< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

أسوأ أنواع الإجرام ضد المرأة

تتلازم مناهضة العنف ضد النساء تلازماً وثيقاً مع مناهضة الاستبداد السياسي، وكان إطلاق حملة لمناهضة العنف الإسرائيلي ليتصادف ذلك مع اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة فكرة موفقة من وزارة شؤون المرأة في قطاع غزة، وهو أمر فعله أيضا «التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الإنقلاب»، في مصر أيضا، بدعوته لحراك سلميّ في اليوم نفسه.
ولعلّ عودة تاريخية إلى أسباب تخصيص الأمم المتحدة هذا اليوم تكشف هذا التلازم المهم، فهو يرتبط بحادثة وقعت في جمهورية الدومينيكان واغتيل فيها ثلاث شقيقات في ذاك اليوم بأمر من الدكتاتور رافاييل تروخيلو الذي كان يفرض هيمنة مطلقة على البلد ويدير سلطة عسكرية أمنية.
حاول تروخيلو التحرش جنسيا بإحدى هؤلاء الشقيقات (مينيرفا ميرابال) فرفضته بشكل مهين (ويقال إنها صفعته) وكان ذلك أحد الدوافع لتشكيلها، وهي المحامية، حركة معارضة للنظام، فتعرضت الفتيات وعائلتهن للاعتقال والتعذيب ثم قتلن بطريقة وحشية بعد الإفراج عنهن، وكان الاغتيال البشع الضربة التي قضت على نظام تروخيلو فتم اغتياله بدوره بعد ستة أشهر وانهار نظامه البوليسي.
يدشّن يوم مناهضة العنف ضد المرأة الذي أعلنته الأمم المتحدة عام 1999، يوماً من الحراك العالمي لتختتم بيوم 16 كانون الأول/ديسمبر الذي يصادف اليوم العالمي لحقوق الإنسان، ويؤشر بذلك إلى تضأمن آخر بين حقوق الإنسان كجماعة بشرية مع حقوق المرأة، وهي حقوق تتكامل، وتعيدنا مرّة جديدة إلى القضايا التي تنتهك حريات البشر عموماً، وفي مقدمّتها، في بلداننا العربية، الاحتلال الإسرائيلي والدكتاتوريات، مضافاً إليها، الأحزاب الطائفية المسلّحة، التي صارت، أقوى أسلحة أنظمة الطغيان العربية والإقليمية لمحاربة النهوض الديمقراطي والمدني العربي.
لقد اعتادت أغلب الأنظمة والحركات السياسية العربية على تلميع صورة مزيّفة عن المرأة، غير أن بعضها الآخر حافظت وبثبات على نهج عام مناهض للمرأة وقائم على تشييئها وتسليعها وتكريس التقاليد التي تحطّ من شأنها وتهينها وهي تقاليد ليست فقط لا تتناسب مع كل ما يجري في العالم، بل هي أيضاً تقاليد لا تتناسب مع الماضي الذي تدّعي بعض الأنظمة الانتساب إليه، بما فيه الماضي الذي عاشته النساء العربيات أيام الرسول محمّد وخلفائه الراشدين، وتمّ لاحقاً تهميشه أو اختزاله وتقليص المعنى الإنسانيّ العميق فيه.
إن حوادث من قبيل رجم طفلة صومالية تبلغ من العمر 13 عاماً، بتهمة ارتكاب الزنا، رغم أنها تعرّضت للاغتصاب وحاولت الإبلاغ عنه، بينما تم تجاهل المتهمين باغتصابها، مثال واحد من عشرات آلاف الأمثلة عن الجاهلية الكبرى التي يعيشها بعض المسلمين مدّعين أنهم ينفذون تعاليم الإسلام، وهو أمر لا يؤدي إلى إخراج هؤلاء عن إسلامهم المفترض فحسب، بل يضع سداً منيعاً بينهم وبين الإنسانية ككل، ويؤسس لمزيد من البشاعات بينها نزعة العداء للمسلمين والإسلام في العالم، فتؤجج بدورها نزعات التطرّف لدى الطرفين وتدفع العالم نحو كوارث لا نهاية لها.
إضافة إلى الجهل والتطرّف الفكري، يتلازم اضطهاد النساء أيضاً مع الفقر، فـ 70٪ من فقراء العالم هم من النساء، وهو أحد الأسباب لتعريض النساء للعنف، ولمنعهن من الدراسة، ويقفل بذلك آفاق المستقبل أمامهن.
تتحمّل الإنسانية كلّها، مسؤولية كبرى في قضية العنف ضد المرأة، ولا يمكن إنكار أن الكثير من النساء يؤمنّ بدورهن بأفكار وأيديولوجيات تبخس من حقوقهن وتسيء لجنسهن، ولكنّ ذلك لا يجب أن يغفل مسؤولية الرجل الكبرى ليس في القيام بالعنف فحسب بل بتبريره تحت أطر دينية أو أيديولوجية، فهذا التبرير يجعل من الإجرام ممارسة لحق مقدّس، وهو أسوأ أنواع الإجرام.
إذا جمعنا القضية في بؤرة واحدة فستعيدنا مجدداً إلى دور الأنظمة الدكتاتورية في تكريس علاقات الاستبداد الكبرى بين الحكام والمحكومين، وبين النساء والرجال أيضا.
أقلّ ما نستطيع فعله، في يوم مناهضة العنف ضد المرأة، أن نتوقف للتفكير قليلاً واستذكار المسيرة الكبرى التي قطعتها النساء عبر العصور لتمدين البشرية وجعلها أكثر جمالاً ورقة واحتراماً للإنسان.

رأي القدس