< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

دبلوماسية رابع المستحيلات

كان يصعب على أية مخيلة بشرية ـ مهما بلغت درجة تفاؤلها، أو تسامحها إزاء دروس الماضي ـ أن تتوقع مرور مشروع القرار الأردني، الفلسطيني في تصميمه وصياغته؛ حول إنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، قبل نهاية العام 2017. كان الإجراء رمزياً، بالتالي، دون كثير أوهام، وربما دون آمال البتة؛ لأنّ الضغوطات التي سبقته، من الجانب الأمريكي أوّلاً، تحوّلت بعدئذ إلى وعيد وتهديد، لم تمتزج حتى بأيّ ترغيب!
لكنّ الإجراء كان، إلى هذا، تمريناً في ممارسة التحرّك الدبلوماسي، واختبار قدرات السلطة الوطنية الفلسطينية، حول إحداث أيّ فارق ملموس في الضغط المضاد؛ أي الاشتغال على جهات لا تندرج في الصنف المألوف، والمنتظَر تلقائياً في الواقع، من الأطراف الصديقة عادة للقضية الفلسطينية، والتي لا تحتاج إلى ضغط أصلاً. وهنا، بالطبع، تكشّفت طاقة الدبلوماسية الفلسطينية الرسمية، بل انكشفت في حقيقة الأمر، أو يتوجب القول إنها افتُضحت: امتناع خمس دول عن التصويت كان طريقة، مهذبة ربما، في ممارسة الرفض؛ واستخدام الولايات المتحدة حقّ النقض، رغم عدم الحاجة إليه بعد فشل المشروع، كان يضيف الإهانة على الجرح.
ولعلّ الدرس الثالث، الذي يكتسب خصوصية فلسطينية ـ فلسطينية هذه المرّة، كان الخلاف حول المشروع، جدواه ومحاسنه ومساوئه وأخطاره؛ داخل صفوف «فتح» ذاتها، باعتبارها التنظيم الأكبر في الجسم السياسي، والكثير من الجسم البيروقراطي، لسلطة رام الله. مروان البرغوثي، القائد الفتحاوي البارز، والأسير، على سبيل المثال؛ حرص على إصدار تصريح، صريح فصيح في تبيان الاعتراض على المشروع: «تراجع لا تبرير له»، ذو «أثر سلبي للغاية»، يتجاهل أنه «منذ إعلان الاستقلال في العام 1988، وصولاً لحصول دولة فلسطين على صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة، كان كل التحرك الدولي الفلسطيني يهدف لتعزيز حقنا في دولة مستقلة كاملة السيادة على الأرض المحتلة في حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وحق العودة للاجئين».
الرجل محقّ، في واقع الأمر، إذْ أنّ المشروع ـ حتى إذا افترض المرء إمكانية تمريره، ضمن هامش رابع المستحيلات ـ يسبغ شرعية على الاستيطان، ويُسقط مفهوم الدولة الفلسطينية كاملة السيادة، من خلال القبول بمبدأ تبادل الأراضي. كما أنّ التفاهم الضمني على حكاية «القدس عاصمة للدولتين» يرسل، بالفعل، «رسالة سياسية خاطئة» إلى الاحتلال الإسرائيلي، وإلى العالم بأسره، كما عبّر البرغوثي. فكيف إذا اقترن هذا وذاك، بإغفال حقّ العودة، والقرار 194 الذي صدر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة، بعد جهد جهيد؛ ثمّ إغفال ملفّ جوهري آخر هو قضية الأسرى، دون أي تشديد على أنّ هذا الملفّ ليس جزءاً من «قضايا الحل النهائي»، لأنّ تحرير الأسرى حقّ مستقلّ تكفله أبسط شرائع حقوق الإنسان.
الدرس الرابع هو أنّ حكاية المشروع، من التصميم والصياغة وحتى التصويت والفشل، تذكرة جديدة بما كان الراحل إدوارد سعيد قد استبصره قبل 21 سنة، غداة اتفاقيات أوسلو: هذه «“فرساي فلسطينية»، وأداة لجرّ منظمة التحرير إلى سلسلة تنازلات متعاقبة، بعد إفراغ المنظمة من مضمونها كحركة مقاومة وتحرر وطني؛ فضلاً عن فرض معادلة اختلال دائمة، بين طرف إسرائيلي قوي متغطرس استيطاني مدعوم غربياً، ومن أمريكا خاصة، وطرف فلسطيني هو على النقيض تماماً: منهك وضعيف ومحاصَر، بقيادة لا حول لها ولا طول…
ولا حاجة، غنيّ عن القول، إلى الاستفاضة في قراءة الدرس الرابع؛ أي انجراف سلطة رام الله إلى وضع كلّ البيض في سلّة الرعاية الأمريكية لما سُمّي «مفاوضات» مع الاحتلال الإسرائيلي، والمضيّ أبعد، وأكثر، في تقديم التنازلات، واستيلاد الأوهام… من طراز رابع المستحيلات!

صبحي حديدي