< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

تونس التي اختارت أن لا تختار

واقعة طريفة حصلت زمن الرئيس المخلوع بن علي، وتحولت بمرور الأيام الى نكتة من نكات كثيرة تندر بها التونسيون في مواسم الكرنفالات الانتخابية الصورية التي عاصروها، وظل النظام حريصا على تنظيمها والترويج لها حتى آخر رمق من عمره. واقعة «الكوميديا السوداء» تمثلت في ان عجوزا حضرت يوم الانتخاب الى مكتب اقتراع لتعود اليه بعد دقائق وتخبر المشرفين بأنها ارتكبت خطأ غير مقصود، ربما بفعل ضعف بصرها أو لكبرها في السن، فلم تضع لسوء الحظ وحظ الحكومة، وكما نصحها المسؤولون المحليون بذلك تلك الورقة «الحمراء» الموعودة، وهي رمز الحزب الحاكم داخل الصندوق. العجوز عادت تطلب تصحيح ما اعتبرته خطأ عفويا حصل عن حسن نية وبلا تخطيط او تآمر مسبق، بل لمجرد تشابه في الألوان والأوراق. أما المشرفون فكان جوابهم يومها ضافيا وشافيا وفريدا من نوعه، اذ قيل لها وبالمختصر المفيد «لا داعي للقلق فنحن سنقوم بإصلاح خطئك العفوي عند فتح الصناديق، بعد غلق باب الاقتراع، وسنصلح معه ايضا بالمرة كل الأخطاء الاخرى التي ارتكبها غيرك من المقترعين».
لا أحد يعرف إن كانت العجوز قد رجعت الان بعد كل تلك السنوات الى مكاتب الاقتراع وصوتت الأحد الماضي لواحد من بين سبعة وعشرين مرشحا رئاسيا ظهرت اسماؤهم وصورهم على اوراق الاقتراع، لكن الامر المؤكد هو ان «المصححين» السابقين الذين كانوا يتكفلون في الماضي بمعالجة «الأخطاء» الانتخابية الشائعة والعفوية، مثل خطأ العجوز قد غابوا الان وتواروا عن الانظار، وربما ارسلوا للقيام بمهام وواجبات أخرى، ليحل مكانهم جيل آخر من «الموجهين» الذين صارت مهامهم تقتصر بالأساس على دفع الناخبين من وراء حجب الإعلام والشبكات الافتراضية، وعن سابق قصد وتخطيط نحو السقوط الذاتي والتلقائي في «الأخطاء». النتيجة في كلتا الحالتين هي ان الانتخابات لم تخرج بعد في تونس من دائرة الخطايا، ففي ظل الاستبداد كانت المنظومة تشتغل من أجل «إصلاح» ما كانت تعتبره اخطاء، أما في زمن الديمقراطية، فصارت هي من تصنع الأخطاء، ثم تقود الجماهير الى الوقوع في شراكها تحت وهم ممارسة الحق في الاختيار.
تلك الحرية لا مناص لها من أن تنطلق بفتح الباب الموصد للمنافسة على مصراعيه. غير ان الاقتصار على تلك الخطوة فقط يجعل الانطلاق عرضة للنكوص السريع والمفاجئ، في حال ما إذا بقيت النصوص جامدة على الرفوف ولم تنزل الى الأرض، أي لم تتحول من عملية تقنية وشكلية، لا أثر لها على نفوس الناس وسلوك الحكام وأصحاب السلطة، إلى ممارسة طبيعية تحظى بالقبول الرسمي والشعبي معا. حصل ذلك الارتداد والنكوص في تونس مع أول انتخابات تعددية في تاريخ البلد، وهي الانتخابات البرلمانية التي جرت في تشرين الأول/ اكتوبر1981 على عهد الرئيس الراحل بورقيبة وشاركت فيها المعارضة للمرة الأولى بعد سنوات طويلة من هيمنة الحزب الواحد.
ما جرى في تلك الانتخابات لخصه الاستاذ احمد المستيري «أبو الديمقراطية التونسية» كما يوصف، الذي كان في ذلك الوقت زعيما لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، في فقرة من كتابه «شهادة للتاريخ» بالقول، «واخيرا بدأت عملية الاقتراع في جو متوتر تجند لها كل اعوان النظام من كل المستويات، وتنوعت وتعددت عمليات التزييف بالطرق المألوفة وبلا «حشمة»، بمشاهدة مبعوثي الصحف الأجنبية.. واقبل الناخبون والناخبات بكثرة على مكاتب التصويت بنسبة لم تعرفها تونس من قبل، ووضعوا «الورقة الخضراء»، أي ورقة الحركة في الصناديق. وتعرض المراقبون الممثلون للمترشحين الى شتى انواع الضغط واحيانا الطرد حتى يتخلوا عن مهمتهم، مما دعانا في منتصف النهار من يوم الاقتراع الى المبادرة بسحب مراقبينا، وذلك بالاتفاق مع الحزب الشيوعي وحزب الوحدة الشعبية. وتمت عملية «الفرز» الحقيقية في مراكز البلديات والعمد والمعتمديات والولايات والشعب الدستورية وأفرغت الصناديق من الأوراق الخضراء وعمرت بالأوراق الحمراء.. ولم يعلن عن النتيجة الا بعد يومين، وفازت قوائم «الجبهة القومية» بزعامة الحزب الدستوري بمشاركة «اتحاد الشغل» بكل المقاعد…).
ما تحدث عنه المستيري حول انتخابات الثمانينات هو نسخة طبق الأصل لما عاشته تونس طوال عهد بن علي، مع فوارق بسيطة في طرق التزوير وأساليب اقصاء المنافسين، وايضا بالخصوص وهذا ما برع فيه النظام في سنواته الأخيرة، صناعة منافسين وهميين من ورق، والزج بهم في سباق شكلي وصوري لمجرد الإيهام بأنه لا خوف من تقدم أحد من المعارضين، مادام هو ممسكا بكل الخيوط ومتفوقا على الجميع بالصندوق او بدونه. الانطباع الذي حاول الاستبداد ان يجعله راسخا ومحفورا في اذهان التونسيين هنا هو، ان المعارضة الديمقراطية مهزوزة وضعيفة، لا حول لها ولا قوة، وانها مثل المعارضة «الكرتونية» الرسمية التي صنعها وفقا لأهوائه وعلى المقاس، لا تستطيع حتى تنظيم اجتماع شعبي صغير او النزول الى الشوارع، أو مجرد الظهور على شاشات التلفزيون، لكن النتائج جاءت عكسية تماما وعلى غير المتوقع، فقد دفعت تلك السريالية العجيبة التي صار عليها المشهد السياسي المحلي قسما واسعا من الجمهور، وفي وقت متأخر نسبيا، لاكتشاف عمق الهوة السحيقة التي تفصل بلدهم عن باقي البلدان التي يتنفس مواطنوها هواء الحرية المحظور، من خلال المساحات القليلة المفتوحة على شبكة الانترنت والخارجة عن سيطرة الرقابة، لكن كل ذلك لم يصنع بالمقابل بنظرهم ابطالا او شخصيات معارضة قوية قادرة على أن تكون بديلا شعبيا جاهزا لقيادة المرحلة الأشد صعوبة، وهي مرحلة الانتقال نحو الديمقراطية بعد هروب بن علي. فالعقود الطويلة من التجهيل المتعمد والتفقير الفكري والروحي، انتجت شعبا مضطرب المدارك عاجزا عن التمييز، فضلا عن القدرة على الاختيار الحر والمباشر، بدون الحاجة لمرشدين وموجهين او وكلاء للتحدث باسمه او تقرير مصيره بدلا عنه. وعند اول اختبار في اول انتخابات حقيقية جرت في اكتوبر 2011 لم يكن مفاجأ التصويت بكثافة للإسلاميين، لكن نسبة الاصوات وطبيعة النظام الانتخابي الجديد لم تسمح لهؤلاء بترجيح الكفة بشكل تام ونهائي، وهو ما دفعهم الى تشكيل ائتلاف حكومي ثلاثي ضم، لحسن حظهم وحظ البلد ايضا، حزبين صغيرين يحسبان على المعارضة الديمقراطية العلمانية لنظام بن علي. لكن الاصوات تعالت فور الولادة القيصرية للترويكا الجديدة، بان ذلك الائتلاف مخالف لسنن الكون، وان الاسلاميين والديمقراطيين، كما قال قائد السبسي، واصفا حزبه وحركة النهضة «خطان مستقيمان لا يلتقيان». شهرا واحدا فقط بعد اعلان النتائج صدمت اذاعة تونسية خاصة مستمعيها بتصريح وجه يساري معروف يعيش في باريس قال فيه بان «الشعب التونسي غبي لانه انتخب حركة النهضة». لم يتوقف الامر عند حد التصريحات والتصريحات المضادة، بل استيقظ الأخطبوط الإداري والمالي والإعلامي من سبات شتوي قصير، لتشرع أذرعه الطويلة على الفور في حرب نفسية مفتوحة وكاسحة، تعتمد أسلحة التزييف الشامل، بدءا بتسريب الشائعات وانتهاء بالخلط الموجه للتعليقات بالاخبار على مواقع التواصل الاجتماعي وقنوات التلفزيون والصحف والاذاعات وباقي وسائل الاتصال الاخرى. أما الهدف فكان واضحا منذ الشهور الأولى، وهو بعث رسائل قصيرة ومختصرة للتونسيين تعلمهم فيها بانهم اساؤوا الاختيار، وان النتيجة الاولى والوحيدة لتصويتهم في اكتوبر2011، هي ان البلد يوشك على السقوط في الانهيار الاقتصادي المريع والمدمر، والتفكك الاجتماعي والسياسي، وانه آن الاوان لانقاذه. قبل شهر من الان اي في انتخابات اكتوبر الماضي كانت الثمرة في نظر زارعيها على وشك النضوج وجاهزة للقطف. «فمن لم يصوت لنداء تونس فقد صوت للنهضة»، قالها الباجي قائد السبسي مختتما حملته الانتخابية وملخصا افقها ومداها، بعد ان تكفلت آلة الإعلام «الهوليوودية» بتصوير النهضة شرا مطلقا وحزب الباجي خيرا محضا خالصا. لكن الحسم تأجل رغم الاكتساح النسبي لحزب النداء، فقد بقيت حركة النهضة رقما صعبا ومهما «لا يتقرر شيء في البلد بدونها» كما قال الشيخ راشد الغنوشي، وصوبت الأنظار بالمقابل نحو آخر قلاع الترويكا، أي قصر قرطاج. فقد ازيحت النهضة عن الصف الاول في التشريعية وصار مطلوبا الان كرسي رئاسة يتربع عليه حليفها الدكتور المرزوقي. الاشارة ذاتها انطلقت هذه المرة من تصريح مدير الحملة الرئاسية للباجي قائد السبسي، في احدى الاذاعات الخاصة ساعات قبل الاقتراع «المنصف المرزوقي زلة تاريخ والتونسيون سيصححون تلك الزلة سريعا في الانتخابات الرئاسية»، لكن الزلة لم تصحح لسوء حظ الاستاذ محسن مرزوق، وقد لا تصحح ايضا حتى في الدور الثاني من الانتخابات، الا في صورة الاستنجاد مجددا بالمصححين القدامى لزلات العجوز وأخطائها في تلك الكوميديا السوداء لانتخابات بن علي. أما هل يحصل ذلك فعلا بعد كل تلك السنوات أم لا؟ فالواضح ان التونسيين لم يحسموا كالعادة امرهم بعد، وقد يكون قرارهم بعدم الاختيار جوابا مبهما وغامضاعلى سؤال حائر ومعلق بين سماء الديمقراطية وأرض الاستبداد، او بين زمن مضى وآخر يلوح على الطريق.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية