< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

سعد محمد رحيم: خلاصنا ـ نحن العراقيين ـ في ابتكار مشروع تنويري حضاري للنخب الثقافية

بغداد ـ «القدس العربي»: كان لحصول الرواية الأولى للكاتب العراقي سعد محمد رحيم «غسق الكراكي» عام 2000 على جائزة الدولة في الإبداع الروائي، أثر كبير على تغيير مسيرته الأدبية والفكرية، فقد أثبتت هذه الجائزة له بأنه روائي متفرد، فضلاً عن كونه قاصاً أصدر أكثر من خمس مجموعات قصصية، منذ عام 1993 «ظل التوت الأحمر» وحتى عام 2009 «زهر اللوز»، فأصدر بعد ذلك أكثر من عمل روائي، منها «ترنيمة امرأة.. شفق البحر» في عمان. لكن رحيم يؤكد أن الأوضاع التي يعيش فيها العراق لم تتركه يفكر بالسرد فقط، بل حاول الخوض في مجالات مختلفة، فأصدر كتابه الباحث في اقتصاديات الماركسية بعنوان «استعادة ماركس»، ومن ثمَّ كتابه «أنطقة المحرم» وهو بحث في العلاقة بين المثقف والسلطة.
رحيم، على الرغم من اختصاصه العلمي في دراسة الاقتصاد، لا يريد الابتعاد دائماً عن فنه، الذي يؤكد أن له حضوراً سحرياً في العقل العراقي، وهو فن السرد، فأصدر مؤخراً كتابه الجديد «سحر السرد»، وهو بحوث في الرواية والسيرة والسيرة الذاتية والأدب ما بعد الكولونيالي.
■ كيف نفهم علاقة التمدن بالسرد، فقد أكدت في كتابك «سحر السرد» أن نسق السرد كسر حياة الإنسان البدائية؟ وما الذي أحدثه هذا الفن على صعيد إعادة توازن الإنسان؟
□ لم يكن للإنسان أن يتمدن من غير امتلاك القدرة على السرد.. فن السرد هو الخطوة الأولى نحو تنظيم أشكال الحياة وعلاقاتها، لا لأن الخيال الذي هو أحد أهم مقومات السرد ونسغه سيعين في إدراك الإنسان لموقعه في العالم وبين الآخرين فقط، وإنما لأن الواقع هو تيار سردي عظيم لابد من استيعابه وتمثّله، ومن ثم تنظيمه.. التنظيم هو شرط التمدين.. وسردية الحياة المدنية اليوم مؤشر على رقي الإنسان وعياً ومنجزاً حضارياً.. فيما اختناقات تلك الحياة وتناقضاتها ووجهها المأساوي هي المحرِّض، أو هكذا يجب أن تكون، لإعادة إنتاج شكل الحياة بوساطة الفن.. وعلى جعل السرد وسيلة فنية تنتصر للخير والحق والجمال في مواجهة الشر والظلم والقبح. هنا أتحدث عن بناء ثقافي متكامل، وليس عن القصة والرواية فقط.
السرد هو حيلة الوعي للإمساك بتلابيب العالم. وترويض ما هو وحشي فينا، وأنسنة جواهرنا وعلاقاتنا وفعلنا وأمكنتنا وأشيائنا..
■ ما الذي على الكاتب فعله لكي يكون سارداً لا حكَّاءً؟ وما الآليات التي يمكنه اتباعها لكي يخرج من الحكاية إلى فن السرد؟
□ حين نقول السرد والحكاية فإننا في الحقيقة نتكلم عن توأمين.. عن قرابة في اللغة والمعنى والدلالة.. أو عن عاشقين متلاحمين.. الحكاية في فن السرد هي الهيكل العظمي الذي لا بد من إكسائه باللحم وجعل الدم يتدفق فيه ليكون كائنا حياً.. أقصد ليكون عملاً إبداعياً صالحاً للتلقي. هنا تصبح الحكاية مشروع إمتاع وتربية للذوق وثقافة.
السارد هو الحكّاء الفنان الذي يعرف كيف يلعب باللغة ويطوعها في بناء نصه السردي.. وعليه لهذا أن يمتلك صوته الخاص.. أسلوبه في بناء النسق السردي.. رؤيته إلى الذات والكون والحياة والتاريخ والمصير.
من جهة ثانية الرحلة من الحكاية إلى فن السرد تحاكي الرحلة من النيئ إلى المطبوخ، إذا ما استعرنا مصطلحات شتراوس في حديثة عن الانتقال من البدائية إلى التحضر.. أنت تحتاج أن تضبط أشياء كثيرة ليكون المطبوخ صالحا للأكل وشهياً.. المكونات والمقادير والنسب ودرجة الحرارة والوقت والنكهة. وهنا تحضر موهبة السارد الفنان وخبرته وثقافته، ومدى شغفه بتخطي المألوف، والمغامرة في اقتحام منطقة مجهولة من الحياة والعالم. فإذا لم يحمل السارد روحا وإرادة وعقلا مغامرا يخوض الأهوال بحثا عن قارة جديدة لن يفلح في كتابة نص سردي جيد.. لا أعتقد أن هناك وصفات جاهزة لمن يأخذ على عاتقه سردنة شذرات العالم.. إن دراما الحياة الساحرة والخفية هي ما يغوي السارد الفنان، العارف كيف يصل إلى روح تلك الدراما ويحيلها إلى نص مترع بالدلالات والمعاني، بالمعرفة والجمال.
■ عُرفت كقاص له بصماته الخاصة، منذ مجموعتك «ظل التوت الأحمر» عام 1993، وليس انتهاءً بـ»زهر اللوز» 2009… في وسط أسماء مهمة من القصاصين العراقيين، روَّاداً وجيلاً جديداً. ما الذي أضافته القصة العراقية خلال أجيال متعاقبة؟ وهل يمكن تمييزها كنص متفرد عربياً؟
□ القصة العراقية ملمح حداثي ومنجز ثقافي مدني لا يقل أهمية عما حصل من تحولات في الرؤى والأساليب في باقي المجالات الإبداعية والفكرية.. وأعتقد أن القصة العراقية لم تدرس جيداً، ولم تأخذ حقها من التناول النقدي الجاد.. ولم يُكشف بعد عن تمثلاتها لمضامين التمدين والنهضة والحداثة كما تبلورت خلال المئة والخمسين سنة الأخيرة، وللروح الاجتماعية التاريخية للحياة العراقية وتمثيلها لها.. كانت هناك فتوحات، منذ جيل الخمسينيات على صُعد الأشكال والبناء السردي والرؤى.. وعلى الرغم من أن الأمثلة التي يعتد بها في تمثيل الروح العراقية في القصة القصيرة ليست نادرة، لكنها ليست كثيرة أيضاً.. نحن قلدنا، وهذا ما يجب أن نعترف به، أكثر مما ابتكرنا قبل أن تسحب الرواية البساط من تحت أقدام القصة القصيرة خلال العقد الأخير.. وأؤكد أن هذا لا ينقص من جهود المبدعين الذين أضافوا لفن القصة القصيرة العراقية والعربية ما لا يجوز الاستهانة به. خرج كل منّا من محن ربع القرن الأخير بحكايات لا تحصى.. كان وعينا معبأً بما لا يستطيع ترف القصة القصيرة التعبير عنه.. كنا بحاجة إلى شيء أكبر، إلى نوع فني نستطيع أن نفرغ فيه ما ترسب فينا من مدارك وخبرات وحكايات ومسرات وأحزان وجروح، فكانت الرواية.. الرواية هي الفضاء الإبداعي الأمثل القادر على أن نقول في مساحته، وعلى امتداداته؛ من نحن، وماذا نريد ولماذا؟ الرواية هي ملحمتنا العصية والمتمنعة التي لم نروِّضها بعد كما يجب. وهي رهاننا لترصين أركان أدبنا وثقافتنا في القرن الواحد والعشرين.
■ إلى أيّ مدى تمكن السرد العراقي من اختراق المألوف وتكوين بنية خاصة به بعد صدور أكثر من 600 رواية منذ عام 2003؟ وهل تتوقع أن هذا العدد يمكن أن يصنع بيئة وتقاليد روائية ستنكشف آلياتها مستقبلاً؟
□ هذا التراكم الكمي سيفرز بالتأكيد عناصر جديدة تدعم أركان فن السرد العراقي والثقافة العراقية، لاسيما إذا تذكرنا أن هناك نوعاً من إصرار إبداعي يجري في دائرة تنافس شديد لإنتاج ما هو مميز، وما يوازي حجم ما يحدث في الواقع، وعلى صفحات تاريخنا الاجتماعي والسياسي.. صحيح أن الأعمال التي تستحق أن نكتب على أغلفتها، من بين هذا الكم الكبير، كلمة رواية لا تتعدى بضع عشرات، أو أقل من ذلك.. لكن هذه التجربة الفريدة من نوعها ستكسب جيلا جديدا من الروائيين خبرة مضافة ليكتبوا في ما بعد الرواية العراقية الكبيرة، العابرة لحدودنا الوطنية.. الاستمرار بالإنتاج في بيئة متطلبة وتنافسية ستفرز، لا شك، تقاليد جديدة في الكتابة، وبصمات متفردة للكتّاب الأكثر فرادة في المشهد الثقافي السردي العراقي. وهذا ليس أمنية مجردة بقدر ما هو حصيلة منطقية لتجربة دائبة ومعاناة إبداعية يعيشها أدباؤنا، ممهدين الطريق لجيل جديد من الساردين السحرة.
■ لم تكل من البحث والتنقيب في اقتصاديات وفلسفات متعددة، خصوصاً بعد إصدارك كتابي «استعادة ماركس» و»أنطقة المحرّم».. لكن ما الذي أضافه لك البحث النظري والفكري لفنك السردي عموماً؟ وهل يجب على الكاتب أن يكون ملماً بالعلوم الإنسانية جميعاً، لكي يستطيع إنجاز نصه الخاص؟
□ لو كنّا في وضع مستقر، نحيا حياة طبيعية مستقرة، لاكتفيت بالكتابة السردية.. لاستثمرت وقتي كله لصالح الكتابة القصصية والروائية. فهي ملعبي ومجالي الذي تسحرني غواياته، وأجد ذاتي فيه.. أن تقرأ وتبحث في العلوم المختلفة فهذا من متطلبات أن تكون شاعراً أو قاصاً أو روائياً أو ناقداً أدبياً.. والروائيون الذين تكون ثقافتهم مسطّحة، وقراءاتهم في مجالات الفلسفة والعلوم الإنسانية وحتى الطبيعية قليلة أو نادرة أو معدومة، لا أظن أن بمستطاعهم أن يكتبوا أعمالاً سردية عميقة ولافتة.. والروائي، في الظروف الاعتيادية، ليس مطالباً، حتى إن امتلك القدرة، بالخوض في حقل الكتابة النقدية والفكرية والسياسية.. لكن ما قادني إلى تجربة مثل هذه الكتابات النظرية، والتحرّش بالقضايا ذات الطابع الاجتماعي السياسي هو هول ما نعيشه اليوم من أحداث جسام تهدد وحدتنا الوطنية ومستقبل بلادنا ومصيرنا، أفراداً ومجتمعاً. إن تأثير المقالة مباشر في المتلقين، بعكس الرواية التي تحتاج لوقت قد يطول أحياناً، لتكون مؤثرة في الوعي الاجتماعي والسياسي.
■ ما زال العراقي يعيش أزمة الهوية، ثقافياً واجتماعياً وفلسفياً، في الوقت الذي تسعى فيه البلدان المستقرة إلى تشكيل وعي الأجيال الجديدة بحثاً عن المفاهيم الجديدة… أين يمكن الإمساك بالأزمة الحقيقية في الوعي العراقي؟ وما الذي علينا فعله للخروج منها؟
□ في عالم اليوم غدت مسألة الهوية موضوعة مركزية في الفلسفة وحقول العلوم الإنسانية، وإشكالية حاضرة في الممارسات السياسية.. وعلينا الإقرار بأننا لم نحسم بعد إشكالية الهوية على الصعيد الوطني. وتلك هي باعتقادي ساحة كفاح المثقفين العراقيين اليوم.
الهوية شيء لصيق بالوجود الإنساني، إذا ما فهمناها بمعنى ما يعتقد الإنسان عن ذاته وماهيته في العالم، وعلاقته بالآخرين.. أي هي قضية وعي في المقام الأول.. وهي نتاج تجربة في الواقع والتاريخ.. تجربة عيش مشترك، مع ذوات وجماعات أخرى في المكان والزمان.. وأزمة الهوية هي انعكاس لجملة عوامل مركّبة لها جذور في الماضي، ولها علاقة باختلالات البنى في الحاضر، فضلا بأشكال وفاعلية السلطات المختلفة وصراعاتها.. وقد حاولت شخصياً التصدي لهذه الموضوعة بمجموعة من الدراسات نشرت معظمها خلال عام 2014، وآمل أن تصدر في كتاب يحمل عنوان «موقع الهوية: السلطة، الجسد، المكان، والعنف»..
نعرف أن حدود الهوية تضيق بقدر ما تضيق حدود الوعي. وحين نقول الوعي العراقي فإننا في الحقيقة نتحدث عن أنماط وصور مختلفة من طرق النظر إلى الذات والآخرين وإدراك العالم.. وما يشكّل هذا الوعي الآن هو مرجعيات إيديولوجية وسياسية واجتماعية متباينة متصارعة. غير أن حسم قضية الهوية يرتبط سياسياً بطبيعة الدولة وفلسفتها.. وشخصياً أعتقد أن الحل في العراق هو في إقامة الدولة المدنية العلمانية الديمقراطية التي تفصل مؤسسات السياسة عن مؤسسات المجتمع الأهلي، ما قبل الدولتية، ولاسيما الدينية منها.
■ هل هناك خلاص تبحث عنه؟ صرحت بذلك أكثر من مرة، لكن ما الخلاص الذي يجب أن نبحث عنه جميعاً، وإلى أين سيوصلنا؟
□ لكل كاتب ميتافيزيقياه الخاصة به.. أحلامه وأوهامه وتخيلاته التي تساعده على تحمل قسوة الواقع وشراسته، وتكون الموجِّه الأساس لإنتاجه الإبداعي.. الخلاص هو مقولة الحلم.. هو العلامة الافتراضية في نهاية الطريق.. ما نرنو إليه وما نرجو أن يكون هناك بانتظارنا، وأن نمتلك الفرصة للالتحاق به. غير أن عالمنا المعاصر ما عاد يكترث باليوتوبيات، وصار من التعقيد بحيث أن حدود أحلام البشر على الرغم من اتساع ممكنات العلم والتكنولوجيا باتت تتقلص وهذه مفارقة محزنة.. رهان المثقف في أن لا يتخلى عن حلمه.. لذا فإن الخلاص عراقياً هو في ابتكار مشروع تنويري حضاري للنخب، يخترق الوعي المجتمعي، غرضه ترسيخ الهوية الوطنية المتجاوزة للهويات الضيقة والقاتلة، التي على أساسها وحدها يمكن إنشاء الدولة المدنية التي أركانها الديمقراطية والعلمانية والتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.
■ كيف نفهم العلاقة بين المثقف والسلطة عراقياً؟ وما الذي يمكن أن يؤسس لحاضنة يمكن أن تربط هذه المتنافرين عبر التاريخ من أجل بناء بيئة ثقافية حقيقية يشارك فيها الجميع؟
□ إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة والتباسها ليست وليدة اليوم، وليست ظاهرة عراقية فقط، إنها جزء من حقائق التاريخ البشري مذ وجدت الحضارة، وهي تعبير عن الفاعلية المجتمعية في بعدها الثقافي.. وهنا أتحدث عن السلطات بأشكالها كافة وليست السياسية فقط.. وأتحدث عن المثقف بوصفه فاعلاً اجتماعياً، ومنتجاً في حقول المعارف والجماليات، وصائغاً لرأي واضح وعميق حول الحياة والعالم والوجود.. المثقف غير الممتثل، وغير المدجن، وغير المرتبط مباشرة بمؤسسة سلطوية، أي المثقف المستقل المبدع والناقد.. صورة المثقف ناقداً معرفياً هي ما تخيف السلطات المختلفة وتهدد كياناتها.. وتعرف السلطة أن مثل هذا النمط من المثقفين لا ينازعها على مواقعها ومجالها ليحل محلها، بل أنه يعرّض تلك المواقع وتلك المصالح لخطر التقويض.. أن تنقد يعني أن تحلل وتفكك وأن تسخر وتكشف وتفضح.
كان المثقف العراقي دوماً قريباً من منطقة السياسة أو متورطاً في معمعتها حتى في توحّده وعزلته واستقلاله، لأن ما كان يحدد قدر العراقي ومصيره هو اللاعب السياسي أولاً، ومن ثم اللاعبين الآخرين المنتمين لمجالات سلطوية مبثوثة في المجتمع، مثل سلطة العشيرة وسلطة المذهب وسلطة الحزب المعارض ناهيك عن سلطة العقائد والإيديولوجيات المؤثرة عبر وسائط اجتماعية وتقنيات سلطة تعمل في الظاهر والخفاء في الوقت نفسه. وفي معظم الأحيان كانت النخب الثقافية تتبنى مشروعات تنوير تقلق أنواع السلطات المشتغلة على صناعة الجهل لأن من السهل ترويض المجتمع الجاهل وقيادته.. كان الصراع وما يزال، يجري في هذه المنطقة؛ منطقة التأثير في الوعي الاجتماعي، وصناعة الرأي العام.
ما يمكن أن يربط هذين اللذين تسميهما بالمتنافرين هو مشروع بناء الدولة المدنية، والمجتمع المثقف والمتحضر والمنتج، والمدينة العصرية الحديثة، إذا ما وجدت بين النخب السياسية/ أصحاب القرار قطاعا واسعا ومؤثرا من التنويريين.

صفاء ذياب