< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

مهديّان لبلاءٍ واحد

لثلاثةِ عقودٍ أو أربعةٍ خَلَت، كان الإتيانُ على ذِكْر الإمام المهدي نادراً في ديارنا اللبنانية. أبرزَ ذلك وضّاح شرارة في كتابٍ نفيس كرّسه لنشأة حزب الله ونشره قبل نحوٍ من عشرين سنة. وأحسب أن الحال لم تكن لتخرج كثيراً عن هذا النهج المقتصد في ديار التشيّع العربي الأخرى ناهيك بديار التسنّن. كان القول بقرب ظهور المهديّ عندنا نوعاً من الفكاهة تدعو السامعين، ولو كانوا من الأتقياء، إلى الابتسام.
وهذا مع أن الأرض، في ذلك الوقت، كانت قد «ملئت ظلماً وجوراً»، مستجيبةً، شأنها قبل ذلك الوقت وبعده، لشرط الظهورِ الأوّل هذا. غير أن الناس لم يكونوا يرون يوم القيامة قريباً.
ويصحّ القول أن سنة 1979 شهدت ظهورَ مهديَّيْن اثنين. الأوّل منهما وهّابي ويدعى محمد بن عبد الله وهو صِهْر جهيمان العتيبي الذي احتَلّ الحرم المكيّ في غرّة القرن الخامس عشر الهجري ونصّب ـ على ما قيل صهره المذكور مهديّاً واحتجًّ في ذلك بكون الصهر سَميّ النبي العربي طبقاً لما ورد في الأثر.
لم تعمَّر ظاهرة المهديّ الوهّابي هذا إلا أياماً اقتحم بعدها الحرمَ رجالُ الحرس الوطني السعودي يدعمهم، بل يقودهم، على ما شاع، رجالُ أمنٍ فرنسيون استُحضروا على وجه السرعة لهذه الغاية. ولكن صورة هذا المهديّ، بما اتّسمت به من قَسَمات العنف الأقصى، بقيت ممتدّة الحضور إلى اليوم في حركات السلفية الجهادية، على اختلافها. وهي صورةٌ لا يدلّ شيءٌ على قرب اختفائها.
وأمّا المهدي الثاني (أو الأوّل)، وهو إمام الشيعة الثاني عشر محمد بن الحسن، فلم يظهر فعلاً. ولكنّ خياله ملأ مسرح الحوادث فجأةً بعد أن كان غائباً، بمَعانٍ مختلفةٍ للغياب، وراء حُجُبه. وكان منه أنه أناب عنه في الظهور الحسّي إماماً إيرانياً أصبح «الوليَّ الفقيه» أو «مرشدَ الجمهورية» الإيرانية أو «وليّ أمر المسلمين» دون اعتبارٍ لاختلاف المذاهب ولا لرأي المعنيّين… أو «نائبَ الإمام» في طهران، أخيراً لا آخراً.
طغت صورةُ المهديّ مذّاك على معظم من عداه من الأئمّة آبائه وكثُرَ استعجالُ فَرَجه على الألسنة وعلى جدران المُدُن والقرى وانتظم الاحتفالُ بذكرى ولادته وأصبح ظهورُه منتظراً بين الحين والحين. لا لأن شيئاً جديداً قد أثبت أن ظهوره قريب فعلاً ولا لأن هذا الظهور مرغوب فيه، بالضَرورة، من جانب الذين يجتهدون في إشاعةِ خَبَره. فإن أشدَّ ما يَسوءُ الوكيلَ، في حالاتٍ كثيرة، ظهورُ الأصيل. غير أن إبرازَ عَظَمة الأصيل يبقى ضرورياً، مع ذلك، لتعزيز شأن الوكيل. إذ كيف يكون «نائبُ الإمام» عمودَ الدنيا إذا لم يصبح هذا الإمامُ نفسه عمودَ الدين؟
هذا وللمهديّة والمهديين تاريخ نتركه لأهله هو وجهٌ من وجوه التاريخ الإسلامي وهو أيضاً، بتوسّط المسيح وما هو عليه من شَبَه عامٍّ بالمهدي أو من حضور بجانبه في الرواية الإسلامية، وجه من وجوه القرابة بين الإسلام وديانتي التوحيد الأخريين. ما يهمّنا تسجيله ههنا أن مستهلّ القرن الخامس عشر الهجري قد شهد اتّجاه العرب والفرس نحو التوحّد في بلاءٍ واحد راح يتفاقم: وهو الصراع السنّي الشيعي. وهو، على نحوٍ ما، صراعٌ بين مهديّين أي صراع على الثمرة المرتجاة من خراب العالم.
قبل ذلك كان الشعبان منشغلين، أحدهما عن الآخر، ببلاءين تأسّس عليهما البلاء المشترك، وكان كلّ منهما خاصّاً قبله بأحد الشعبين. فبلاء الفرس كان النفط مقترناً بالنظام الشاهنشاهاني وبلاء العرب كان النفط أيضاً مقترناً بأنظمةٍ متنوّعة. من بين هذه الأنظمة، كان قد ادّعى الزعامةَ الإسلامية (أو نوعاً من أنواعها) وسَعى في نشر دعوته المذهبية نظامُ آل سعود. وكان يسعفه في ذلك وقوع الحرمين المكيّ والمديني في نطاق سلطانه ومسؤوليتُه في تيسير الحجّ ورعاية الحجيج.
صفوةُ القول أن بلاءاتٍ كانت مختلفة أو مفترقة نراها لا تزال تترافد، على امتداد ما انقضى من هذا القرن الهجريّ الأغرّ… تترافدُ في بلاءٍ واحد عميم تدلّ الدلائل على أنه سيكون الأعظم.
كاتب لبناني

أحمد بيضون