< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

عذاب الماء… قراءة في «جليد منتصف العمر» للمغربي محمد العناز

□ النهايات
لا توجد نهايات بل عتبات لنصوص محتملة وقراءات ممكنة. يكفي أن نقرأ خواتم القصائد لنستنتج أنها تنتهي بنهايات مفتوحة.. كما في قصيدة» جليد منتصف العمر»: (تصيرني عاشقا لملوحة الثلج)، وفي «راقصة الباليه» :(اقرأ ما تكتبه راقصة الباليه/عن فصول أخرى/غير هذي الفصول)، وفي «لوليتا»: (يتحلون بالصبر/أملا في رؤية خطوط النوارس..)، وفي «رسالة إلى القديسة»: (رميت بها في البحر/لا لأشفى منك) وفي «صحراء»: (في نهر لا يصب/ إلا في ذاكرتي)، وفي «جندي من الصحراء»: (ليولد من جديد)، وفي «عقارب الماء»: (لينزع ما تبقى من الألم الساكن/بين الجراح)، وفي «سرير العناية»: (يقتلني الشوق إلى النوم)، وفي»سرير الألم»: (دمي المخثر في عروقي/يعشق ندف الثلج/الهاربة من النسيان)، وفي «سرير الحياة»:(علني أحلق يوما/فوق حافة البوغاز..)، وفي «أكانة مراكش»: (لتورق من جديد/ وأمضي..)، وفي «وجه العزلة»: (استيقظ نهر المدينة، كلما انهار جدار، تفقست طيور) بالإضافة إلى «عيون زاكورة»: (فيكبر لي جناحان /أعبر بهما/صوب نسيم الروح). تؤشر على النهايات الوحدات المعجمية التالية: (الجليد والثلج والفصول والنوارس وعقارب الماء والجراح والبوغاز وتورق والبحر والنهر وتفقست وأعبر.). باستقراء أولي نستنتج أنها نهايات «مائية» تصريحا أو تلميحا وترميزا بشكل مأتمي جنائزي أو احتفالي احتفائي. إنها مرآة كاشفة عن فاعلية للموت بالتعذيب والنفي والخنق وعلامة على النقاء والطهر والفرح المقدس. فمن أين يأتي كل هذا العطش؟

□ العطش
احتضنت الصحراء الممتدة بشساعتها، وأشعلت فيه الرغبة في الامتداد والرحلة في الآفاق، وفي النفس؛ إذ لم يكن هناك بد من الصمت والإصغاء لحكمتها. سكون العزلة هذا، استدعى لديه ترجيعا للصدى بالتنغيم والترنم ونشدان الحلم. يحفر العطش وجوده عميقا في جسد الشاعر. عطش لا يرتوي إلا بماء الشعر للعيش في العالم بتوازن وتناغم بتحريك عقارب الزمن لتجاوز عقارب الصحراء المادية والرمزية:
العقارب التي لا تدور ترقص في صحراء الغياب /ص 47 عقارب الماء
العقارب التي تزف سمها وراء الصخور
خلف الظلال
بين الاوراق الميتة،
تتصيد فرائسها/ص 46 عقارب الماء
هكذا نراه يمتطي فرس امرئ القيس:
البارحة، شربت نخبك أيتها الشمس
وتوجت ملكا للخاسرين
بحثت عن معطفي
لأوقظ شهوة السفر ص 14
يبدو الشاعر مسكونا بفقدان فادح: المعطف بوصفه علامة للسكن الروحي، والعطف، والدفء، والاعتراف مثلما هو قناع للنبوءة والحكمة والشعر. إنه يخفي ديانات وأساطير وخرافات وبنيات ثقافية متعددة؛ ورمزيته الكثيفة بالدلالات تتقاطع عند مجاز السفر، والبحث عن الشبيه والنظير. لذلك يتلبس الشاعر في ديوانه بقناع الرحالة الضليل، والفارس والجندي والملاح.
أنا التائه في طريق الزجاج/ ص 15.
الصحراء الهائمة في التيه
تحلم بسطح بحر
يروي عطشها الممتد في الزمن /ص36 . قصيدة صحراء
بقدر ما تمثل الصحراء التيه الأبدي بقدر ما تجسد الطاقة المحفزة للذات من أجل تحقيق موضوعها: الماء بكل تشكلاته وامتداداته ومجازاته، وإيحاءاته الجنسية والوجودية. لذلك تحمل رحلة الصحراء دلالة الاغتراب، والبحث عن خلاص من جسد ذرته الزوابع، وشذرته الرمال، وتصقعت فيه المتعة، فاختار مجاز الزجاج طريقا بكل ما يعنيه من دلالة على فضاء السراب والوهم. وقد استعمل الشاعر لفظ «هائمة» في سياق التيه والاغتراب للإشارة إلى إيحاءات الهيام العشقي كمؤشر على بنية جنسية عشقية متشظية ..
نافذة الجسد المهشم
تئن..
تحلم بعيون الشمس الغائبة…
تحلم بيد سمراء..
تذوب جليد ذاكرتي..
تجمع بقاياي المنفلتة في بياض القطن../ص 16 «
يتجلى تشذير الجسد في تعدد صحارى الروح ولا منقذ منها إلا باليد السمراء التي تهب النسيم رقته وقوته الإحيائية والإيحائية:
كم من صحراء تسكنني
وحينما يعبرني نسيمك
تنهار الزوابع/ ص42 «جندي من الصحراء»
يتجدد نداء النسيم في:
وأنا في اول الطريق،
أحدق في الأصيل
فيكبر لي جناحان
أعبر بهما
صوب نسيم الروح /ص 66. «عيون زاكورة»:
للنسيم طبيعة «سماوية» قدسية، لكنه في سياق النص يؤشر إلى ماء الحياة؛ إذ يضاعف من رمزية عيون الشمس واليد السمراء والمعطف والبحر. فكلها إبدالات لحالات نفسية، ومقامات يفترضها السياق، وتخيلات يستدعيها الأسلوب الشعري لتشكيل لوحة فنية واحدة متسامية. يقترح الشعر هنا النسيم باعتباره صورة للنفخ في كون الشاعر لخلقه من جديد، واكتشاف ما ينقص الجسد ويمنحه الكمال.. ورغم ما في لفظ «نسيم» من تورية يكشفها النص الشاهد الموازي/العميق: «إلى القديسة نسيمة الراوي» فإن الديوان يتماهى فيه موضوع المرأة والشعر ليندمجا في وحدة وجودية هي سر كينونة الشاعر، يتعذر الفصل بينهما؛ فبها يذاب جليد العمر، وبها يرتقي نحو مدارج الجمال والجلال والكمال. فمن الصحراء إلى البحر يعرض علينا الشاعر نفسه باعتباره رحَّالة مكابدا ومغامرا، لا يكتفي بإبصار الكائنات؛ بل استبصارها في/بحركة جمالية وصورة متخيلة منفتحة على مجازات العالم، ولعل البحر من أشهى المغامرات التي توقظ في الشعراء أمواج الحياة، والأحلام السرية والبطولات الفتية.
في قصيدة «لوليتا» يتنكر الشاعر خلف قناع «سنتياغو» لركوب البر والبحر، قناع مزدوج للسفر يحيل إلى بطل رواية «الخيميائي» لكويلو، ورواية همنغواي «العجوز والبحر» أيضا؛ فالأول يغامر في الصحراء والثاني في البحر، وكلاهما يختزلان إرادة تحقيق الحلم، واستوائه كائنا حرا سعيدا، والعناز هو ذاك الإنسان الحر الذي سيظل يحب البحر دائما حاملا كثيرا من مراراته وملوحته وجليده.. آلام لم تسلم منها الأشياء ولا الأمكنة: المنارة المهترئة بملح الليكسوس- السفن المسكونة بفوبيا الميناء – الأرصفة الملوثة- ولوليتا ليس مجرد اسم امرأة مشتهاة أو سفينة منتظرة. إنها أيضا ما تعكسه مرآة الماء من صور لشقاء البشر:
لم تعد لوليتا
منذ أكثر من يومين..
زوجات البحارة،
الشرطي السمين،
مدمنو الكحول
المعتادون على
هبات «سانتياغو»
يتحلون بالصبر
املا في رؤية خطوط النوارس ..ص 23 . «لوليتا»
ليس البحر إذن مرآة لذات الشاعر الفردية التي أنهكها جليد السفينة فحسب، ولا مجرد صورة للذين لسعتهم اليابسة وأنظمتها الاجتماعية القهرية فقط، بل هو الإله المخلص من عذابات الوجود، وعذابات الماء اللانهائية -2- وكم هي لانهائية مجازاته وإيحاءاته.
لاشك ان الشاعر تملكه قلق في الانتقال من الثبات إلى الحركة، من خلال الرحلة من سكون الصحراء إلى اضطراب الأمواج، ومن جليد الروح الى نسيم الحياة.. إيقاع القلق استدعى لديه توظيف بناء أسلوبي ينطلق من الوصف لينفتح على السرد.. باستقراء عام للديوان نستخلص أن كل عتبات قصائده – باستثناء سرير الحياة – تبتدئ تركيبيا بجملة اسمية (مبتدأ + خبر) بما يمنح الوصف اعتبارا أوليا .. لكن التركيب ينزاح الى السرد بجعل الخبر فعلا أو جملة فعلية مثل:
-الجدران .. تبحث/الوصول.. يزرع /المنارة… توقظ /الجندي.. يضغط/
هذا لا يعني وجود جدار بين السرد والوصف، بل باندماجهما في رؤية جمالية تستثمر الحكي لتعيد الشعر إلى نبعه البدائي، وبعثه كأسطورة حداثية تعري تيه الإنسان واغترابه بل وتشذيره.. لذلك يحتفي الديوان بكثير من البياض – التركيبي والدلالي- هو ذاته جسد الشاعر المسكوت عنه:
جسدي المكفن بالبياض..
يحلم بزخة ماء باردة / ص53. «سرير الألم»
مهما ادعت القراءات قبضها على كينونة الشاعر تبقى دائما هناك في أقاصي الجسد.. زاوية معتمة بالبياض..
رأيت فِيَّ ما لم يره غيري / ص 75. وجه العزلة
*ناقد مغربي

جمال الفزازي*