< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

فؤاد نعيم: بين زخارف الشرق وألوانه الحارة وقتامة العزلة

دون ناظم يربط لوحات المعرض، ودون خط زمني يتعالق مع تجارب الفنان السابقة، والمتباعدة، يتنقل المشاهد بين 27 لوحة للفنان فؤاد نعيم بنوع من الحيرة. المزاج المتقلب والعشوائي للمشاهد متوافر بكثرة. هنا يلتقي المشاهد والفنان على قاسم مشترك؛ كل شيء غير مرتب في حياتنا على ضفاف شرق المتوسط، والعمق أشد هولاً. لماذا إذن على اللوحة أن تشيع الفرح وحده؟
في معرضه في مسرح المدينة في بيروت، قاعة نهى الراضي، يعرض الفنان لوحات منفذة بألوان الأكريليك على قماش بأحجام متنوعة، تجد فيها البحر والمدينة والطبيعة الحية، أو الصامتة. ألوانها سوداء حيناً، أو رمادية، إذا بدأت بمشاهدة المعرض من اليسار مخالفاً للوصية. وإذا اتبعت الوصية ستبدأ بحرارة ألوان الشرق ببرتقاله وشجره. أما إذا اخترت أن تبدأ من الوسط، فإن الميثولوجيا ستتدفق من وسط القاعة سيئة التجهيز والإضاءة التي تغتال لون اللوحة لتضطر للاحتيال عليها بالذهاب يميناً أو يساراً اتقاء لشدة الإنارة المسلطة عليها. لعل الفنان يعرف أن شدة الإنارة تقلل من عمر لون اللوحة، ولذلك تمنع إدارات المتاحف المصورين من استخدام الفلاش في التصوير.
مع ذلك، تنسجم فكرة عدم أناقة الصالة مع الأفكار التي تقدمها اللوحات، فلا يليق بالعزلة إلا اللون الأسود وشقيقه الرمادي، كما لا يليق بالأسطورة والميثولوجيا سقف أنيق وزوايا رخامية.
ليس في حركة فرشاة نعيم ذلك النزق والضربات العشوائية، لكن التلوين الصارخ بالألوان الحارة، وفضاء اللوحة الذي يضيق مفسحاً المجال للكتلة أكثر مما يقوله الغرافيك، يحيل إلى طريقة رسم الأطفال من حيث عدم مراعاة النسب في اللوحة. هنا، المجال متاح للقول إن الحالة النفسية لنظام العزلة في باريس، حيث يقيم الفنان، ويتابع من هناك شرقه الذي يشتق الجراح، هي التي أعادت الفنان في هذه الجزئية إلى أجداده أصحاب العين الثالثة من فناني سومر وآشور المجهولين قبل آلاف السنين، حيث الفكرة هي الأهم، وحيث الإلهة بأثداء ضخمة وعجيزة كبيرة، كرمز للخصوبة، أهم عند ذلك الفنان من المعايير البصرية للجسد الإنساني.
وبسهولة، يلاحظ المشاهد الميل إلى الزخرفة، وهو معطى شرقي وأمريكي لاتيني مشترك، والزخرفة تستدعي بالضرورة الأحمر ومشتقاته، كما أن بعض اللوحات تستدعي الوجوه والأقنعة للسكان الأصليين في أمريكا اللاتينية.
حُسن يوسف يحتل صدر القاعة، تجاوره لوحة تعكس خيال زوجة الفنان، الفنانة نضال الأشقر. يوسف ونضال كأنهما ينظران كل منهما في عين الآخر.
من المعلوم أن الفنان فؤاد نعيم بدأ حياته المهنية مخرجاً تلفزيونياً ومسرحياً، ودخل مجال الفن التشكيلي من باب الشغف والهواية، ولذلك لا يستطيع ناقد نسب الفنان إلى مدرسة فنية محددة. كذلك، وفي هذا المعرض تحديداً، تطغى الفكرة على اللوحة، ولا منطق يقود إلى تفسير اللوحة إلا باللون وبالخلفية النفسية التي يفترضها المشاهد، أو قد يعكس المشاهد نفسه أزماته النفسية المتراكمة على اللوحة بغير ما أراد الفنان نفسه. لنأخذ لوحة شجرة الزيتون العملاقة التي تترنح خلفها بيوت وتتداعى. أي شبيه لذلك غير ما تنقله صور التلفزيون عن الدمار في سوريا وفلسطين، خاصة. أبنية نوافذها وجوه بشرية لا تحمل أي تعبير، وأغصان الزيتونة مكشوفة للريح، لكن خضرتها تستر عورات البيوت المترنحة.
الطبيعة الصامتة سوداء في الجزء الأيسر من القاعة، على عكس الطبيعة والخضرة والظلال الوارفة في الجزء الأيمن. ولو شاء الفن ترتيب اللوحات كرونولوجياً لوضع الوسط في اليمين، ثم اليمين في الوسط، وأما اليسار فيحتل مساحته بكل اقتدار، شأنه في ذلك دائماً.
لعل للعين السورية اليوم خياراتها النفسية في القراءة، ولعل للفنان فؤاد نعيم خياراته الفكرية التي عبر عنها لونياً، ولعل المسافة بين الميثولوجيا والقناع، وصولاً إلى الازدهار اللوني، ومن ثم السواد.. لعل ذلك كله يعيد اللون للطبيعة الصامتة، ويجعل الخيار الميثولوجي مجرد ماض، والمستقبل هو الحاضر الذي يختاره الإنسان المجسد بقوة في لوحات الفنان، وإن كان الفنان وهذا الإنسان حزينين.

كاتب وصحافي سوري

علي العائد