< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

تونس: ظلّ بورقيبة الطويل

استخلص مراقبو الشأن التونسي العديد من الدروس، السياسية والاجتماعية والحزبية، بل والاقتراعية التقنية الصرفة، من الانتخابات التشريعية والدور الأول للانتخابات الرئاسية التي شهدها هذا البلد خلال الأسابيع القليلة المنصرمة. وتلك، يصحّ القول دون كبير حذر، دروس تنبثق في معظمها من باطن الواقع التونسي المحلي؛ وليس من الصائب تعميمها، استطراداً وبصفة آلية، على التجارب الانتخابية الأخرى التي أفرزتها انتفاضات العرب؛ وهي تجارب تظلّ قليلة، وشائكة متضاربة النتائج، في كل حال.
ولعلّ أبرز هذه الدروس هو ذاك الذي يرسم خريطة اصطفاف الفئات الاجتماعية، والكتل الجهوية، والقوى السياسية، والائتلافات الحزبية؛ سواء في ضوء الانتخابات التشريعية والرئاسيات الأولى، أم في استبطان الاصطفافات القادمة من حول المرشحين المتنافسين في الدور الثاني، الباجي قائد السبسي والمنصف المرزوقي. ذلك لأنّ هذه الخريطة تبدو أكثر تشابكاً، وتمازجاً وتنافراً، من أن تفصح عن خلاصات ملموسة ومتوقعة، لجهة أحجام احتياطي الأصوات لدى الفريقين، ومدى انطباق التقديرات الحسابية المبدئية على نوايا الناخب حين ينفرد بضميره أمام صندوق الاقتراع، ودرجة التزام الناخبين المتحزبين بما ستصدره قيادات أحزابهم من توجيهات، علنية كانت أم سرّية.
درس ثانٍ، على ارتباط وثيق بالأوّل، وفّرته أيضاً نتائج الانتخابات التشريعية، حول حيرة المواطن التونسي بين ائتلافين، وليس مجرد برنامجين ومرشحين اثنين فقط: الأول، السبسي، يزعم الديمقراطية الليبرالية، واستئناف البورقيبية، ويستثمر فزّاعة الهيمنة الإسلامية على مقدّرات البلاد؛ ولكنه يضمّ في صفوفه بعض رجالات العهد البائد، بل كان السبسي نفسه أحد الشهود على، والمشاركين في، قمع حراكات سياسية ونقابية وشخصيات وطنية معارضة (صالح بن يوسف، في المثال الأشهر ربما). والثاني، المرزوقي، يزعم الديمقراطية الاجتماعية، وتحرير تونس من الاستبداد في عناصره الإجمالية المتكاملة، مستذكراً أنّ السبسي كان، على شاكلة زين العابدين بن علي، وليد الإرث البورقيبي؛ ولكنه، أي هذا المرشح الثاني، يبدو رجل «النهضة» والإسلاميين، قبل أن يكون ممثل حزبه وأفكاره وتاريخه الشخصي في صفّ المعارضة.
ضمن هذه الحيرة العريضة، وعلى سبيل استخلاص درس ثالث، تبدو مجموعات اليسار التونسي في حال لا تُحسد عليها البتة؛ على مستوى أوّل يخصّ نتائجها الهزيلة، رغم أنّ مرشح «الجبهة الشعبية» حلّ في المركز الثالث؛ وعلى مستوى ثانٍ يخصّ تخبّط قياداتها قبل قواعدها، في اختيار التصويت للسبسي أم للمرزوقي، أثناء الدور الثاني. والحال أنّ هذه الحيرة ليست نابعة من اعتبارات إيديولوجية، أو حتى برنامجية صرفة، فقط؛ بل تستند، أيضاً، على اعتبارات اجتماعية وطبقية، وأخرى جهوية ومناطقية. فاليسار الذي يطمح إلى تمثيل مطالب الفئات الفقيرة والكادحة، في تونس الجنوب خصوصاً؛ يصعب أن يسير في ركاب السبسي، الليبرالي، والأرستقراطي، المدعوم عموماً من تونس الساحل؛ ويصعب كذلك، في المقابل، أن ينقلب على قراره العلني بعدم التصويت للمرزوقي.
الثابت، في درس رابع، هو أنّ هذا المشهد الانتخابي المعقد يظلّ متطابقاً، إلى درجة كبيرة، مع حصيلة المكوّنات الطبقية والسياسية والاقتصادية والحزبية، وربما الجغرافية والتاريخية أيضاً، التي ينهض عليها الاجتماع التونسي الراهن؛ والذي لا يصحّ تدوين عمره اعتباراً من سقوط نظام بن علي، بل بالرجوع إلى عقود كثيرة سابقة تسيدتها البورقيبية، بما أفرزت وأفرخت، وبما تفرز اليوم أيضاً، وتفرخ. وبهذا المعنى فإنّ تونس رابحة، في كلّ حال، ليس لأنّ الرئاسيات، مثل التشريعيات، خطوة إلى الأمام، فحسب؛ بل كذلك لأنها ليست خطوتين إلى الوراء. أو ليس بعد، على أقلّ تقدير.

صبحي حديدي