< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

انتصار الديمقراطية التونسية مصلحة عربية

حذّر الرئيس التونسي المؤقت والمرشح للانتخابات الرئاسية التونسية المنصف المرزوقي، من أن «تونس مهددة بضياع استقلالها في وقت تسعى فيه دول إلى تقرير من سيكون رئيس تونس»، معتبراً أن تونس «تواجه تركة 50 سنة من الاستبداد»، الأمر الذي ردّ عليه حزب «نداء تونس» الذي يرأسه منافسه في الانتخابات الرئاسية الباجي قايد السبسي باتهام المرزوقي بـ»تهديد الأمن والسلم الاجتماعيين» في البلاد.
يحمل تصريح المرزوقي ثلاثة تحذيرات مهمة، لكن أخطرها هو التحذير من الثورة المضادة وعودة الاستبداد، مشيراً إلى وجود دول (لم يسمّها) تعمل حثيثاً على هذه القضية.
والحال أن تونس قد استطاعت، رغم إشكاليات المرحلة المؤقتة العصيبة، ممثلة باغتيال بعض القادة السياسيين، ومحاولات حركات السلفية المسلّحة حرف تونس عن البرنامج المدني والديمقراطي الذي اختاره عموم شعبها، عبور عنق الزجاجة والخروج من إمكانيات الاستقطاب التناحري المميت، الذي غرقت فيه، على سبيل المثال، الثورة الليبية.
لقد تمكّن أركان حكم «الترويكا»، وهي الائتلاف الحاكم رئاسيا وحكوميا ونيابيا، المكون من «حركة النهضة»، و»المؤتمر من أجل الجمهورية»، والتي كان ثقلها الانتخابي يساوي 64٪ تقريباً من أصوات الناخبين التونسيين آنذاك، من الحفاظ على وحدة بلادهم وإبقاء التوازنات المعقّدة لاستقرار تونس، مما منع انهيارها وأوصلها إلى الانتخابات النيابية وصولاً إلى الانتخابات الرئاسية القادمة، ولكنّ السؤال الصعب الذي يواجه تونس اليوم هو:
هل يستطيع الحزب الفائز بالأغلبية النسبية (نداء تونس)، أن يحافظ بدوره على تلك التوازنات المعقّدة بين مؤسسات الدولة: الجيش والأمن والداخلية، وبين المؤسسات المدنية الفاعلة كالأحزاب والنقابات، أم أنه سينساق أمام ميل «الدولة العميقة» التونسية لاستعادة ماضيها الاستبدادي «التليد»؟
إشارة المرزوقي إلى «الدول التي تريد تقرير من يرأس تونس» تقرع جرس إنذار آخر إلى هذه الإمكانية، فليس سرّاً أن النظام العربيّ الاستبداديّ، تمكّن حتى الآن، من خلال آليات مالية وعسكرية كبيرة، وشراسة إعلامية غير مسبوقة، من إحراز نجاحات على أكثر من ساحة عربية، وخصوصاً في مصر وليبيا، كما أنه أثخن الثورة السورية بالجراح وأضعف جناحها المدنيّ والديمقراطي، وهو يرى في استمرار وإمكانيات نجاح الديمقراطية التونسية خطراً شديداً وسابقة يرغب في وأدها والتخلّص منها.
لقد قام بعض أركان الائتلاف، كما فعل عبد الفتاح مورو، أحد أبرز قيادات ومؤسسي «حركة النهضة»، بانتقاد مسارهم السياسي بعد الثورة، معتبراً أنهم ارتكبوا أخطاء، وأن عليهم أن يقوموا بمراجعة جدية لهذه الأخطاء، قائلاً إن أعضاء الائتلاف لم ينجزوا ما توقعه الشعب منهم، وكان منطقياً بالتالي أن ينحسر نفوذهم وأن يصعد منافسوهم وخصومهم، وهو منطق عقلاني بعيد عن المكابرة ويؤهل «النهضة» لتكون معارضة ديمقراطية حقيقية.
تجنّبت الثورة التونسية الانحدار نحو طريق التناحر الدمويّ وهذا إنجاز كبير يحسب خصوصاً لـ»الائتلاف» الذي حكم تونس في مرحلة مضطربة وشديدة التعقيد، ولكنّ مسؤولية الحفاظ على هذا التراث الديمقراطي المهم تقع الآن، بشكل رئيسي، على «نداء تونس» والأحزاب الأخرى المناصرة لها، لأن الميزان الآن قد مال باتجاههم.
أسوأ ما يمكن للتجربة التونسية أن تنساق إليه هو التفكير بإمكان القضاء المبرم على الطرف الآخر، وهو ما حصل في مصر وليبيا، غير أن النخبة التونسية أثبتت حتى الآن مصداقية وجدارة كبيرة تؤهلها لتعليم الآخرين دروس الديمقراطية.

رأي القدس