< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

قراءة في «السوريون الأعداء» للروائي فواز حداد: مقبرة الذكريات غير المرشحة للنسيان

أفرجت ثورة 2011 عن ذاكرة السوريين الجمعية، وأطلقت العنان لانبثاق تاريخ كاد أن يتلاشى من كثرة التزوير، ومن كثرة ما ضرب حوله من حواجز سعت، بمجملها، إلى محوه ومحو آثاره؛ بيد أن مكر التاريخ أقوى من النسيان ومن الحواجز.
يقدم الروائي السوري فواز حداد عبر «ملحمته» الصادرة عن دار الريس «السوريون الأعداء»، رواية تخطف الأنفاس، وتنكأ جرحاً لطالما كان حاضراً في أعماق جيل، لا بل أجيالٍ من السوريين، الذين نشأوا في عهد «السلالة الأسدية»، هذا انه بات لآل الأسد، حكام سوريا «الحديثة» منذ ما يقرب من خمسة عقود، سلالة خاصة بهم، اكتمل نموها بالتمام والكمال، مع استيلاء الأسد الابن على مقاليد الحكم.
تغطي الرواية حقبة كاملة تمتد من أولى طلقات الانقلاب العسكري الذي قاده «الرئيس الراحل» ضد رفاقه في الستينيات، وحتى اللحظة الراهنة من اكتمال الجريمة التاريخية، حقبة تمتد على حوالي الخمسة عقود من حكم «السلالة الأسدية» وتفرعاتها. ولا شيء جديدا. وكأن الزمن يكرر نفسه مرات ومرات، عهد دموي، منذ ان انتصب «الرئيس الراحل» في سدة الحكم، وحتى وصول ابنه طبيب العيون، واستولى على الحكم بانقلاب دستوري، أطلقت عليه اللغة الركيكة في أثنائه «بالتعديل الدستوري».
وفي الوقت الذي بدت فيه سوريا أشبه بالصندوق الأسود الذي يصعب معرفة ما بداخله، أثبتت الذاكرة الجمعية انها قادرة على استحضار أدق التفاصيل، خصوصاً أولئك الذين عاشوها وذاقوا من ويلاتها ما يصعب تخيله.
اختبر السوريون عسف نظام الاسد في مناسبات عدة، وكانت «مذبحة حماه» واحدة من تلك اللحظات التي تجلى فيها نظام الأسد على حقيقته المطلقة. نظام مستعد لارتكاب أعنف الجرائم في سبيل الحفاظ على استمرار حكمه للسوريين.
في حماه 1982، كان القتل سهلاً إلى درجة تثير الإحباط، اقترف جنود الأسد القتل، وكأنه مسألة عابرة في حياتهم اليومية، يقول حداد: «الإعدام تم ببساطة، انصرفوا، الجنود إلى الطعام، والأموات إلى الموت». كان يسود اعتقاد لدى قادة الجريمة، أنه من الممكن التلاعب بالتاريخ، وأن الناس قد تنسى مع الوقت، وان الجريمة يمكن تحويلها من جريمة إلى مواجهة للإرهاب، كما حدث في مرات كثيرة حيث حول «القائد الخالد» انقلابه العسكري إلى ثورة عارمة.
ليست الرواية التوثيقية بجنس غريب على الأدب السوري، فالرواية السورية الحديثة تزخر بهذا الجنس الروائي، بل اننا من الممكن ان نقول إن الرواية التوثيقية هي الأبرز على هذا الصعيد، ولهذا أسبابه ودلالاته.
«فالرقيب»، وهو عبارة عن حوالي سبعة عشر جهازاً امنياً، كان قد منع أي شكل من أشكال التوثيق وكتابة التاريخ، حيث أحصى على السوريين أنفاسهم، وعلى امتداد خمسة عقود، لم يكن من تاريخ للسوريين سوى التاريخ المعتمد من قبل أجهزة أمن نظام الأسد الخالد.
وكأن والأمر كذلك، لابد من التحايل على سلطة الرقيب هذه، فنشأت الرواية التوثيقية، موظفة أدوات العمل الروائي من التخييل واللعب بالزمن، وابتكار الشخوص، لتسهم جميعها، في إلقاء الضوء على جزء من تاريخ المسحوقين، ولتقول عبر لغتها، إن التاريخ لا يمكن دحضه، وإن صوت المقهورين يبقى حاضراً في تلافيف الذاكرة الجمعية حتى إن كان خافتاً.
تشير رواية حداد إلى تفاصيل حاسمة في أهميتها، مجزرة حماه عام 1982، كانت مقدمة لمجزرة سيرتكبها نظام الأسد بعد عام 2011؛ ولا فارق نوعيا على هذا الصعيد، سوى على مستوى الكم، حيث تحولت سوريا كلها إلى حماه.
يقول حداد: «الزاوية الكيلانية، سويت بالأرض، الجرافات لم توفر حتى القبور، عظام أمواتنا طحنت بترابها، أجساد قتلانا ذهبت بها الشاحنات إلى مقابر جماعية، مثوى اهلنا بات في الذاكرة) ص114؛ يكاد يكون هذا التوصيف مطابقاً بالتمام والكمال لما يحدث اليوم على أرض السوريين، في حمص المنكوبة، وفي ريف إدلب، في محيط دمشق وفي درعا.. وفي كل بقعة من سوريا تجرأ فيها من قال لا لسلطة السلالة الأسدية.
وكما كانت «النواعير بدورانها اللامبالي، الشاهد الكفيف على ما عاناه أهلها من فظائع وتنكيل» في مجزرة سنة 1982، كانت أيضاً شاهداً أخرس على مجازر حماه منتصف سنة 2011، حيث انتفض «الحموية» على حكم الأسد وخرجوا إلى الشوارع عن بكرة أبيهم، لتحصدهم رشاشات الأسد الابن، باستعادة تراجيدية تكاد تتطابق على صعيد المحتوى مع سياسات الأسد الأب، في سعي كلا الأسدين، إلى إعطاء السوريين درساً في الانصياع والمهانة.
إلا ان الزمن على صعيد الضحية، تغير، وبات للتاريخ – تاريخ هذه الضحية ذاتها- عيون وآذان، تتحدى النسيان، وتشير إلى أنه بات للضحية صوتها الذي يتجلى بعشرات الأشكال والصور، فاليوم أصبح موت السوريين مرئياً ومباشراً، ولا مجال لتزويره بعد الآن.
لا يغرق حداد في تفاصيل باتت مكررة، فلا يغوص كثيراً في تفاصيل سجن تدمر الذي بات معروفاً بشكل جيد من قبل السوريين، كما يكتفي بصور سريعة حول مجازر حماه، ولا يستغل في هذا السياق عاطفة القارئ، ينحو إلى التجريد في أكثر مواضع الرواية، ويكتفي بالصورة لمقاربة تجريده، فيصبح «المهندس» وهو أحد الشخصيات المحورية في الرواية، هو مهندس نظام الأسد، وهو الصورة الأعمق التي تتجلى عبره بنية النظام وتركيبته.
وفي ذلك إشارة حاسمة في أهميتها، إذ لا وجود ولا شرعية للفصل بين الأسد وبين نظامه، فكلا الطرفين يشيران إلى بنية النظام المتماسكة التي يصعب الفصل فيما بينها، الجميع هنا هو النظام: الأجهزة الأمنية، وقادة حزب البعث، والقصر الجمهوري، ومشايخ الطائفة الكريمة وشبانها المغرر بهم، جميعهم يشكلون بنية النظام الأسدي.
لا حرس قديم، ولا حرس جديد، الجميع في هذه المعادلة متورطون بالدم السوري، وهو شيء أثبتته ثورة 2011، حيث شدت أطراف النظام إلى بعضها بعضا وأنهت السجال حول وجود أجنحة داخل هذا النظام، وأثبتت أن الأسد الابن، امتداد للأسد الأب، وان كلا الأسدين هما الواجهة الأكثر تماسكاً للنظام الحاكم. يتصارع المنتصرون على كتابة التاريخ أو تزويره، ويتبدى التاريخ، تاريخين، واحدا يخيم عليه الصمت والكتمان، وآخر تضج به حناجر المنتصرين، وتبقى حكاية المقهورين بانتظار من يرويها.
ويتناقل «شهود العيان» حكايتهم جيلا عن جيل، بانتظار عدالة ما تعيد الصوت إلى المقهورين، وليست «العدالة هنا هي الثأر أو الانتقام، إنها تدمير الدولة الظالمة.. ينبغي محوها من الوجود، هذه هي العدالة، ألا يتكرر ما أصاب مئات الآلاف من التنكيل وأصاب بلداً يرزح تحت دبيب الموت والخوف- من الرواية»، يكاد حداد يخاطب جمهور السوريين المنكوبين اليوم، ويحذرهم من الانتقام والثأر الذي لا يبني وطناً لجميع سكانه، وتكاد تكون رواية حداد صرخة، تشير إلى حجم الفاجعة المستمرة منذ اكثر من خمسة عقود.
كاتب سوري*

صبر درويش*