< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

ماذا خسرنا مع «إعلام السلطة»… وماذا كسبنا من «الإعلام الحر»؟

يشهد عالمنا المعاصر فوضى إعلامية كبرى ،في شتى مفاصله خاصة الأخلاقية منها ،رغم تبنيه لعدة نظريات كان يفترض بها ان تقود المجتمعات المعاصرة للبناء وتحقيق حلم الحق في الإعلام ، ونشر الحقيقة والمعلومة دون مغالطة او تزييف.
لدقة وحساسية المعلومة وقدرتها الرهيبة على الشحن،فالإعلام سلطة حقيقية كاملة الأركان ،ومؤسسة نافذة في المجتمعات ،لها أسسها الإدارية والمالية التي تخضع لها أي مؤسسة إقتصادية اخرى،وبالتالي القدرة على الجذب ومنه القدرة على التوجيه.
ويتبنى عالمنا بشقيه الشرقي والغربي نظريتين إعلاميتين تبدوان ظاهريا غاية في الإختلاف والتنافر،لكنهما متطابقتان من حيث النتائج ، ونبدأ بالصحافة الحرة في الغرب، والتي تعتمد مبدأ الحرية المطلقة في الإعلام،وحق الفرد في تبني الأفكار وإمتلاك الوسائل الإعلامية مرئية كانت او مقروءة ،لنشر معلوماته او أفكاره ايا كان نوعها ،سياسيا او إقتصاديا او ثقافيا ،وأيا كانت خلفيته الفكرية التي ينطلق منها، وكان للقانون دور غاية في الأهمية بهذا الخصوص،حيث تكفل كل المواثيق و المعاهدات والدساتير التي يتبناها الغرب هذا الحق وترعاه.
لكن الذي نتج عن هذه الحرية المطلقة،ليس إعلاما حرا ومسؤولا،بل إعلام الإبتزاز والإبتذال وإقتحام خصوصيات الناس ،وتقديم مواد إعلامية تختص بالجريمة والعنف ،وإغراق الجمهور في حاجاته الثانوية فقط، وإنتقال مهمة الصحافة من الإعلام الى الدعاية .
والسبب يعود للبنية الأساسية التي يقوم عليها او يتكئ، وهي رأس المال،فالمال هو المحرك الأساسي لكل المؤسسات الإعلامية، لذلك هو لا ينظر للجمهور إلا نظرة المستهلك الذي يجب إستمالته بشتى الطرق حتى بمخاطبة غرائزه لكسب أكبر قاعدة جماهيرية، وبالتالي القيام بمهمة التوجيه .
ولأن إرتباط المال بالسياسة أمر بديهي لا يختلف عليه إثنان تقاطعت المصالح السياسة مع الإقتصادية وبالتالي تغولت المؤسسات الإعلامية وإحتكرت الفضاء والورق وحتى العالم الإفتراضي على الشبكة العنكبوتية،فهي تعتمد استراتيجية القضاء تدريجيا على كل منافس لها بالتكتل والإحتكار المطلق للمعلومة.
والقضاء على المنافسة الحقيقية يفتح المجال أمام القائمين على هذه الإمبراطوريات لتشتيت إنتباه الجمهور وإغراقه في نفسه وتلبية حاجياته بوعي منه او بدونه،وحتى تلقينه إيديولوجيا وحقنه ضد أي خصم مفترض في العالم ،وما الإسلاموفوبيا ببعيدة عنا وما آلت اليه أوضاع المسلمين عندهم ،حتى أصبح ينظر لكل مسلم كإرهابي مفترض، قد يفجر نفسه في أي لحظة.
والعالم كله شهد الشحن الإعلامي الذي سبق إحتلال العراق عام 2003 في وسائل الإعلام الأمريكية،وإقناع الجمهور الأمريكي بوجود أسلحة كيميائية في العراق.
والكثير منا كذلك يذكر كيف كان ينظر للأفغان ايام مقاومتهم للسوفيات ،وكيف اصبحوا الآن في الإعلام الأمريكي على سبيل المثال.
والنوع الثاني الغني عن التعريف في العالم العربي على سبيل المثال هو الإعلام السلطوي الذي شهد في الواقع مرحلتين اساسيتين في تاريخه:مرحلة الإحتكار المطلق لوسائل الإعلام على ضحالتها وقيامها بالمهمة المقدسة «التلقين المذهبي»والمناداة بكل ما تراه السلطة صائبا في السياسة والمجتمع والإقتصاد وكل شيئ آخر ،وإعتبار الإعلام مؤسسة من مؤسسات الدولة عليها واجب الإمتثال لكل أوامر النظام السائد،ومراقبة المواد الإعلامية قبل بثها وأثناء البث.
أما المرحلة الثانية عرفتها الدول العربية بفضل الطفرة المعلوماتية ،وتيقن الأنظمة من المحيط الى الخليج ان ما يمنع نشره في الإعلام الرسمي يمكن الإطلاع عليه على الشبكة العنكبوتية،مما إضطر الأنظمة إعتماد القنوات الفضائية الخاصة، مع تشديد من نوع آخرفي النواحي القانونية، ومع ذلك قلة قليلة جدا من هذه الصحافة المرئية او المقروءة او الإلكترونية انعتقت حقيقة من السلطة ،لسيطرتها المطبقة على أركان القضاء والإدارة ،وقدرتها على الإبتزاز والمناورة وحتى إعادتها الى دار الطاعة إن أبت إلا أن تتمرد وتصدح بحقها في الحرية.
ولأن مهمة النسخ واللصق حتى في السياسات الإعلامية يعتبر أمرا مباحا في عالمنا العربي، ظهرت شركات مقاولة تمارس الدعاية لا الإعلام تقوم بكل مامن شأنه خدمة الأنظمة السياسية وإطالة أمد حكمها، لأجل تثبيت مكانتها الإقتصادية ويضمن إستمرار تدفق المال عليها.
وإكتسحت البرامج الترفيهية «المخدرة»حقيقة في هذا الظرف الحساس من تاريخ الأمة ، وتم صرف أموال خيالية على هذه المواد لجذب فئة الشباب بشكل خاص كونه الأكثر قدرة على التغيير، وصرفه عن مطالبه الحقيقية المتمثلة في الحرية والعيش الكريم، أو إلهاء الرأي العام بقضايا تاريخية ماتت مع اهلها ،او كتاب او قصيدة وإقامة المحاكمات الصورية.
بينما الرأي العام مع او ضد او يندد بهذا أوذاك،أعمال السلب والنهب على قدم وساق، والإعلام يوجه لجهة واحدة من المركب .
وبذلك نجد أن الإعلام في كلا العالمين الشرقي والغربي يلتقيان عند نقطة التغيير الحقيقي،فكلا النهجين في الإعلام سواء هنا أو هناك يرنوان إلى هدف واحد هو التلقين المذهبي أو الفكري بما يخدم مصالح النظام ايا كانت شعاراته وإن تغنت بالحرية في الإعلام ،او تشبهت في عالمنا العربي وإدعت تصحيح المسار والإنطلاق نحو حرية إعلامية تؤرق مضاجع السياسيين.
على الإعلاميين في شتى بقاع العالم التكتل هم كذلك والمساهمة في تأطير قوانين تمنع إحتكار المال للمؤسسات الإعلامية، وتوجد في الحقيقة بعض المؤسسات الإعلامية تعتمد على تمويل القراء او المستفيدين ،وتضمن لهم جودة المعلومة والموضوعية وباتت تنتشر وتوزع في شتى الدول لمهنيتها الفائقة،فهذا شبه عقد بين الإعلام والجمهور على الجميع تقديسه وتبجيله،فمن حق الشعوب الإستفادة من إعلام واع ومسؤول ، يحترم الحقيقة ويقدمها دون كذب او نقصان، يرقى بالذوق العام ،ويحترم ثقافة الأمة،ويساهم بشكل جدي في بناء الدولة من خلال النقد البناء وإحترام الرأي والرأي الآخر ،والحفاظ على مكونات الشعب ،ونبذ إعلام الإبتذال والمبالغة ،وبذلك يقيم توازنا بين حرية الرأي والتعبير وبين مصلحة المجتمع وحماية إرثه الأخلاقي وخصوصيته التي تحفظ له ديمومته .
الإعلام إذا ما وظف بشكل ذكي ومدروس وسخر لبناء الدولة والمجتمع يمكنه ان يرتقي بهما الى مصاف الدول والمجتمعات العظمى،لقدرته الهائلة على الإختراق والتوجيه فهو بحق السلطة الأولى إذا ما لعب دوره الذي وجد أساسا ليقوم به.

منى مقراني