whotrades7
0
All posts from whotrades7
whotrades7 in whotrades7,

من «جنيف2» إلى «حلب أولا» عبثية الحل في سوريا

بعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام على الانتفاضة السورية والتي خلفت وراءها أكثر من 200.000 قتيل سوري وأكثر من 10 ملايين لاجئ وجرت إليها الولايات المتحدة وروسيا وعددا من دول المنطقة، وبعد فشل كل المبادرات السياسية لجمع أطراف الأزمة والتوافق على حل سياسي، استقال خلالها مبعوثان دوليان لتحول المهمة الخاصة التي أوكلت لهما للمهمة المستحيلة، تخرج علينا الأمم المتحدة أخيرا بخطة عمل وليس مشروع حل. ونعني بها مبادرة «حلب أولا» التي طرحها مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا دي ميستورا في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
وتقوم خطة العمل على فكرة التوصل لاتفاقيات وقف إطلاق النار، محلية الطابع تهدف أولا لتحسين الأوضاع الإنسانية في المناطق المحاصرة و«تجميد» الحرب بشكل تدريجي في أماكن أخرى. وفي شكلها المتواضع تؤكد خطة دي ميستورا استعصاء الحرب الأهلية السورية التي تعتبر من أكثر النزاعات دموية يشهدها القرن الحالي على الحل.
وسيجد من تبقى من سكان مدينة حلب التي كانت جوهرة البلاد وعاصمتها التجارية ويعيش فيها 3 ملايين نسمة، في الخطة مساحة للتنفس بعد سنوات من الحرب التي لم يعد يهمهم من سيكون المنتصر فيها.
وبالتأكيد ففي الحرب الحالية تبدو الأطراف كلها خاسرة وعاجزة عن تحقيق ما تريد. ورغم طابع الخطة الإنساني ورؤيتها المتدرجة للحل في سوريا إلا أن هناك العديد من العوامل تقف أمام تنفيذ خطة دي ميستورا.
فحكومة بشار الأسد وإن رحبت بالخطة وستقوم بدراستها لكن مجرد طرح الخطة وعودة المبعوث الدولي إلى دمشق وعرضه الخطة فإنه يعطي النظام أهمية. وبحسب إميل هوكاييم، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الدولية «طبعا لن يقولوا لا»، فـ «الأسد يحب كل شيء يعزز من شرعيته» كما نقلت عنه مجلة «إيكونوميست».
وترى المعارضة السورية في خطة دي ميستورا تطويرا لما تقول عنها الحكومة السورية «المصالحة الوطنية»، والتي ترى فيها استسلاما. فاتفاقيات وقف إطلاق النار المحلية حدثت ضمن سياقين: الأول حصار القوات الحكومية لمناطق المعارضة ولم يعد أمامها سوى واحد من خيارين الجوع أو الإستسلام. أما السياق الثاني الذي تحدث فيه اتفاقيات الهدنة فعندما تعتقد الحكومة أن هناك مصلحة يمكن تحقيقها لشراء الوقت مثلا، أي إعادة نشر قواتها في مكان آخر. ويمكن النظر إلى سلسلة من «المصالحات» التي حققتها الحكومة في المناطق المحيطة في دمشق، المعضمية وحمص حيث اضطر المقاتلون للمصالحة حماية لأرواح المواطنين ولإنهاء حالة الحصار والتجويع. واستخدمها النظام للتوسع أو الحفاظ على الوضع القائم. ومشكلة وقف إطلاق النار المحلي أنه ليس حلا دائما ويعتمد على نوايا كل طرف ومن السهل خرقه.
وما يدعو نظام الأسد لتقبل إن لم يكن الحماس لخطة دي ميستورا، هي الحملة الأمريكية ضد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» حيث حررت النظام من الضغوط التي كان يتعرض لها، وسمحت له بتكثيف عملياته ضد المعارضة، وحقق بعض التقدم في مناطق حول مدينة حلب بعد عام أو أكثر من حالة الجمود التي اعترت الجبهة.
وهنا نشير للرؤية التي دفعت دي ميستورا ليطرح «خطة العمل» ويحاول تسويقها أولا في دمشق ومن ثم في القاهرة والدوحة واسطنبول، وهي افتراض عدو مشترك للنظام والمعارضة أي تنظيم الدولة الإسلامية. وقال دي ميستورا في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إن «داعش» «يهدد استقرار الجميع». وقال إن «هناك عاملا واحدا أساسيا. ما هو؟ إنه «داعش» الدولة الإسلامية في العراق والشام. الإرهاب». وأضاف دي ميستورا: «ثانيا.. ما من منتصر، أتعتقدون أن طرفا قد يفوز (بهذه الحرب)؟ الحقيقة هي لا أحد، ولهذا السبب نطرح فكرة البدء بنموذج واحد أساسي على الأقل هو حلب». وحاول خفض سقف التوقعات وحذر من «الحديث بأننا نملك خطة للسلام وأنه ما هو إلا طموح ومضلل. لكن لدي ولدينا خطة للعمل. وتبدأ خطة العمل من الميدان: أوقفوا القتال وقلصوا العنف».
وذكرت بعض التعليقات في الصحف البريطانية على الخطة أن اختيار دي ميستورا لحلب نابع من قلقه من أن تلقى مصيرا مثل مصير حمص التي دمرت مدينتها القديمة، ولأن المعارضة لا تزال تحتفظ بحضور متماسك في داخلها، مع أنها الآن محاصرة وتتحدث عن «معركة المصير» لأن خسارة مواقعها في المدينة تعني نهاية لحضور المعارضة في الشمال. وتعاني المعارضة هنا من أزمة نابعة من تشرذمها بسبب الحملة الأمريكية التي استهدفت جبهة النصرة أولا قبل استهدافها «داعش» وهو ما أدى حسب تقارير لانشقاق الكثير من مقاتلي المعارضة للجماعات المتشددة بما فيها جبهة النصرة، خاصة أن الأخيرة تحظى على خلاف «داعش» باحترام بين فصائل الجيش السوري الحر.
ويسود اعتقاد واسع بين المقاتلين في الشمال أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة يعمل لخدمة النظام السوري. وعزز هذا الإعتقاد الرسائل السرية التي تبادلها الرئيس الأمريكي أوباما مع المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران ووعد فيها بعدم استهداف النظام السوري الذي يلقى دعما قويا من طهران.
ومن هنا رفضت المعارضة السورية المقترح الذي قدمه دي ميستورا. ونقلت صحيفة « الغارديان» عن هادي البحرة، رئيس الإئتلاف الوطني السوري قوله أن الحديث عن اتفاقيات وقف النار محلية الطابع لن تفيد سوى النظام السوري إلا إذا أرفقت بحل سياسي شامل. وقال البحرة في تصريحات لصحيفة «الغارديان» إن «التحالف يقاتل ظاهر المشكلة الذي هو الدولة الإسلامية من دون التصدي لأصل المشكلة الذي هو نظام بشار الأسد». وأضاف: «التحالف يضرب أهداف الدولة الإسلامية ويغض النظر عندما يستخدم طيران الأسد البراميل المتفجرة والصواريخ ضد أهداف مدنية في حلب أو في أماكن أخرى». وتعبر تصريحات البحرة عن موقف عدد من قادة الفصائل سواء في ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي الذين رفضوا خطة «تجميد» القتال.
ووضع عدد آخر من القيادات عددا من الشروط للقبول بخطة دي ميستورا. ونقلت مجلة «إيكونوميست» عن قيادي في المعارضة داخل حلب مطالبته بوقف الغارات الجوية ورمي البراميل المتفجرة، وإطلاق سراح المعتقلين الذين يقدر عددهم بحوالي 85.000 معتقل، وخروج «الميليشيات الإرهابية الإجرامية» الموالية للحكومة، (ويعني المقاتلين الذين تدعمهم إيران من العراق ولبنان ومناطق أخرى)، وتسليم المسؤولين عن جريمة استخدام السلاح الكيميائي. وهي مطالب قد تبدو مستحيلة وتبجحا لكنها لم توقف الدول الداعمة لهم في الغرب ودول الخليج من محاولة دفعهم على مواصلة حرب النظام، خاصة في الجنوب حيث حققت الجبهة الجنوبية سلسلة من التقدم ضد قوات النظام.
تقترب خطة دي ميستورا في جوهرها من المطالب التركية لإنشاء «مناطق آمنة» في شمال سوريا خالية من الغارات الجوية وتسمح بتدريب المعارضة وتحضيرها وإدارة المناطق الخاضعة لها. وهو ثمن طلبه الرئيس التركي طيب رجب أردوغان، مقابل مشاركته في الحرب ضد «داعش». لكن دي ميستورا يهدف في النهاية من خيار «حلب أولا» التركيز على أولوية الحرب على الإرهاب، بدلا من «خيار الأسد أولا» الذي تطالب به المعارضة السورية.
ويقول داعمو المبادرة إن الهدنة المحلية أنقذت حياة الناس، بحسب دراسة أجرتها مؤسسة عمل مدني سورية بمشاركة مع مدرسة للندن للاقتصاد ودرست 35 اتفاقا محليا بين النظام والمعارضة.
ورغم ذلك تذكر مبادرة دي ميستورا بجنيف2 وإن كانت على قاعدة مصغرة، ومتواضعة في طموحها، ونجاح فكرة التجميد رهن في النهاية بطريقة تفكير النظام الذي يسوق الفكرة باعتبارها فكرته، وهو وإن وافق عليها مبدئيا إلا أنها ستضيع في التفاصيل الذي يتقن النظام إدارتها.

إبراهيم درويش