< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

حكايات سورية على متن حافلة تركية بطيئة… لجوء اوروبي وقهر وذل في الشتات وبراميل النظام المتفجرة في الداخل

انطاكيا ـ «القدس العربي» خمسة سوريين يجلسون في آخر مقعد من الحافلة التي تنافس السلحفاة في البطء، وتتجاوز ظهر الحصان في شدة الصعود والهبوط والقفز لدرجة ينطح فيها الراكب السقف كل خمس دقائق، إنه المقعد الخلفي الأخير الذي لا يتسع سوى لخمسة سوريين مرغمين على الجلوس فيه، ورغم ضيقه وارتفاعه عن غيره بشكل أقرب لسقف الباص إلا أنه كان يتسع لكل الآلام والآمال ولبعض من الأحلام الصغيرة.
«خيو إش بتشتغل انت» أجبته أنني أعمل في الصحافة، وبلهجة حلبية أصيلة تابع «أنا اسمي أبو عمار.. الله لا يوريك إش عبصير فينا هون» ولدى سؤالي له عما يحدث معه، ومحاولتي معرفة قصته التي جعلته في حالة من اليأس والحزن، بدأ أبو عمار برواية قصته قائلا: «أتيت إلى تركيا منذ ستة شهور للعمل وتأمين بعض المال لاستئجار منزل وجلب أسرتي من حلب، علها تنجو من براميل النظام التي تهطل مطراً علينا كل يوم».
تقاطعه السيدة التي كانت تسند رأسها إلى زجاج النافذة وكأنها تريحه من كم هائل من الأثقال التي يحملها والأعباء التي يكل بالتفكير فيها، قالت: «طيب مو انت صحفي، لازم تكون بتعرف كل شي»، وبعد أن أجبتها بأنني أعرف بعض الأمور ولا أعرف كل شيء، سألتني حول البطاقة التي يتم إصدارها للسوريين في تركيا وهل تمنعها من السفر إلى زوجها الذي حصل على لجوء في السويد، وهل من الممكن أن تقوم الحكومة السويدية بإعادتها إلى تركيا هي وطفلها الذي كان يرقد في جحرها ويشعر بالدوار بعد أن دارت الحافلة به وبأمه ببطء يصيب بالغثيان.
وتابعت السيدة أم أحمد والتي قالت انها من مدينة «بنش» في ريف إدلب: «الله يقطع عمرهم الاجانب كلهم، أنا بدي أعيش في بنش، وما بدي لا تركيا ولا السويد ولا غيرها، بس جوزي الله يسامحه تركنا وراح عالسويد، وما في حل غير انو نروح وراه».
أم أحمد أخبرتنا أنها تشعر بالذل والمهانة كل يوم، على رغم أنها لم تتلق إساءة مباشرة من أحد، لكنها وحسب قولها «تلاحظ نظرات المواطنين الأتراك لها، فمنهم من ينظر إليها كفريسة سهلة المنال، وآخرون ينظرون إليها بعــين الشفقة، وهي تكره النظرتين وتمقتهما».
يسكتها أبو عمار، الشاب الحلبي باستدراك حديثه ويقول: «ذهبت إلى «نيزيب» فور دخولي إلى تركيا حيث يقيم أبناء عمومتي الذين وجدوا لي عملاً بأجر لا يتجاوز خمسمائة ليرة تركية في الشهر، كنت أقوم بخدمة سبعة وعشرين من العجول في إحدى المزارع لقاء ذلك الأجر، ورغم صعوبة العمل إلا أنني اعتدت عليه وبدأت أنجزه في ساعات قليلة، ما دفع بصاحب المزرعة لاستخدامي في أعمال أخرى إضافية وبالأجر نفسه».
ويضيف: «لم أقبل بذلك، فتركت العمل إلا أنني لم أجد أفضل منه، وأنا الآن كما ترى عدت من نيزيب إلى عنتاب وبعد وصولي لأنطاكية سأنطلق مباشرة إلى حلب، وأقيم مع أسرتي التي لن أستطيع إخراجها من جحيم القصف… خلينا نموت بكرامتنا تحت البراميل أحسن ما نموت قهر وذل هون».
الحافلة القادمة من مدينة عنتاب باتجاه أنطاكية جنوب تركيا، تمر على أكثر من عشرين قرية في طريقها، ويتبدل ركابها مرات عديدة قبل أن تصل، بحيث تقطع مسافة مئتين وخمسين كيلومتراً خلال أربع ساعات ونصف، في حين أن المسافة تتطلب نصف الوقت تقريباً، ما يجعل التعب والضجر يسيطران على معظم الركاب مما يجعلهم في حالة مزاجية سيئة.
وفي لحظة صمت فيها الجميع، تنهدت فيها إحدى السيدات في المقعد ما قبل الأخير وقالت: «الله يلعن هالعمر» فبادرت لسؤالها عن سبب جملتها هذه وماذا حدث معها وجعلها تنطق بذلك، فبدأت بحكايتها هي الأخرى: «ذهبت في زيارة إلى أقاربنا في اسطنبول، وأدركت منذ وصولي أن الناس تغيرت كثيراً عن السابق، فقد كان استقبالهم باهتاً، ووجوههم تعبر عن دواخلهم، بقيت يومين فقط وقررت العودة إلى أنطاكية، حيث كنت وأولادي ضيوفاً غير مرغوب بهم».
وتكمل: «إلا أن الحظ السيئ أبى إلا ان يرافقني، فطريق اسطنبول يستغرق خمس عشرة ساعة، إلا أنني ومنذ ثلاث وعشرين ساعة على الطرقات الطويلة وفي الحافلات التركية باردة القلب والدم، بعد ساعات طويلة توقفت الحافلة معلنة وصولها لأجد نفسي وأطفالي في عنتاب بدل أنطاكية، على الرغم من انني حجزت إلى أنطاكية ولا أعرف كيف حدث ذلك، ما اضطرني للركوب في هذه الحافلة التعيسة من عنتاب لأصل إلى منزلي في أنطاكية».
كان من المفترض أن أنزل من الحافلة قبل أنطاكية بحوالي ثلاثة عشر كيلومتراً حيث أقيم، وباستغراقي في الحديث مع السوريين ركاب المقعد الخلفي نسيت ذلك، لأجد نفسي في وسط أنطاكية فجأة، ابتسمت وأخبرتهم جميعاً أن ما حدث معي ومعهم يدل على تشتت أفكارنا ومعاناتنا جميعاً كل بحسب قصته وظرفه.
وعلى الرغم من فقرهم جميعاً وتعبهم وإرهاقهم، بدا الجميع مصرين أن أتناول وجبة الغداء معهم وعلى حسابهم في مكان ما، أو في منزل من يمتلك منزلاً، كرماء حتى في أقسى ظروفهم وأصعب حالاتهم، رغم أنهم «سوريون على متن حافلة تركية بطيئة».

محمد اقبال بلو