< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

هل الضمير الإنساني واحد؟ والمسلمون شركاء فيه؟

لنفترض أن مجموعة من المحايدين النزهاء واجهوا وضعا كان عليهم أن يقرروا فيه الاختيار، لأنفسهم ولغيرهم ولجميع الناس، بين الأزواج التالية من البدائل: المساواة بين الرجال والنساء في القانون والسياسة والعمل والزواج والحياة الأسرية، مقابل التمييز لصالح الرجال، والميل إلى عزل النساء في النطاق الخاص؛ الحرية الدينية لجميع الناس، بما في ذلك حرية عدم الإيمان بأي دين، وحرية تغيير الدين، مقابل إنكار هذه الحرية وقتل من يبدلون دينهم، والتمييز بين منسوبي الأديان المختلفة لمصلحة معتنقي أحدها؛ رجم المرأة والرجل الزانيين حتى الموت، مقابل اعتبار الأمر خاصا ما دام يجري دون إكراه؛ اعتماد نظام عقوبات عام، لا ينال من التكامل الجسدي والمعنوي للمعاقبين، مقابل نظام عقوبات جسدية مذلة معنويا ومؤدية إلى إعاقات جسدية؛ حرية الناس في ما يرتدون من ثياب، مقابل فرض أزياء معينة، على النساء بخاصة، تراقبها السلطات العمومية وتعاقب انتهاكها؛ إلغاء حكم الإعدام مقابل إبقائه والتحمس له؛ تفضيل الإعدام، حيث يمارس كعقاب، بأقل ألم ممكن، مقابل أشكاله الأشد إيلاما، الذبح أو الصلب أو الرجم؟
نفترض أيضا أن المُحكِّمين المحايدين النزهاء غافلون عن تضمينات هذه الأسئلة، ولا يعرفون شيئا عن ارتباطها بنظم دينية أو غير دينية. ما أمامهم ليس إلا مجموعتين من بدائل مفترضة للأسس العادلة لتنظيم المجتمع.
هل هناك احتمال لأن يختار هؤلاء العادلون الزوج الثاني من البدائل المذكورة، ويعتبرونها أكثر عدالة وأرفع إنسانية؟ هل هناك بناء محدد للضمير الإنساني يمكن منه اعتبار الزوج الأول من البدائل غير مقبول إنسانيا، وينبغي التخلي عنه وتبني الزوج الثاني؟ وفي النهاية هل هناك ضمير بشري واحد، يتجه نحو مثال كوني للعدالة، مثلما هناك عقل واحد، أم أن هناك ضميرين أو ضمائر متعددة، وأن القيم التي تقررها هذه الضمائر المختلفة متكافئة ولا مفاضلة بينها؟
للإسلاميين موقفان في شأن ما يمكن أن يسمى مبدأ الخصوصية الأخلاقية. موقف دفاعي يرى أن للمسلمين قيم عادلة تخصهم، وتميزهم عن غيرهم، وموقف هجومي يرفض مبدأ الخصوصية الأخلاقية، ويرى أن شرائع المسلمين وأخلاقياتهم أرفع من غيرها، وأن الشيء الصحيح هو تعميمها عالميا، وإن بالقوة (بعد مرحلة تبليغ وموعظة حسنة، ربما)، لأنها إلهية المصدر. وليس بين الإسلاميين من يقول جهارا إن قتل «المرتد» و»رجم الزانية والزاني» والتمييز ضد النساء في الميراث والشهادة، وإلزامهن زيا خاصا… أشياء غير عادلة، وينبغي طي صفحتها.
والحال أنه لا يمكن الدفاع عن مبدأ الخصوصية الأخلاقية أكثر مما يمكن الدفاع عن مبدأ الخصوصية الأبستمولوجية، أعني التعارض الجوهري بين نظم المسلمين الاجتماعية والسياسية وتفكيرهم وبين مناهج الإنسانيات الحديثة والمعاصرة. إقرار هذا المبدأ يؤول إلى العنصرية في مواجهة المسلمين، وإلى عنصرية المسلمين ضد غيرهم أيضا، أعني تمييز المسلمين ضد غيرهم تمييزا يستند إلى ما يكونه الغير وليس إلى ما يفعله، وتمييز الغير ضد المسلمين تمييزا يستهدفهم كمسلمين لا لأي شيء آخر.
ثم إنه أكثر توافقا مع الوحدانية، وهي عمود المعتقد الإسلامي، رفض الخصوصية، وتقبل مبدأ عقل إنساني عام وضمير إنساني عام، محتواه القيمي شامل للبشر. الدفع بالخصوصية قد يكون مسلكا دفاعيا عارضا عند الإسلاميين، لكن الموقف الإسلامي الأصلي هو موقف كوني.
هذا يعيدنا إلى الافتراض البدئي: هل المبادئ التي يمكن أن تكون أسسا عامة عادلة لتنظيم المجتمعات المحلية والحياة البشرية على الكوكب، تستمد من الزوج الأول من الخيارات أم من الزوج الثاني؟
لا نرى أن هناك شكلا ممكنا للضمير يمكن أن يبنى على تفضيل الزوج الثاني، ومحاولة تعميمه عالميا. لماذا؟ لأن هذا الشكل يقوم على تمييز متعدد المستويات، وعلى قسوة منفرة، ويثير حتما مقاومات، لا يمكن تذليلها بغير عنف لا يُحد. وهي تتعارض مع المثال الأعلى الأخلاقي الذي تشكل بفعل كفاح البشر وجهود أعدلهم: قيم الحرية والمساواة والكرامة الإنسانية ورفض التمييز على أساس الجنس واللون والدين وغيرها. هذا مثال أعلى غير محقق في أي كان، لكن ليس هناك مثال منافس جديا في مناظرة عادلة تجري بين أشخاص نزهاء عادلين. وكثير من المسلمين لا يتطلعون إلى غير هذا المثال أيضا.
لماذا نثير هذه القضية وننشغل بها؟ هل بدافع العدالة، أم أن هذا تنطع وافتعال لقضية بغرض النيل من دين المسلمين؟
ليس هناك أدنى افتعال للقضية في هذه المناقشة. رأينا ورأى ملايين الناس امرأة ترجم بتهمة الزنا، ورأينا أناسا يقتلون ويسحلون، ورأينا أيدي تقطع، ورأينا فرضا بالإكراه والزجر للنقاب على النساء، إلى درجة أن نقابا مطرز الحافة يوجب جلد المرأة أو «مُحرَمها»، ورأينا معاملة غير كريمة للامسلمين، ورأينا قتلا عاجلا لأشخاص لا يعرفون عدد ركعات صلاة الصبح. ليس هناك شكل متسق للضمير يمكن أن يستسيغ هذه المسالك أو يراها عادلة. الضمير الذي يُعدِّل هذه المسالك لا شكل له، عسفي واعتباطي. الإصرار على أن هذه الأفعال الفظيعة هي العدل، وأن «السيف رحمة للعالمين»، على ما يقول ناطقو «داعش» هو باب لطغيان لا ينتهي، يهرس عقول الناس من أجل القبول بما هو ممتنع منطقيا.
والقول إن هذه ممارسات شاذة لتشكيل شاذ اسمه «داعش» ليس جديا ولا نزيها. فـ»داعش» يطبق قواعد لم يقل أي إسلاميين «معتدلين» إنها غير عادلة ومرفوضة إسلاميا. لا يستطيع المرء المسلح بالكرامة أن يدين «داعش»، ثم يدافع عن هذه الأحكام.
ليس التنطع ما يدفع إلى هذا التساؤلات بل بالضبط الكرامة، كرامة عقولنا وكرامة ضمائرنا. ليس فقط لا نستطيع أن نتقبل هذه الممارسات دون إهانة أنفسنا، بل إنه لمن المهين أن لا ندينها. السكوت عليها وعدم مقاومتها يعطي فكرة سيئة عن المسلمين بقدر ما تعطيه هذه الممارسات ذاتها. أما تبرير هذه الممارسات باسم العدالة فهو إهانة للعدالة وللكرامة الإنسانية والضمير الإنساني. وإهانة لكرامة الإسلام والمسلمين أيضا.
لا يستطيع المسلمون صون كرامة دينهم دون التخلي عن هذه الأحكام، المجادل في بعضها إسلاميا، وبعضها يمكن اعتباره صورا تاريخية متقادمة ومتجاوزة للتنظيم الاجتماعي العادل. هذا ليس ميسورا، لكنه ليس أكثر امتناعا من الاستحالة الأخلاقية لتبرير هذه الممارسات باسم العدل. التوجه العام الذي يصون كرامة الإسلام والكرامة الإنسانية يتمثل في إعادة هيكلة التعاليم الإسلامية بحيث تسود الحرية على الإكراه، والرحمة على القسوة، والمساواة بين الناس على التمييز. هل هذا خروج عن الاعتدال؟ بل هو محاولة للتمسك بالمنطق. الاعتدال مع اللاعدل العنيف تطرف. ما هو الموقف «المعتدل» من الرجم؟ من قتل من فقد إيمانه أو لا يبالي بالدين؟ من استعباد غير المسلمين؟ من استعباد النساء؟
ويقيني أن من يدافع عن هذه الشرائع الجائرة لا يمكن أن يكون عادلا مع المسلمين أنفسهم أو حريصا على كرامتهم.

ياسين الحاج صالح