< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

ناشطة من حلب: أحرقوا قلب والدي في حكم الأسد الأب وما زلنا نحلم بالحرية

انطاكيا ـ «القدس العربي:» لم يتمكن والد ياسمين وهو الآن في منتصف عقده السادس من زيارة سوريا منذ ثلاثة وثلاثين عاما أي منذ «أحداث حماة» كما يطلق عليها السوريون والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف على يد النظام السوري في الثمانينيات، لكن ياسمين «عملت بكل طاقتها كصحافية وفي الدعم الإغاثي والإنساني في المخيمات داخل دول اللجوء من أجل نصرة الثورة السورية التي بدأت عام 2011.
تقول ياسمين وهي ناشطة إنسانية من مدينة حلب بحديث خاص لـ «القدس العربي»: «أحرقوا قلب والدي ثلاثة وثلاثين عاما، لذا كبرت وكبر معي كرهي لنظام البعث القمعي وحقدي بسبب حرمان والدي ومئات آلاف المهجرين معه من أن يتنسموا هواء الوطن، ثمنا لكلمة حق في وجه سلطان جائر».
تتابع «كنت صغيرة جدا أيام الثورة الأولى أي «أحداث حماة»، ولكني ما زلت أذكر حين كان يتهامس الأهل والاصدقاء عن شيء ما يسمونه الأحداث، وما لبثت أن اكتشفت لاحقا بأنها أحداث حماة أو مجزرة حماة، حيث قام النظام حينها بحملة اعتقالات لمعارضيه، والتي تركّزت في أوساط الإسلاميين وبيئتهم الحاضنة، وشملت العمل المنظّم على تفريغ البلاد من نخبها وقياداتها ومثقفيها».
تبين ياسمين أن الاسد الأب «حافظ» اتبع حينها سياسات ممنهجة لإخضاع الناس بالتجويع والحصار الاقتصادي القاتل على السوريين، بهدف إخضاعهم وإلهائهم وحصر همومهم بالحياة المعيشية اليومية، وهكذا وقف السوريون في الطوابير الطويلة للحصول على رغيف خبز أو كيلو سكر أو شاي، وتم إحكام الأمر عن طريق المخصصات التموينية (الكوبونات) التي كانت توزّعها المؤسسات الاستهلاكية بالكفاف على الناس وتمنعها عن المعارضين منهم، وتم ربط كامل سبل المعيشة بما فيها المأكل والمشرب وحتى الزواج بالموافقات الأمنية التي تمنحها الفروع المخابراتية التي توالدت كالفطر في البلاد.
تقول: «الحياة أصبحت في البلد شبه مستحيلة، فقد كان النصف الثاني من الثمانينات الأصعب في حياة السوريين على الإطلاق، إذ لم يعد هناك من معارض ذي شأن للنظام، ومع الشعور بالأمان والاستقرار تحت تأثير السطوة المطلقة تفّرغ مئات الألوف من عناصر الأمن والمخابرات للتدخل بتفاصيل حياة الناس والمتاجرة بهمومهم ومتطلباتهم وحاجياتهم، وكان هذا الأمر يأخذ طابعاً طائفياً بحتاً، فجلّ الجهاز الأمني والمخابـــراتي ينحدر من العلويين الناقمين على الغالبية السنية على اعتبارهم البيئة الحاضنة للإخوان».
أما تحت حكم البعث، فقد ازداد غضب ياسمين بسبب الفساد، فالمدارس لم تكن سوى أجهزة قمعية لإنتاج أجيال من العبيد الذين يرضعون الذل وعبودية الأسد، والمشافي كانت أشبه ما تكون بإسطبلات الحيوانات بل لعل الحيوانات كانت تتمتع أحيانا بمعاملة أكثر إنسانية من هذه المشافي التي كانت تتزعمها عصابات مافيوية قائمة على الولاء للنظام والتبعية لأجهزة المخابرات والمتنفذين على حساب الجودة والمهنية والإنسانية.
وبينت أن سياسة التجويع والحصار الاقتصادي سمحت بملء جيوب عدد من كبار الضباط العلويين وأتباعهم من المقربين للنظام وتشكيل طبقة من الأغنياء المحدثين الذين نافسوا طبقة التجار الأصيلة في المدن، وهكذا كانت سوريا مكانا فقد فيه كل شيء معناه الحقيقي، وكأن لعنة قد حلت على كل شيء لتمسخ وجه المجتمع إلا ممن تفتح عقله بالعلم والدين والانفتاح على الآخرين من المجتمعات البشرية.
نقطة التحول بالنسبة لياسمين كانت مع ثورة البوعزيزي، فما زالت تذكر اليوم الذي عادت فيه إلى المنزل لتجد أنباء ثورة تونس تهز الدنيا، كما لا تنسى ذلك اليوم الذي قفزت فيه فرحا حتى عانقت الثريا يوم سقوط حسني مبارك، يومها دعت الأهل والأصدقاء للاحتفال بهذا الفرح العظيم، ووزعت الحلويات ابتهاجا وهي تبكي.
أما بالنسبة للثورة في سوريا، تقول ياسمين «لا أنسى هذا الفرح الذي انتظرته عقودا، الذي لا يشبهه شيء في درعا الأبية أولى هتافات الحرية فقد حررت أحلامنا وما زلت أشتاق كثيرا لتلك الأيام، أيام المظاهرات السلمية، وأحترق حسرة على ما فقدناه من شهداء، وما تشوه من نقاء ثورة كانت طاهرة كالسماء».
بعد أن تحولت الثورة من السلمية إلى العسكرة، شعرت ياسمين بالضيق لكن على حد قولها إن: قمع النظام وجبروته وظلمه دفع الثورة بهذا الاتجاه متعمدا، وكشفت هذه الثورة قبح العالم بعد التمزق والتنازع وتفرق الأهواء والتبعية للمال السياسي والإملاءات الخارجية ومرورا بعالم قــرر أن يتخلى عن ثورة شعب ليصفها بالحرب الأهلية الطائفية، ويترك الشياطين يصفون بعضهم بأنفسهم، فكل هذه العوامل ساهمت في نشأة التطرف ودفعه إلى واجهة الصراع وإن كان لا يعدو أن يكون نتيجة وليس سببا.
واليوم ما زالت إبنة الثورة الأولى والثانية تحلم بالعدالة والحرية رغم أنها فقدت الكثير من أهلها وتشرد من لم يتشرد بعد من أفراد عائلتها وتوزع على بلدان اللجوء، كما فقد ت العـــديد من أصدقــــائها الذين كانوا يعملون في الإغاثة في مدينة حلب ومنهم الناشط الشهيد أحمد خليفة الذي استشهد على إثر إصابته برصاصة قناص في ظهره. تختتم ياسمين بقولها: «سأبقى أواصل نشاطي بإذن الله مع منظمة المغتربين الحلبية، أنا وإخوتي، في مساعدة وإنقاذ ما نستطيع إنقاذه. أعرف أن هـــــذه المهمة صعبة والحمل ثقيل جدا، ولكن يكفينا أننا استيقظنا ونحن نعرف ما نريد فإما أن نصل إليه أو أن نكون قد فتحنا لمن بعدنا الطريق، فطريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة».

شمس الهادي