< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

من فلسطين إلى كوبا… انعطافات نحو تصحيح المسار

بعيدا عن الإفراط في التفاؤل أو العزف على وتر العاطفة، أو الوقوع في مطب الرومانسية الفكرية والسياسية، أو الانجرار وراء كلمات براقة مذاقها حلو، خاصة في فم من تجرع الخيبة والألم والحرمان من العيش الكريم، أسوة بمواطني الأرض وأممها، أو التصدي لمغامرات فكرية غير محسوبة العواقب، تبدو سماء المجتمع الدولي حبلى بتغييرات دراماتيكية أتت إشاراتها قولا وفعلا من جهات الدنيا الأربع.
أتت متباعدة في المسافات متقاربة في الشك، بما شكل أساسا بدا متينا طوال عقود من الزمن وسندا لمروحة متنوعة من مواقف الدول والجماعات وحتى المؤسسات حيال طيف واسع من القضايا الحساسة، التي ظلت صفحاتها أو صفائحها تتقلب على نيران حامية، اكتوى بلهيبها شعوب وأفراد لا ذنب لهم إلا أنهم كانوا في عين العاصفة، مشكلين وقودا لا غنى عنه لتأجيج نيران محارق إنسانية لا تذر، كان من الممكن ألا تكون.
من الأمريكتين إلى القارة العجوز مرورا بمهد المسيح أو انطلاقا منه، تتابعت المراجعات والتراجعات عن مواقف لطالما شكلت حجر الأساس لمجموعة لا يستهان بها من السياسات والاستراتيجيات، التي كانت سببا لصب النار على زيت المعاناة البشرية مولدة النكبات والمجاعات والحروب والصراعات والأضرار البيئية وغيرها، بما فيها الأوبئة والأمراض والكوارث. مراجعة ربما لا تؤسس لانفراجة عابرة في طرائق التفكير فحسب، بل من شأنها أيضا، مع قليل من حسن النية، أن تضع اللبنة الأولى في مدماك الانفتاح على حقائق الأشياء وتطبيع النفوس قبل العلاقات، والتخلي عن العقليات المتحجرة وموضة الأحكام المسبقة والنظرة الدونية المتغطرسة، إلى آخر تبين الوقائع مدى الحاجة إليه كلما اتسعت زاوية الرؤية إلى العالم.
من المصالحة الكوبية – الأمريكية وقرار البيت الأبيض شطب كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب وتطبيع العلاقات بين البلدين بعد نصف قرن ونيف من الحصار الجائر، الذي فرضته الإدارات الأمريكية المتعاقبة على الجزيرة الكاريبية، إلى قرار المحكمة الأوروبية العليا الخاص بشطب حركة المقاومة الاسلامية (حماس) من لائحة المنظمات الارهابية، وقبل هذا وذاك موجة الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين، ومحاولات إعادة الملف الفلسطيني إلى الحاضنة الدولية، بعد أن تاه طويلا في سراديب المفاوضات الثنائية العبثية برعاية أمريكية أحادية الجانب، من خلال توقيع الرئيس الفلسطيني محمود عباس على 20 اتفاقا ومعاهدة دولية، في مقدمتها ميثاق روما تمهيدا للانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية، وتسليم صكوك تلك المعاهدات إلى نائب المنسق الخاص للأمم المتحدة جيمس راولي، بما فيها صك الانضمام إلى ميثاق روما لمحكمة الجنايات الدولية… كل ذلك يتعدى كونه مجرد إشارات عابرة تعكس أحداثا متباعدة ومعزولة، بل إنه يرقى إلى سوية المؤشرات على حدوث اختراقات حقيقية في طريقة تناول قضيتين مركزيتين لطالما ألقتا ظلاهما على مصائر شعوب اثنتين من أهم مناطق العالم وأكثرها حيوية وحراكا، الشرق الأوسط والأمريكيتين، فلقد شكلت هافانا والقدس أساسين متينين لمنظومات وتحالفات وعداءات وخصومات وطنية وإقليمية ودولية، ومحورين رئيسيين لإشعال أو نزع فتيل مروحة من بؤر التوتر حول العالم، وصعود أنظمة ومنظومات سياسية وغير سياسية وسقوط أخرى.
هل هي صحوة ضمير؟ لن نعلل النفس بمثاليات لا مكان لها من الإعراب في عالم السياسة والمصالح، خاصة أن موازين القوى العالمية والاقليمية والمحلية لا تزال على حالها، لكن هذا الواقع المستجد قد يشكل منعطفا في الأسلوب التقليدي لمعالجة النزاعات بمختلف أنواعها، ونقطة انطلاق يمكن البناء عليها نحو الانفلات من عقدة صراع الحضارات إلى مرابع تجاور الحضارات، بعد أن ذهب أدراج الرياح مصطلح حوار الحضارات، الذي شغل العالم خلال العقود الزمنية القليلة الماضية، وعولت عليه الأمم والشعوب كثيرا بلا طائل، واعتبرته طوق نجاة للبشرية من أزمات باتت مستعصية تنخر في باطن سفينتها بلا كلل أو ملل. وبالتالي، فإنه يمكن القول إن هذا المستجد يشي بعقلية جديدة لا يمكن المرور عليها مرور الكرام ولا بد من التقاط مدلولاتها والذهاب بها إلى أقصى حد ممكن وفي جميع الميادين.
وهل هي صدفة أن يولد هذا المستجد من رحم الجبهة العالمية لمحاربة ما يسمى بالإرهاب؟ بالتأكيد، لا.. ذلك أن هذه الجبهة المحتدمة شهدت بدورها تحولا آخر لا يستهان به كذلك، حيث راحت تتعالى أصوات الساسة والمفكرين مطالبة باستبدال البارود بالأفكار في هذه الحرب الجهنمية، التي لا تعترف بالحدود والجبهات والمتاريس، بل تخترق جميع الوسائل التقليدية للصراع وصولا إلى العقل، حتى بات يطلق عليها «حرب الأفكار»، المشفوعة بالقيم والمبادئ والأخلاقيات، التي لا يمكن للبشرية أن تعيش في ظلها إلا بتجاور لا يخلو بدوره من صدام وحوار، لكن بعيدا عن أوهام الانتصارات والهزائم الكبرى والحاسمة.
وبالعودة إلى هذا المستجد في شقه الكوبي- الفلسطيني، يمكن القول إنه رغم الاختلاف الظاهري في طبيعة كل من القضيتين، في بعديهما الوطني في الحالة الفلسطينية والأيديولوجي في الحالة الكوبية، إلا أنهما تشكلان نموذجا مثاليا للترابط الموضوعي بين مصائر الأمم والشعوب وتأثير وتأثر كل منها بالآخر، ليس من باب الفذلكة الكلامية وإنما من باب الواقع ومعطياته، لا سيما وأن الظلم لا يتجزأ في أي حال من الأحوال، فالحصار شقيق الاحتلال والعدوان هو العدوان أينما وكيفما وق ، ما يفسر، بداهة، طبيعة التحالف التاريخي العضوي بين الولايات المتحدة والغرب والدولة العبرية من جهة، والتقارب التاريخي العضوي بين كوبا وفلسطين وبقية الشعوب المستضعفة في الأرض من الجهة الأخرى، ما يعني أن البشرية تمر في مرحلة انكشاف غير مسبوقة تستدعي حالة مماثلة من المكاشفة على قاعدة التجاور في ظل استحالات لا تعد ولا تحصى.
لكن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه في هذا المقام وتثيره موجة التهليل العالمية بالانفراجتين اللتين تشهدهما القضية الفلسطينية والقضية الكوبية هو: هل حقا يمكن الحديث عن طي صفحتين ثقيلتين تنطويان على مرارة أطول صراعين في التاريخ الحديث للإنسانية؟ بكل تأكيد سيكون ضربا من السذاجة الذهاب بهذا الاتجاه في ظل عدم إحداث أي تغيير حقيقي في مسألة رفع الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على الجزيرة الكاريبية منذ عام 1961، حيث تنتظر مؤسسات تشريعية أمريكية هذا الملف بالمرصاد، وفي ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين، كل فلسطين، حيث تنتظر الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين أنيابا حادة لمؤسسات تشريعية وسياسية وقضائية كثيرة، ما قد يجعل المسألة برمتها زوبعة في فنجان ولو إلى حين، لكن ما لا شك فيه أن العالم يشهد رجرجة في أساسات البنى التي قام عليها إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، بما فيها بنية الأمم المتحدة القائمة على خلل واضح في التوازن ما بين هيكلية جمعيتها العمومية الموسعة ومجلسها الأمني الضيق.
بيئة موضوعية خصبة لا ينقصها إلا تفعيل العامل الذاتي في كلا الحالتين، حيث تتصدر ملفات المصالحات الوطنية والخروج برؤى وطنية موحدة المشهد الذي يحتاج في ما يحتاجه إلى الخروج للعالم بخطاب واحد متماسك ينبذ الاحتلال والحصار، ويخرج التجربتين من ظلمات التشتت والانقسام ويجسر الهوة ما بين مكونات كل من الشعبين الفلسطيني والكوبي السكانية والسياسية المنتشرة من رام الله إلى غزة مرورا بالشتات الفلسطيني ومن هافانا إلى ميامي، وذلك على قاعدة التجاور والمساواة في المشاركة بصنع القرارات المصيرية والحياتية للناس ونبذ الأوهام.

٭ كاتب فلسطيني

باسل أبو حمدة