< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

«قط» المصري إبراهيم البطوط الذي اغتالته صناديق دعم الأفلام

القاهرة ـ «القدس العربي»: المخرج إبراهيم البطوط يعد واحد من أهم وأبرز مخرجي تيار السينما الحرة أو البديلة في مصر، وهو المخرج الذي أثار فيلمه «عين شمس» صدمة لجهاز الرقابة على المصنفات الفنية، حيث فتح الباب لتجارب أخرى لاحقة لم يستطع ان يستوعب تشكلها سريعاً الجمهور الذي مازال يفضل الأفلام الاستهلاكية.
وقف إبراهيم مع أبناء جيله في وجه جهاز الرقابة لسنوات، للحصول على حق عرض فيلمه «عين شمس» في دور العرض، لكنه لم يستطع التغلب على القوانين البيروقراطية وعرض فيلمه بهوية مغربية، رغم أنه فيلم مصري خالص، وكانت أزمة التمويل واحدة من أكبر الأزمات التي تقف عائقاً في وجه صناع الأفلام المستقلة، قبل أن تفتح صناديق دعم الأفلام في أوروبا ودول الخليج أبوابها امام هذا التيار، ومع ذلك تغلب عليها المخرجون بصنع أفلام قليلة التكلفة وبالتعاون في ما بينهم، حيث يستعين المخرج باصدقائه من كتاب السيناريو او المصورين والوجوه الجديدة، ويدعم كل منهم الآخر لإنجاز فيلمه، وعادة كانوا يصورون في الأماكن الحقيقية ليس فقط لتوفير النفقات، ولكن لإضفاء روح الواقعية الخالصة التي ارتبطت بمفهوم الفيلم المستقل.
كانت بعض المشاريع تنبئ بمولد جيل جديد من المخرجين، لكن على الأغلب الذي أبهرنا هو مولد هذا التيار الموازي لتيار السينما التجارية، الذي بلغ وقتها أشد مراحل انحداره، ومع التجارب الأول للأفلام قليلة التكلفة لم يهتم المخرجون بالتفاصيل قدر اهتمامهم بالمضمون وطريقة العرض، وبعد أعمال متتالية تغيرت فيها كثيراً لغة الخطاب السينمائي للمخرج إبراهيم البطوط، جاء التغيير ربما بعد فتح أفاق جديدة لدعم هذه الصناعة وتوافر بعض الفرص أمام المخرجين للحصول على دعم من صناديق المنح، وأصبحت الأفلام المستقلة تتاح لها الفرصة لتصنع بشكل احترافي أفضل، لكن ما حدث هو العكس وربما كان سر تميز هذه النوعية هو العمل الجماعي الذي اختفى تدريجياً مع توافر الإمكانيات المادية.
ماذا لو قدم المخرج إبراهيم البطوط فيلم «القط» بميزانية فيلم «عين شمس»؟
إذا عقدنا مقارنة بين الفيلمين للمخرج نفسه، نجد أن الموضوعين يتقاربان في اهتمامهما بالقضايا الإنسانية، لكن اختلفت طبيعة عرضهم، في فيلم «عين شمس» قدم إبراهيم قصة طفلة مصابة بالسرطان ويشير إلى الأسباب التي تصيب مئات الأطفال والكبار بهذا المرض، وكيف تورط المجتمع في إهدار كرامة الإنسان، على قدر بساطة الصورة التي قدمها البطوط في هذا الفيلم، يأتي عمق البعد الإنساني في اختيار نموذج الطفلة شمس وما نسجه حولها من قصص واقعية متعددة للمشاكل النفسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحول بين نجاة شمس من هذا المرض.
إبراهيم البطوط مخرج مهموم دائماً بقضايا وطنه خاصة القضايا الإنسانية، وعاد في فيلمه الجديد القط ليفتح ملف تجارة الأعضاء وظاهرة خطف الأطفال خاصة أطفال الشوارع التي انتشرت في مصر موخراً، رغم ثراء الموضوع وأهميته ضاع بين التفاصيل الكثيرة والاستعراض المتباهي للصورة الذي يعكس مدى توافر الدعم المادي لإنتاج الفيلم.
«القط» وهو الاسم الحركي للبلطجي الذي يقوم بدوره الفنان عمرو واكد، الذي يحاول القضاء على عصابة تخطف الأطفال وتتاجر بأعضائهم، بالإضافة إلى بيع القاصرات وتزويجهن من رجال كبار في العمر، وتظهر الأحداث تدريجياً أن ابنة هذا البلطجي تعرضت للخطف من قبل، لذلك يقتل احد اعضاء هذه المنظمة ويحرر الأطفال من بين يديه، على الجانب الآخر يتحالف مع تاجر آخر يبدو أكثر سطوة ويقوم بدوره الفنان فاروق الفيشاوي، الذي يستخدمه لإزاحة منافسة في تجارة الأطفال وبالفعل يقتله واكد، فلا ندري عمن يدافع ولا في أي جهة يقف ولا ضد من يتحالف، ترك السيناريو الأحداث غير مكتملة في معظم المشاهد، السيناريو المهلهل والمبعثرة أحداثه منح المشاهد مساحة للسخرية من الفيلم، ونضيف عليها لغة عمرو واكد التي لا تتماشى مع لغة الشخصية، أثارت المصطلحات البذيئة التي تطلقها الشخصيات الأخرى فقط لتؤكد على تدني مستواها الاجتماعي والثقافي، إشارة إلى هدم للقضية التي ضاعت على اي حال بعد المشهد الثاني للفيلم بين لغة واكد الارستقراطية وبين استعراض المخرج لقدراته على إبهار الجمهور بمشهد تفجير منزل واكد، الذي لا يستدعي أي ضرورة درامية سوى الإعلان عن توافر ميزانية كبيرة رصدت لانتاج الفيلم.
استخدم الفيلم اكثر من أسلوب فني، في البداية وظف المخرج الأسلوب الواقعي وهو الاكثر اقترابا من موضوع الفيلم، وصور مشاهده في وسط شوارع القاهرة وبين الجبال التي تحوي عددا كبيرا من سكان الطبقة الفقيرة، خاصة في المشهد الذي امتد لأكثر من 3 دقائق تقريباً تصاحب فيه الكاميرا خطوات عمرو واكد من قلب المدينة وصولاً إلى بيته أعلى الجبل، لكن سرعان ما انفصل الفيلم عن الإغراق في الواقعية وانتقل إلى استخدام الرمزية، مع ظهور شخصية الفنان فاروق الفيشاوي تاجر الآثار والأعضاء الذي نراه يتجول بحريه داخل المعابد الفرعونية وداخل المعبد اليهودي ثم داخل الكنيسة القبطية، ثم داخل أحد الجوامع، حيث تخفي الأحداث هويته ويستدل عليها المشاهد من الإيحاءات البصرية، لكن المخرج لم يتمكن من المزج بين الأسلوبين الواقعي والرمزي، وابتعد بالمشاهد عن التركيز في الحدث الرئيسي الذي اغتاله بسهولة تفكك السيناريو.
رغم أن رصيد المخرج ابراهيم البطوط من الأفلام الطويلة يتزايد كل عام بداية من فيلم «ايثاكي» ثم فيلم «عين شمس» مروراً بفيلم «حاوي» ثم «الشتا اللي فات»، وانتهاء بفيلمه «القط»، لكن يظل فيلم «عين شمس» نموذجه الأنضج شكلاً ومضموناً، والأكثر معايشة لروح العمل الجماعي ولمفهوم السينما الحرة أو البديلة.

رانيا يوسف