< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

قراءة ثقافية لرواية «النبطي» للدكتور يوسف زيدان: مقاربة «الديني» و»«التاريخي» في رصد التحولات الاجتماعية

الروائي الدكتور يوسف زيدان أحد الأصوات التنويرية والفكرية والإبداعية المهمة في الوطن العربي المتوغلة في عمقها الإبداعي والفكري، الشاغلة حيزا ثقافيا مهما في الثقافة العربية. تنوير وتثقيف المواطن العادي إحدى الأنشطة المضيئة التي يقوم بها يوسف زيدان، لنشر المعرفة بطريقة سهلة وسلسلة ومبرمجة، وفق خطة معينة تهدف إلى تأسيس ثقافة بديلة للجهل المتسيد في الساحة الثقافية العربية.
كروائي من الصف الأول بالمشهد الثقافي العربي له العديد من الروايات القيمة والمثيرة لأسئلة فكرية مهمة اختزلتها الثقافة العربية لعصور طويلة، من خلال التقاطع مع التاريخ العربي، وحفريات مهمة تفسر السلوك الثقافي السائد والمتوارث منذ القدم. عند الالتفات إلى روايته «النبطي»، سنجدها التقاطة مهمة لانتقالة نوعية في التاريخ العربي والإسلامي، في فترة ما قبل الدعوة الإسلامية، راسمة الأجواء الثقافية والاجتماعية والفكرية والدينية في الوطن العربي، والتي سأعرض لبعض أفكارها المهمة في ما يلي.
الرواية بساردتها المرأة (مارية/ماوية) تنطلق أحداثها بالقرن السابع الميلادي، ومكانها يكون بين مصر والجزيرة العربية والامتداد الجغرافي بينهما وما بعدهما بقليل حيث تصل إلى العراق. تتزوج مارية القبطية المصرية من رجل بدوي عربي نبطي يدعى سلومة بعد تأخر سن زواجها مقارنة بمن هن بسنها وللمفارقة كان عمرها لا يتجاوز السابعة عشرة عاما، وهذا، بالطبع، يكشف الفروقات في التصورات في الثقافة العربية في الماضي، بحيث تحولت هذه النظرة ليصبح سن العنوسة في عمر الثلاثين.
بعد انتقال الساردة مع زوجها إلى وطنه في الجزيرة، وبرحلة امتدت أشهرا، عاش القارئ معها صعوبة التنقل في الماضي وآلامه المبرحة، التي كانت تتطلب صبرا وثباتا، تصل إلى المرابع لتنقل لنا الرواية أيضا مرارة وصعوبة وشقاء الحياة في الصحراء وقتها، بسرد تفصيلي دقيق عمد إلى توصيل هذه المعاناة لقارئ هذا العصر الناعم، برفاهية مختلفة كما ونوعا لا تقارن بالماضي. تعرض بعدها الرواية لتفاصيل معيشة مارية مع زوجها وأهله بمشاعر مختلطة نحو زوجها، لتغير سلوكياته معها، ولأنه لم يكن هو من يرضي أفق توقعها وهي فتاة عذراء في بيت أهلها، بدلا من ذلك تقع في غرام أخيه النبطي مدعي النبوة في الرواية.
تتزامن أحداث الرواية مع فترة الدعوة المحمدية فتعرض لتفاصيلها وتفاعل الأنباط وغيرهم من المكونات السياسية العربية معها، وصولا إلى إسلام الزوج ومارية.
بعد تحولات عدة في المنطقة بشكل عام، وعلى حياة مارية، التي حرمت من الإنجاب وكثير من حالات الفقد، ترحل مع أهل زوجها إلى مصر، ولكن تبقى النهاية مفتوحة بحيث لا نعلم: هل رحلت معهم أم عادت إلى النبطي لتعيش معه؟ ليعودا بعد الموت هدهدين كما تختتم الرواية.
الرواية مليئة بالتفاصيل المدهشة منها الفني ومنها الحكائي، التي سأعرض لأكثر ما لفت انتباهي فيها:
1- التشويق: حيث اعتمد المؤلف على التشويق المتزايد للمتلقي منذ البداية، فكل حدث من الأحداث الرئيسية يدعو المتلقي للمتابعة والرغبة الملحة في متابعة المزيد من الأحداث. فخطبة الساردة التي تمت بعد أن تأخرت بالزواج عن بقية قريناتها شوقتنا ودفعتنا للتعاطف معها من خلال حديثها عن الخاطبين، القادمين بعد فترة انتظار وتشويق، وقدوم الخاطبين شوقنا لمعرفة من هو خاطبها، بعد أن تقوم هي كساردة بفعل الإرجاء السردي، حيث تلمح لشيء وتتحدث عنه بتفاصيله لاحقا. يلي ذلك حادثة قدوم الفرس للقتال واشتداد الأزمة على أهل الكفر، بانتظارهم قدوم الفرس وجمعهم الدية واختبائهم جعلت الساردة تشعر، وأهمتنا نحن معها بأن الزواج لن يحدث، وفجأة تنفرج الأمور ويأتي الخاطب لأخذها، وسلسلة طويلة من تفاصيل التشويق لم تنته بعدها لرؤية الديار وطقوس الفرح وهكذا دواليك، بل حتى عند الوصول لنهاية الرواية فنحن لا نعلم ما إذا كانت ستكمل مسيرتها مع أهل زوجها أم عادت إلى النبطي؟
التشويق، بخلقه نوعا من الرغبة في تحقق اللذة المعرفية، أيضا مرتبط بقضية كسر أفق التوقع في الرواية، مما يضفي الدهشة والمتعة المضاعفة على عملية القراءة، فعلى سبيل المثال لا الحصر تحدثت الساردة عن شوقها للإنجاب، ولم تنجب، تمنت وارتحلت بمخيالها كثيرا لحياة زوجية مليئة بالحب والعاطفة ولم يحدث لها هذا مع سلومة المخمور دوما، الذي يأتيها كل ليلة برائحته الكريهة وجسده المترنح، مما جعلها تبحث عن المتعة السردية (الكلام شكل لديها متعة وأنسا) من خلال أم البنين، عميرو، ليلى، وعندما رحلوا زاد مقدار إحباطها وتعاستها، فلا الحب حدث ولا الانجاب حصل، ولا ما تمنت من أنس ان يقوم به زوجها قام به، فبدأت تطلب هذه المتعة من الآخرين.. ولا سيما قصتها مع ليلى أخت زوجها التي مُلئت بالأنس الحكائي الكثير، ولكن هنا حذفا لما حدث من تفاصيل قد تكون لواطية بينهما، لمحت لها الساردة ولم تذكرها علانية، وقد يكون هذا أحد الأسئلة المرجأة التي هي بحاجة ماسة لإجابة حول هوية المرأة، والمثليين أيضا في الرواية. كل هذه التقنيات تعمل على تشويق مستمر ومراجعة يقظة من القارئ باستمرار بحثا عن تفاصيل تسد فجوة توقعها لديه بسبب تفصيل سردي سابق.
2- اللغة السينمائية البصرية تحققت في دقة الكاتب بالوصف اللغوي التي كانت أشبه بكاميرا نقلتنا من حيز المقروء لفضاء المتابعة البصرية الحية للأحداث. وهذا أمر مهم في الرواية، عندما ينتقل الكلام المكتوب إلى حيز المرئي والمنظور وهي لغة تقوم بنقل المشاهد، كما هي عليه تتيح للقارئ تخيلها والتحليق معها، وأن يتنقل بين المشاهد البصرية بطريقة مدهشة وممتعة.
3- سجلت الرواية أدبيا جانبا كبيرا من تفاصيل حياة العرب آنذاك.. طقوسهم وعاداتهم وتقاليدهم، بطريقة عميقة جدا، دعتنا نستكشف بعض الأمور التي تمس الثقافة العربية، قد لا نفلح بإدراكها سينمائيا، لأن الساردة كانت تعلق وتنتقد، فكانت لغتها أشبه بتنبيه لنا لما هو مألوف. وهذا يقودنا إلى قراءة ثقافية أعمق للثقافة العربية بشكل عام وتعاملها مع المرأة بشكل خاص، فما تم ذكره من تفاصيل حياة العرب في الماضي، وقبل ألف وأربعمئة عام، لا يزال متوارثا وموجودا في الفضاء العربي، فالعادات والتقاليد هي ذاتها، لم تتغير كثيرا، وطريقة تعامل العرب مع المرأة، ونظرة المرأة العربية لنفسها لم تتغير كثيرا، ولا سيما الخليجية والبدوية.
4- الرواية إضاءة ثقافية لتاريخ قهر المرأة اجتماعيا في الوطن العربي بصورة واضحة وصارخة، تستحق أن تقارب وفق هذا المنظور وتحلل نماذج القهر النسائي المتوارثة منذ آلاف السنين، والأبرز من هذا هو سلبية نظرة المرأة لنفسها. فهويتها من دون وجود الرجل تصبح لا شيء مما يفرض عليها أن تطيع زوجها وتتحمل الظلم والأذى كي لا تصبح من دون رجل. مارية كطرف أجنبي بسهولة تخلت عن اسمها لتصبح ماوية، ليتناسب وثقافة البدو السائدة، وهذا لا يشترط أن يكون فقط خاصا بالمرأة بل بالرجل أيضا، وهذا لا زال منطبقا على الثقافة العربية ففي رواية «ساق البامبو» كشف سعود السنعوسي هذا من خلال شخصيتين أجنبيتين، شخصية الأم الفلبينية وعيسى/هوزيه، اللذين تم تغيير اسميهما في الكويت، كما تغير اسم بطل رواية «ليون الأفريقي» لأمين معلوف في الأماكن التي تنقل بها، وكأن المجتمعات العالمية تستسهل صبغ الآخر بهويتها وادراكها من خلال الاسم، أكثر من قبول ثقافته البادئة باسمه الشخصي، وبالمقابل تبرز فكرة قدرة الغريب الأجنبي مواجهة الثقافة السائدة بهويته الخاصة.
5- دينيا تقاطعت الرواية مع الأديان الموجودة والمتعايشة بسلام في الوطن العربي سابقا، حيث الزواج يحدث بسلاسة مع مختلفي الأديان، بينما في وقتنا الحالي يعد إشكالية كبيرة مما يحيل إلى إن العرب كانت متسامحة دينيا في الماضي أكثر من الآن.
* كاتبة كويتية

سعاد العنزي*