن الوضع السياسي الوطني والإقليمي والدولي لم يعد يطالب برحيل الأسد، بل إن موافقة المعارضة السورية عليها سيعني انها توافق على الجلوس إلى مائدة مباحثات مع حكومة بشار الأسد، ولو بهدف إنشاء مناطق خالية من الصراع العسكري، وبالتالي موافقة على وقف القتال ضد نظام الأسد، وكأن إقناع الثورة بعدم قدرتها على إسقاط النظام قد أسقطت الثورة نفسها، أو أُسقطت بضغوط إقليمية ودولية، بعدم تمكينها عسكريا من القضاء على النظام الأسدي، وبالتالي لم يعد أمامها إلا الرضا بالأمر الواقع، أي ان المهمة الأساسية لمبادرة دي ميستورا هي إقناع المعارضة السورية بهذه الحقيقة، كأمر واقع لا مفر منه ولا يمكن إنكاره، أي بخضوعها إلى التفاعل السياسي والسلمي مع الأمر الواقع وعدم مواصلة القتال ضد نظام بشار الأسد، مع ذكر دي ميستورا بضرورة محاربة «الجماعات الإرهابية»، على أن يترافق ذلك البحث عن «حلول سياسية جامعة» للأزمة السورية، ولكن دون التعرض لرحيل الأسد.
هذه الرؤية التي انطلق منها دي ميستورا من الطبيعي ان ترضي بشار الأسد، الذي كتب على صفحته الرئاسية الرسمية على الفيسبوك: «ان مبادرة ميستورا جديرة بالدراسة، ومحاولة العمل عليها، ومن أجل بلوغ أهدافها التي تصب في عودة الأمن إلى مدينة حلب»، ولذلك استقبل الأسد دي ميستورا مرتين في قصره إحداهما في شهر أيلول/سبتمبر والثانية بتاريخ 8/11/2014.
فالمبادرة تجد الترحيب الإيجابي من بشار الأسد، لأنها تلغي في نظره ما توصل إليه مؤتمر جنيف 1، ومؤتمر جنيف 2، بضرورة رحيله وبضرورة إقامة حكومة سورية انتقالية كاملة الصلاحيات، ونزع صلاحيات الرئاسة منه في ظل هذه الحكومة الانتقالية، وكون مبادرة دي ميستورا تنطلق من تجربة أولية تخص مدينة حلب، فإنها قابلة للتعميم على باقي المدن السورية في حال نجاحها على مستوى مدينة حلب.
واختيار مدينة حلب هو أحد أسرار هذه المبادرة الأممية، وهي ان المبعوثين الأمميين يلتزمون بتوجيهات وزارة الخارجية الأمريكية مباشرة أو عبر مندوب أمريكا في الأمم المتحدة بغض النظر عن اسمه إن كان بان كي مون أو غيره، فقد أعترف بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة الأسبق بإن وظيفة الأمين العام هي تلبية المطالب الأمريكية فقط، وإلا يتم طرده، وهو ما حصل معه، فإذا كان ذلك على مستوى الأمين العام للأمم المتحدة، فمن باب أولى ان يكون ذلك مع المبعوثين الدوليين من أمثال كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي، الذي بدا أكثر انحيازا للمحور السوري الروسي بسبب خلفيته الأيديولوجية، فاستثمرته أمريكا لأكثر من عام لترسيخ الصراع في سوريا حتى تصل الاستراتيجية الأمريكية إلى ما وصلت إليه من خلق الفوضى الخلاقة التي لا تحسن العمل السياسي إلا في ظلها، فهي ان لم تنجح فيها، فإنها تبقيها موجودة في الساحة الدولية أولاً، ولا تعطي الأطراف المتصارعة قدرة على حسم نزاعاتها دون الوساطة الأمريكية ثانياً، أي ان دميستورا هو في حقيقته مبعوث أمريكي وإن حضر إلى المنطقة باسم المبعوث الأممي، لأن المهم هو المهمة التي أتى بها، والوظيفة التي كلف بها، وليس من المهم التفكير في المبادرة ذاتها لأنها مجرد بنود إنسانية ترضي الأطراف المتصارعة والمراقبة لدور الأمم المتحدة أيضاً وفقط.
الأزمة القائمة في المنطقة الآن في سوريا والعراق تحديدا هي الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا «داعش» وأمريكا تريد استثمار هذه الأزمة وهذا الظهور لدولة الخلافة الإسلامية لإشعال المنطقة بالحروب لثلاث سنوات أو خمس سنوات أو تسع سنوات أو خمس عشرة سنة قادمة، وكل هذه الأرقام ذكرتها الدول المتحالفة في الحرب على «داعش» فالرئيس الأمريكي اوباما بدأ بثلاث سنوات، ورئيس الوزراء البريطاني كاميرون بخمس سنوات، ووزير الخارجية السعودي سعود الفيصل بتسع سنوات، والملك الأردني عبدالله الثاني قدرها بخمس عشرة سنة، أي أن المنطقة بحسب هذا التخطيط مقبلة على دمار كامل، وكأن العالم مقبل على حرب عالمية ثالثة، فهل هذه الحروب من أجل مقاتلة بضعة آلاف من مقاتلي تنظيم «داعش» فقط، أم ان المخطط الاستراتيجي الأمريكي يستخدم أو يستثمر أو يستغل وجود دولة «داعش» فقط، بغض النظر عن الدور الأمريكي في إيجادها أو المساعدة على ذلك، بغض النظر عن ذلك.
وبالنظر إلى الاستراتيجية الأمريكية المستدامة لثلاث سنوات أو أكثر فإن السياسة الأمريكية حتى الآن لا تزال تفتح أبواب الحرب ولم تدخلها حتى الآن، فرئيس هيئة الأركان الأمريكي مارتن ديمبسي يصرح بتاريخ 10/11/2014، ان الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية بدأت في المسار المؤثر لها، وكأنها كانت في المرحلة السابقة في عمليات تحضير وتحمية لإشعال الحرب، وكان الغارات الجوية الأمريكية والتحالفية كانت أشبه بأبواق الحرب وليست هي الحرب ذاتها، والسبب في هذا التصريح الأمريكي لرئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية، ان أمريكا حتى الآن لم تنجح في توريط جيوش دولية في هذه الحرب، أي لم تنجح في إشعال الحرب بين دول المنطقة مباشرة، كما تتطلب الاستراتيجية الأمريكية، التي اعتادت على الاستفادة من حروب السنوات الطويلة في هذه المنطقة منذ الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات.
وسبب الفشل الأمريكي في توريط جيوش هذه الدول في الحرب العالمية التي يمكن وصفها بالحروب الإسلامية البينية، أي بين الدول الإسلامية وشعوبها وقومياتها العربية والإيرانية والكردية والتركية، هو عدم وجود جيوش تحشد قواتها ضد «داعش»، فالجيش العراقي مني بهزيمة مستعجلة قبل نشوء الحرب، فقد سقط الجيش العراقي الهزيل الذي بناه الأمريكان والإيرانيون بعد تدمير الجيش العراقي العربي بعد احتلالهم للعراق 2003، الجيش الذي بناه الأمريكان والمالكي وصرفوا عليه مئات المليارات من الدولارات هزم أمام قوات «داعش» في الموصل وغيرها خلال ساعات، أو أن الحكومة العراقية في عهد المالكي لم تكن مستعدة لدخول هذه الحرب باسم الجيش العراقي، فجاءت الأوامر بالانسحاب وليس المواجهة العسكرية، لأن المواجهة العسكرية لو وقعت لما توقفت حتى الآن، والقيادة العسكرية العراقية وقيادتها في طهران وبغداد عند الجنرال قاسم سليماني لا تخوض حرباً دون ثمن مقابل، وربما من حقها أن تعتبر حرب «داعش» هي حرب غيرها، فإذا وافق التحالف الدولي على مشاركتها العسكرية فإن ذلك يعني الاحتلال الرسمي والعلني للجيش الإيراني للجمهورية العراقية، وبتأييد وموافقة أممية، وهو ما لا توافق عليه الدول العربية ولا تركيا، وتوجد مخاوف من ذلك أن تقوى شوكة الدولة الإيرانية إقليميا ودولياً وتذهب بشكل أكبر نحو تطوير مشروعها النووي دون إمكانية منعها عن ذلك، ولذلك فلا إمكانية لمشاركة الجيش الإيراني في الحرب على «داعش» أو مشاركتها في الحرب العالمية الإسلامية البينية ضمن هذه الشروط إلا أن تكون أمريكا مضطرة لاحقاً إلى ذلك، وقد تؤول مبادرة دي ميستورا إلى هذه النهاية، مهما بلغت المعارضة العربية والتركية والمخاوف المترتبة على ذلك.
وأما تقوية الجيش العراقي للقيام بهذه المهمة، وهي محاربة «داعش» فالأمر ممكن ولكنه أمام صعاب بالغة ومكلفة، وأمريكا تسير في ذلك بحكم أن أرض المعركة الأساسية هي العراق، ولذلك تعمل أمريكا على إرسال الخبراء والمستشارين العسكريين لتقوية الجيش العراقي لهذا الاحتمال، وزيارة رئيس هيئة الأركان الأمريكية إلى العراق في الأيام الماضية يسير في هذا الاتجاه، وقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية انها سترسل نحو 1500 مستشار عسكري أمريكي إلى العراق لهذه المهمة، دون ان تتورط أمريكا بأي حرب برية، فأمريكا تعلمت من حرب أفغانستان 2001 والعراق 2003 ان لا تدخل الحروب بجنودها، الذين لا يزالون يعانون في الولايات المتحدة من آثار اليورانيوم المنضب وآثار الأسلحة الكيميائية التي استعملوها في افغانستان والعراق من قبل، فضلا عن الخسائر الهائلة التي تكبدها الجيش الأمريكي ومعه الاقتصاد الأمريكي منذ عام 2008، مما أطمع روسيا ان ترفع رأسها وتطالب بالعلاقات الندية مع أمريكا، ومما أطمع إيران ان تماطل في المباحثات السياسية حول ملفها النووي، طالما ان أمريكا تستبعد الحرب العسكرية معها.
أما الجيش التركي فهو جيش قوي ويعد الجيش الرابع في العالم من حيث قوته العسكرية واستعداده الحربي، ولكنه وكما قال رئيس هيئة الأركان التركية عصمت يلماز: «إن الجيش التركي لن يشارك في أعمال عسكرية إلا دفاعاً عن الشعب التركي» أي ان الجيش التركي لن يشارك في حرب ضد «داعش» طالما ان «داعش» لم يعتد على الحدود التركية أو على الأتراك خارج تركيا، وهذه سياسة معلنة من وزارة الدفاع التركية والحكومة والرئاسة أيضاً، ولذلك كان من مصلحة «داعش» ان يطلق سراح المختطفين الدبلوماسيين الأتراك قبل ان تنطلق الأعمال العسكرية ضده بحدود منتصف شهر أيلول/سبتمبر 2014. والجيش التركي لديه تحدياته الخاصة وغير معني بالدخول في حروب دولية ضد «داعش» في سوريا أو غيرها دون شروط وضمانات بأن حربه سوف تؤدي إلى نجاح، فالجيش التركي لا يقبل أن يدخل حربا وهو لا يمسك بزمام أمورها، أو غير مطلع على خطتها الاستراتيجية، وبغير توفير شروط عسكرية يعمل من خلالها، ومن أهمها أن لا يوقع من القتل والتشريد والمآسي الإنسانية أكثر مما يمكن أن يحققه من مكاسب في هذه الحروب.
إن الجيش التركي يرى إن الحرب على «داعش» في سوريا قد سببت نزوح مئتي ألف سوري إلى المخيمات على الحدود التركية، ومعظمهم من الأكراد وبالأخص من منطقة عين العرب (كوباني) ودخول الجيش التركي في هذه المعارك يعني اشتعال الحدود التركية الجنوبية المحاذية لسوريا والتي تشمل مخيمات اللجوء ويقدر عدد ساكنيها بحوالي مليون ونصف مليون سوري وعراقي وغيرهم، فهذه الحدود ستكون مناطق حرب عسكرية ومستهدفة، وبالتالي سوف تضطر هذه المخيمات إلى الانسحاب إلى الداخل التركي، وسوف يتعرضون إلى الهلاك والقتل والمصائب، فليس بمستبعد أن يعتبر بشار الأسد ان التدخل العسكري التركي لإنقاذ عين العرب (كوباني) هو اعتداء على الأراضي السورية، فيقوم بأعمال انتقامية ومهاجمة الأراضي التركية، وبالتالي فإن تركيا سوف تدخل في حرب مع سوريا وحليفها الإيراني، والتحذيرات التي صدرت عن بشار الأسد بهذا الخصوص معروفة، والأخطر منها التهديدات الإيرانية للحكومة التركية بانها تعمل على توتير الوضع في المنطقة، وسبق لها أي إيران وعلى لسان مرشدها خامنئي شخصياً التهديد بتوجيه ضربات صاروخية للقواعد الأمريكية في تركيا إذا قامت بأعمال عسكرية عدوانية ضد النظام السوري في بداية مرحلة الثورة السورية، فهذه المعادلات الأمنية والعسكرية لا بد أن تؤخذ بعين الإعتبار. ولذلك وضعت السياسة التركية شروطها على المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن على المشاركة العسكرية ضد «داعش» ومنها إقرار منطقة آمنة وليست عازلة على الحدود التركية السورية وداخل الأراضي السورية حتى تكون ملاذاً آمنا لكل نازح محتمل، واشترطت تركيا أن تكون هذه المنطقة محظورة الطيران، حتى لا يتخطاها طيران الأسد العسكري إلى الحدود التركية، كردة فعل على المشاركة الدولية في أعمال عسكرية على الأراضي السورية، وكذلك اشترطت تركيا تدريب المعارضة السورية لتولي حماية هذه المناطق التي يتم تطهيرها من قوات «داعش» حتى لا تنشأ فيها «دواعش» أخرى، واخيراً اشترطت تركيا ضرورة معالجة الأزمة السورية من أصلها، فلا يمكن صنع تحالف دولي لحماية مناطق معينة في سوريا من «داعش» بينما تترك باقي المناطق تحت القتل والدمار والمجازر والإبادات البشرية بالأسلحة الكيميائية من نظام بشار الأسد دون محاسبة دولية، ودون مساعدة من دول الجوار.
إن الشرط الأخير لا يعني ان تركيا تشترط رحيل الأسد حتى تشارك في هذا التحالف كما يحلو للإعلام تكراره، وإنما تريد تركيا ان تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية بحل أزمة الشعب السوري، وأن تعلن موقفها من هذا النظام القاتل لأكثر من نصف مليون مواطن من شعبه، والمشرد لأكثر من عشرة ملايين مواطن، والذي دمر كل البلاد من أجل ان يبقى في السلطة السياسية بغير حق، أي ان تركيا لا تشترط شيئاً لنفسها وإنما تشترط شيئاً يوفر النجاح لهذه المعارك، وان تحقق نتائج صحيحة منها، وعدم استجابة أمريكا لهذه الشروط التركية يؤكد ان أمريكا لا تسعى لحل مشاكل المنطقة، وإنما تسعى للاستفادة منها بحسب المصالح الأمريكية فقط، فلماذا تدخل تركيا حربا دولية من أجل مصالح غيرها، وفي الوقت نفسه ترى ان مصير أخوتها السوريين من العرب والأكراد ما هم إلا ضحايا هذه الحروب الأمريكية وحطبها فقط؟ فالمشكلة ليست بإرسال المساعدات العسكرية ولا المقاتلين لدفعهم إلى حتفهم وموتهم، وإنما تحقيق نتائج صحيحة من هذه الحروب والمعارك.
ودور دي ميستورا الآن وبعد تمسك الأتراك بموقفهم المبدئي بعدم توريط جيشهم في حروب لا تخدم مصالح الشعب التركي، أصبحت المساعي الأمريكية في البحث عن متورطين آخرين في هذه الحرب، سواء كانت من الميليشيات السنية ورجال الصحوات العراقية من جديد، أو الميليشيات الشيعية أو قوات البيشمركة الكردية، المهم من وجهة نظر أمريكية توفير وقود هذه الحرب من المسلمين، أو بتعبير وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل بقوات محلية، فالميليشيات أحد الحلول إذا لم تعثر أمريكا على جيوش تركية أو عربية يتم تكوينها بحجة الحرب على الإرهاب.
فالميليشيات العراقية التي يمكن أن تستخدمها فيها سواء كانت عشائر عراقية سنية أو شيعية أو كردية أو غيرها يتم الآن اعدادها، ولذلك فإن وقف القتال في سوريا بين قوات المعارضة السورية من الجيش السوري الحر والكتائب المقاتلة، والقوات المقاتلة ضدها من قوات الأسد والميليشيات الشيعية اللبنانية والإيرانية، سوف يوفر مزيداً من الميليشيات التي تقاتل «داعش» من وجهة نظر عسكرية أمريكية، ولجعلها كلها تصطف في قتال «داعش»، فأمريكا تريد تحويل القتال الداخلي في سوريا بين الأسد والمعارضة إلى قتال موحد ضد «داعش» وهذا لا بد ان يبدأ بفكرة تقوم على وقف القتال بين هذه الجبهات الداخلية بحجج إنسانية، وبحجة ان المعركة العسكرية لن تؤدي إلى نتيجة نهائية في سوريا، فالعمل المجدي الآخر بعد وقف القتال على الجبهات السورية الداخلية ونقطة البداية من مدينة حلب، وبعد تقديم المساعدات الإنسانية لكل الأطراف، أن تتوحد الجهود بين المعارضة والنظام السوري على حماية مدينة حلب أولاً من السقوط بيد «داعش» وهذا يعني تقاسم السيطرة العسكرية والأمنية على مدينة حلب بين الجيش السوري الحر وجيش بشار الأسد، والمشاركة في صد العدوان الداعشي على حلب.
وهكذا فإن الخطة الأمريكية من المهمة والمبادرة الأممية لميستورا إدخال قوات الجيش السوري في حرب مباشرة  ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، ولذلك فإن موافقة بشار الأسد على المبادرة يعني أن ثمنها سيكون إنهاء الثورة السورية على مستوى إسقاط النظام وبشار الأسد، مقابل أن يوافق الأسد على إقامة دولة ديمقراطية، يعطي فيها للمعارضة السورية بعض الحقوق والصلاحيات السياسية الداخلية فقط، وليس أي هيمنة على القرار السوري السياسي والسيادي، أي ان يكون للمعارضة السورية الداخلية والخارجية والعسكرية مشاركة في اتخاذ القرار داخل المجتمع السوري، وهو ما أطلق عليه دي ميستورا «بالحل السياسي الجامع»، والذي يقوم أساساً على محاربة السوريين للجماعات الإرهابية في بلادهم، وبذلك تكون المعارضة السورية قد حققت بعض مطالبها السياسية: الدولة المدنية والديمقراطية ولكن بصلاحيات منقوصة، يمكن ان تؤدي لاحقاً إلى عدم بقاء بشار في الرئاسة ولكن مع بقاء سلطته قائمة كما هو الحال بالنسبة للحل اليمني وبقاء علي عبدالله صالح خارج قصر الرئاسة الرسمي، ولكن في قصر رئاسي آخر يتخذ فيه القرارات المصيرية لسوريا وحلفها مع إيران وروسيا، وإلا فإنه يستطيع تدمير الدولة باستقبال كتائب مشابهة للكتائب الحوثية لتحافظ له على سلطته.
فهل يرفض بشار الأسد هذه المبادرة التي تبقيه في السلطة ولو كان خارج القصر الرئاسي، ولذلك صح ان توصف المبادرة بأنها إنسانية لتجميد القتال بين الأطراف المتصارعة ونقل القوات المتقاتلة إلى حروب أخرى، تخدم نظام الأسد، الذي ليس من مصلحته توسيع هيمنة «داعش» على باقي سوريا، وكذلك تنقذ المعارضة السورية التي بهيئاتها السياسية والعسكرية الحالية وصلت إلى طريق مسدود في تغيير الوضع السياسي والعسكري على كل سوريا، وبالتالي فلا مصلحة ولا مستقبل لها ان تسلم أراضيها إلى «داعش، فإذا تقدم جيش الأسد ليقاتل «داعش»، فهو في النهاية ليحميها ويحمي المدن الأخرى من «داعش»، وهي أمام طريق مسدود في حربها مع بشار من بداية هذه السنة 2014، بل هي أمام طريق مسدود منذ استقالة أحمد الخطيب من رئاسة الائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية، لأنه اكتشف الحقيقة وأعلنها على الملأ ورفض أن ينافق على السوريين، فأمريكا والدول الغربية والعربية غير جادة في تغيير النظام السوري، وهي عاجزة عن إيجاد بديل عن الأسد حتى الآن. ولذلك تريد أمريكا استخدامه في الحرب على «داعش» وبعد ذلك تعمل على تغييره، وهو ما تعد المعارضة به وبتوافق مع السعودية وروسيا وايران، ولذلك أول ما جاء دي ميستورا إلى لبنان طلب لقاء حسن نصرالله أمين عام حزب الله اللبناني، لأنه المكلف بالملف السوري من قبل إيران، فلماذا تعذر الاجتماع به؟ اجتمع مع نائبه نعيم قاسم، وهذه الخطة عبر عنها المتحدث باسم الخارجية الأمريكية جوشوا بيكر :»بأن لا مستقبل لبشار الأسد في الحل السياسي القادم في سوريا».
فالنتيجة متفق عليها، ولكن يبقى إقناع المعارضة السورية بها، وهذه الخطة لا تمانعها إيران ولا روسيا، لأنهما متورطتان بحرب خاسرة ومخجلة، بل روسيا مشاركة في تنفيذها فدعت المعارضة السورية والنظام السوري إلى عقد جلسات ومباحثات في موسكو بدل جنيف، والمعارضة السورية أبدت موافقتها على الدعوة الروسية، وهي تعلم لماذا تذهب إلى روسيا، فروسيا تريد ان تضمن مسار الخطة الأمريكية التي بدأ دي ميستورا خطواتها الأولى، وبالتالي فالخطوة الروسية متوافقة معها في هذه المهمة، ضمن الخطة المتفق عليها بين روسيا وأمريكا، وبصورة أخرى بين السعودية وإيران.
فالطرف السعودي والخليجي عموماً مهم جداً في نجاح هذه الخطة لأن له السيطرة والهيمنة الأكبر على قوى المعارضة السورية، ولذلك يمكن تفسير المصالحة الخليجية التي اعلن عنها في الرياض بتاريخ 18/11/2014 ، والتي تضمنت عودة السفراء فوراً في هذا السياق، لأن قطر متهمة وتركيا بدعم أطراف غير الأطراف المدعومة من السعودية، فالتقارب القطري السعودي والإماراتي يذهب بدعم خطة دي ميستورا في النهاية. وقد طلب الملك السعودي عبدالله مساعدة مصر في تحقيق المصالحة الخليجية، أي بفتح صفحة جديدة مع قطر، وهو الأمر الذي لقي موافقة سريعة من السيسي لأنه يسير في هذا الاتجاه، بل كان السيسي من عرابي المصالحة السورية وفق الخطة الأمريكية التي بدأ دي ميستورا خطوتها الأولى، فالسيسي عرض خطة مشابهة للخطة الأمريكية، ولكنه كان خجولا من ذكر بقاء الأسد في السلطة أمام السعودية ودول الخليج، ولكن تطورات الأحداث بقيام الخلافة الإسلامية في سوريا والعراق غير بعض المواقف لكل الأطراف.
لذلك وضمن هذه الرؤية فإن خطة دي ميستورا سوف تلقى الموافقة من المعارضة السورية، لأن من يعارض الآن سوف يغير موقفه لصالحها ولو بشروط إعلامية، فهادي البحرة رئيس الائتلاف الوطني السوري يقول: «إن المبادرة غير واضحة»، ويريد:» أن يكون الحل شاملاً»، أي أن يكون تغيير النظام شاملاً وليس مجزءا، بينما وضع رئيس المجلس العسكري في حلب التابع للجيش السوري الحر العميد زاهر الساكت أربعة شروط للتهدئة في المدينة، تشترط في بدايتها خروج الميليشيات الشيعية التي تقاتل إلى جانب النظام، ووقف القصف الجوي والقاء البراميل على أحيائها، واطلاق سرح المعتقلين ومحاسبة المسؤولين عن استخدام السلاح الكيميائي ضد السكان المدنيين في غوطة دمشق 20 أب/ أغسطس 2013.
هذه المواقف والشروط من المعارضة السورية صادرة فقط عن موقف تجميد القتال والتهدئة، فكيف إذا تم السير في الخطوات التالية التي لا يعرفها دي ميستورا نفسه في الغالب، فهو مكلف في المرحلة الأولى فقط، ويقول في حالة نجاح المرحلة الأولى يمكن لها أن تتحول إلى حل سياسي جامع أو شامل للأزمة في سوريا، ولكن لا يصرح أكثر من ذلك.
إذن التطورات في المنطقة وبالأخص بعد ظهور «داعش» وسعي الاستراتيجية الأمريكية للاستفادة من هذه الأزمات والفوضى الخلاقة، تسعى لاستثمار كامل علاقاتها مع دول المنطقة بما فيها إيران، لصناعة واقع جديد في المنطقة، يسميه البعض سايكس بيكو جديدة، أو خارطة سياسية جديدة، فأمريكا لا تسعى لحل مشاكل المنطقة، ولا رفع معاناة مآسيها الإنسانية عن أحد، وإنما ستستثمر هذا الواقع في خدمة مصالحها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، بما فيها تحسين مستوى عمل شركات التصنيع العسكري في أمريكا وأوروبا وروسيا، فالأفاق المرحلية لمبادرة دي ميستورا مضمونة النجاح في المدى القريب، ولكنها ستواجه صعاباً وتأكل وقتاً غير قصير في إقناع المعارضة السورية المسلحة بالعمل العسكري المشترك ضد «داعش» مع قوات جيش الأسد، على فرض انها سوف تنجح في الهدنة المؤقتة وتجميد القتال بحجة المساعدات الإنسانية.
والأمر بنجاح هذه المبادرة يحتاج إلى موافقة الحكومة التركية عليها، أو السكوت عنها وعدم عرقلتها على الأقل، فالحكومة التركية منعت توريط الأكراد أكثر في الحرب الطاحنة ضد “داعش” لأن هناك بدائل أقل خسارة ترفضها أمريكا، ولذلك تعتبر الحكومة التركية كل الأحزاب التي تدعو إلى التورط في الحرب ضد “داعش” لمجرد القتال دون التفكير بتحقيق المصالح الكردية هي أحزاب أو قيادات خائنة ومخادعة لشعبها، وكذلك سوف تفعل ضد الكتائب العربية السنية أو الشيعية التي تقاتل لمجرد القتال والموت دون تحقيق مصالح شعوبها وشعوب هذه المنطقة، فإذا رفضت تركيا إدخال جيشها في حروب مجهولة المصير، فإنها لن توافق أن تنخرط جيوش أو قوات من أهل المنطقة في حروب خاسرة أيضاً.              
 

محمد زاهد غول