< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

تقابل النقد والإبداع: الوهم الفاسد

كثيرا ما تواجهنا أسئلة محيرة في صدد مسألة علاقة النقد بالإبداع، وينتهي الأمر في أغلب الإجابات في هذا الصدد إلى الخلاصة غير الرصينة التي تقر بالخلاف بينهما، أو المفاصلة بينهما، وأحب أن أرى القضية من زاوية مغايرة، وأقرر أن «الإبداع تجسيم للمجرد، والنقد تجريد للمجسم». وأجدني مضطرا للتنبيه إلى أنني سأكون موجزا لأنني لن أذكر أمورا دقيقة في هذا الصدد لأسباب تتعلق بكونها تعد عماد كتاب مهيأ للنشر.
فالمقصود بكون الإبداع تجسيمًا للمجرد أنه يكون معنيا بإيجاد معادل حكائي، أو نسق تبادلي شعري، لسؤال تجريدي نابع من سياق إنتاجه السوسيو ثقافي، وقد يكون هذا السؤال مصوغًا لدى المبدع في الذهن على نحو واعٍ، أو مطروحا من قبل العصر بوصفه معضلة تاريخية. والمبدع لا يصرح بهذا السؤال (و/ أو الفكرة وفق تصور ج. لوكاتش: نظرية الرواية) على نحو مباشر في ما يبدعه، وإنما يصطنع حبكة (السرد) أو نسقا من التبادلات وفق مفهمة مجازية (الشعر) ليترجم السؤال على نحو مجسم ملموس عبر التشخيص أو الصور. وعلينا ألا ننسى أن أرسطو عدّ الشعر كليا، وهنا لا يعد الكل إلا ما له صبغة الميتوس، أو صبغة الحكاية، ومن ثم فهو الموازي للكلي التجريدي في الخطاب الفلسفي. كما أن هذا الكل ينبغي أن يفهم أيضا في سياق المعقولية المنظمة للشتات الذي يسم الواقع المدرك حسيا (هيغل)، وفي الوقت ذاته ليست هذه المعقولية إلا ما ينعته بول ريكور بالتجسيم الذي يعطي معقولية ما بوساطة الحكاية لما هو قبل تجسيمي.
إذن الإبداع يجسم المجرد من حيث هو معقولية لا بوساطة المفاهيم أو البرهنة العقلية، وإنما باصطناع معادل تجسيمي ذي طابع ملموس، وهذا المعادل يتمثل في الحكاية (السرد) أو النسق التبادلي المتوسل به في التجسيم الشعري، بما يعنيه من استدعاء للمفهمة على مستوى بناء العالم. وفي صدد أي رأي يأبى أن يفكر حتى في هذه المسألة نقول له: يكفي أن تفكر في التنظير الداخلي المميز للأدب، خاصة الرواية، لا الأقوال الجمالية. لماذا يلجأ إليه المبدع؟ فهو ينزل منزلة الإفهام الداخلي، ويتخذ أحيانا صبغة تجريدية. كما أن الكاتب قد يلجأ إلى مقدمات يثبتها قبل النص، وغايته من ذلك إنارة النص تجريديا لإحساسه بأن القارئ لا يتوافر له التقليد اللازم لتحقيق المقروئية التي يرى أنها الأنسب لنصه. ويدل هذا النوع من التجريد، وإن كان ليس بالمقصود عندنا، بما لا يدع مجالا للشك بأن المبدع يمتلك وعيا نظريا مجردا بما يحاوله من إبداع. وعلى العموم يظل التجريد الكامن خلف الأقوال الجميلة والأدب ذا طبيعة تفكرية ذهنية لها هيئة سؤال مقلق في صدد العالم، من حيث هو مهدد بنقص ما ينبغي إنقاذه منه، أو من حيث هو أصلا مكمن نقص وعدم كفاية ينبغي تلافيهما.
والمقصود بكون النقد تجريدا للمُجسَّم أن يكون معنيا بتحويل الإنتاج الإبداعي من حالته المُجسِّمة إلى حالة من الفهم القائم على التجريد المتوسل بالمفاهيم والعلاقات المنطقية والعقلية. ومن ثم فهو ينشغل بفهم الكل الذي قام عليه التجسيم في السرد أو الشعر بوساطة كلٍّ معرفي أرقى. والغاية من هذا التصور ماثلة في إعادة تنظيم الإبداع من حيث هو فعل جماعي (الشفهي) أو فرداني (الكتابي) وفق مقولات تجريدية كبرى تسمح بإدراجه في أنساق مُنتِجة، وهذه الأنساق لها صلة بالتحولات الحادثة في السياقين: الفكري والمعرفي للعصور، والسوسيو ثقافي الخاص بها. صحيح أن كل جنس أدبي، أو قول جميل أو نص، هو مُفرَّد يستند إلى تشكيل خاص يميزه من غيره، لكنه لا يفهم في إطار معقوليته الخاصة فحسب، فلا بد له من أن يفهم أيضا في حضن المقولات الكبرى المنتجة للنسق الإبداعي المميز للعصر أو الحقبة. إن ما يستعاد في العمل الإبداعي المُفرد ليس النصوص السابقة عليه فحسب (الخيال/ نورثروب فراي)، وإنما أيضا فعالية المقولات الكبرى المؤسسة التي تسمح لنا بفهم التحولات الحادثة في بنيته الجمالية.
لا بد- إذن- للنقد والدراسة الأدبية من أن يكونا على بينة من هذا التصور التجديلي التضافري، حتى يستقيم فهم ما يحدث في الأدب، فلا بد من أن ينظر إلى الإبداع من خلال ممكن النقد والعكس وارد أيضا. فالمبدع يفهم العالم بقدرته على التجسيم الذي يقبض على الكلي، والناقد يملك القدرة على فهم العالم بوساطة تنظيم مقروئه بطريقة تسمح له بالقبض على حركة تاريخ التخييل، وتبديها عبر النصوص. إنني أفكر هنا في ما قبل النص المفرَّد (و/ أو الفرداني)، وفي الخاصية التكوينية له؛ أي إرجاع الوحدة الدلالية للنصوص التي تترجمها الحكاية أو نسق التبادلي الشعري إلى وحدة سابقة فوق- نصية.
ولا يتيسر ذلك إلا بالتجديل بين الكثرة التي تصطحبها معها النصوص والوحدة التي يمليها سياق الإنتاج المؤسِّس. وحتى أوضح على نحو موجز، لا يمكن فهم الأقوال الفنية، أو الأجناس الأدبية، إلا في إطار التحولات المعرفية والسياقات السوسيوثقافية بما فيها اللغة. إنني أفكر في تحولات التخييل وفق عصور ثلاثة: العصر الإلهي – والعصر البطولي – والعصر البشري (فيكو المؤرخ الإيطالي). هذه العصور تشكلت وفق أنماط تخييلية مختلفة مؤسِّسة، هي نتاج تحولات في بنيات تعرف العالم، وتعرف علاقة الإنسان به، وتعرف وسائل فهمه الرمزية أو غير الرمزية.
بمعنى أن نسقا ما في استضمار المعنى من الوجود ضمن العالم هو الذي كان يعد الحاضن لأي بنية تجريدية يكون الأدب معنيا بترجمتها بوساطة معادل تجسيمي ما، سواء أكان حكاية أم نسقا من التبادلات. أمر من هذا القبيل يضطرنا إلى إعادة النظر في كثير من القناعات التي سادت في التفكير الأدبي ونظريات الأدب، وفي مفهوم الأدب كما مورس في النقد، وزمن انبثاقه. فالعديد من التصورات في هذا الصدد ينبغي تمحيصها من جديد لأنها بنيت على مقدمات غير محسوم في صحتها على الإطلاق.
وكذلك يدفعنا هذا التصور إلى إعادة النظر في كثير من الكتب، بما فيها الكتب النظرية الغربية، التي اشتغلت على الأجناس الأدبية في التراث، من دون أن يحصل لديها الإدراك بعبث محاولاتها، لأنها لم يتوافر لها من جهة الوعي بهذا التجديل الذي من المفروض أن يكون واردا بين الإبداع والنقد، ولم تتوافر لها من جهة ثانية القدرة على إعادة بناء الأنساق الكبرى المولدة للتجريد من حيث هو نسق معرفي وسوسيو ثقافي منتج لأسئلة الإبداع المسؤولة عن تفريد الكل الذي يُتوسل به في التجسيم، ولم يتوافر لها من جهة ثالثة فهم التحولات في بنية المعرفي التي تحكمت في إنتاج التخييل عبر العصور.
ولا يفوتنا ونحن ننبه إلى أن التأويل الأدبي الذي حصر نفسه في ضبط الفهم في ضوء التقاليد والخبرة القرائية (غادامر) لا يعد كافيا لفهم النصوص وتفسيرها؛ إذ تدعو الضرورة- وفق التجديل المشار إليه أعلاه إلى تفكر النقد- من حيث هو مُخبر عن تشكلات النصوص وتقويمها- لا بوصفه قراءات تالية على النص وفق تقاليد معينة، وإنما بوصفه منظما لحركتها في الزمن في تواز مع ضبط المفصلات الكبرى التي ولدت المقولات الأساس لإنتاج الإبداع وتشكلاته وتحولاته الرئيسة.
أكاديمي وأديب مغربي

عبد الرحيم جيران