< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

«درب الساعي»: رحلة عبر الزمن ومحطات من تاريخ قطر

الدوحة ـ «القدس العربي»: السفر عبر الزمن وذكراه العالقة في أذهاننا كأحد المسارات الخيالية منذ الصغر، لم يعد مجرد حلم بعيد المنال، فهناك هوامش حقيقية لتجسيده فعلا، وبأبعاده المتعددة، ففي قطر وبمناسبة احتفالات الدولة بعيدها الوطني، جسد المنظمون للفعاليات ماهية السفر في الواقع، وجعلوا انتقال الناس من الحاضر إلى الماضي ثم الوصول إلى المستقبل أمرا ممكنا، عبر بوابة واحدة تحمل معها الزائر إلى دوحة العراقة والأصالة قبل نهضتها الشاملة. «درب الساعي» وهو عبارة عن مدينة متكاملة شيدت على مساحة تقدر بنحو كيلومتر مربع في قلب الدوحة وقرب منطقة الأبراج هي فكرة ملهمة عبرت عن رغبة صانع القرار في وضع أبناء جيله من الشباب والأطفال وحتى الشيوخ، في واقع البلد قبل عقود زمنية طويلة قبيل الطفرة الاقتصادية التي سجلتها الدولة، وتشكيل ملامح حقيقية عن قطر أيام زمان. على مدى أسابيع منذ بداية شهر كانون الأول/ديسمبر عاش القطريون والمقيمون والوافدون على البلد تجربة فريدة من نوعها من خلال مدينة وقرية «درب الساعي» التي سجلت إقبالا واسعا من الجميع رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً، قدموا وكلهم شغف للاستمتاع بالأنشطة المتنوعة. وبالانتقال عبر زمن قطر بمختلف محطاته.

قلعة وحي في مدينة

عند الدخول إلى المكان الذي تحول إلى الوجهة المفضلة للجميع ينتاب الزائر شعور غريب بأنه عاد إلى الماضي بكل تجلياته، وأنه انتقل فعلا عبر الزمن من خلال ملامح «الفريج» أو الحي التي تم استعادة كل تفاصيلها بشكل حقيقي وكأنها لوحة دقيقة رسمها فنان محترف، حيث الأرض جرداء على طبيعتها من دون أن تمتد لها يد الإنسان، أو تعبث بعذريتها، والمباني بهندستها القديمة والشوارع ضيقة وملتوية متناغمة ومتوافقة مع الطقس الحاد الذي يميز المنطقة ويتطلب صبرا وجلدا من السكان للتصالح معه ومع ظروفه. كانت المنازل متقاربة ومتقابلة والناس متجاورة ومتألفة كأنها أسرة واحدة ولم تكن تعرف الزخم المدنيّ الحالي وتعيش سوية كل لحظات الفرح والألم وتتشارك الأطراح والمسرات بقلب واحد.

اهتمام رسمي رفيع

إيمانا منها بأهمية هذه الرحلة عبر الزمن وما تمثله من تجسيد واستعادة لإرث البلد كان «درب الساعي» محل اهتمام أعلى السلطات، وافتتح القرية الشيخ عبد الله بن ناصر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية رفقة عدد من الوزراء، وشوهد مسؤولون رفيعو المستوى وهم يتجولون في أقسام المدينة القديمة والعصرية في الوقت نفسه، وتأكيدا على أن الدولة فتحت المجالات أمام شعبها لإظهار ما لديهم من إبداعات وإمكانيات مبهرة. واصطحب صلاح بن غانم العلي وزير الشباب ورئيس اللجنة المنظمة لـ «درب الساعي» عددا من زملائه الوزراء وهم علي شريف العمادي وزير المالية وجاسم بن سيف السليطي وزير المواصلات في جولة تفقدية داخل أروقة المخيم اطلعوا خلالها على الأنشطة التي تقدمها مؤسسات الدولة المختلفة للزوار. وحرصوا على مشاركة الزوار لحظة رفع علم قطر وإطلاق الألعاب النارية مصحوبة بالأناشيد الوطنية. وأبدى الوزراء سعادتهم وإعجابهم بمستوى التنظيم والمظهر الذي تقام من خلاله الفعاليات بما يليق بالمناسبة الوطنية العزيزة على قلب كل مواطن ومقيم على أرض قطر، والتي تصادف الثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر من كل عام. وقام المسؤولون إلى جانب الحضور بجولات وسط الأزقة القديمة في أجواء يطبع عليها الألفة والتناغم مع المكان مستعدين ماضيهم، وعبروا عن سعادتهم ورضاهم على هذا التنوع الذي تشهده هذه المساحة الصغيرة والتي نقلت كل ذكريات الطفولة العالقة ببالهم منذ سنوات طويلة.

خيالة وعرضة شعبية

وألعاب نارية

فعاليات متنوعة أقيمت يوميا بمسيرة تراثية للأطفال يقودهم «المطوع» إلى ساحة الموقع، وبعدها يتم رفع العلم القطري «الأدعم» بطريقة تراثية، مع عزف النشيد الوطني، لتتوالى العروض مثل مسيرة الخيالة، والعَرضة والألعاب النارية (الجراخيات) وعرض السيارات القديمة «المواتر».

جواز سفر للماضي

يحصل كل زائر عند دخوله القرية على جواز سفر يختم له الدخول إلى عالم الماضي، ثم يواصل رحلته في أركان وأجزاء المدينة حتى يصل إلى حاضر قطر ومستقبلها بوجود كل المؤسسات الحيوية في الدولة التي تخطط لتشييد مشاريع عملاقة وحديثة تطمح من خلالها أن تجعل من الدوحة حاضرة عصرية يشار لها في كل مكان. وكانت مؤسسة قطر للتربية والعلوم التي ترعاها الشيخة موزا بنت ناصر حاضرة بجناح كبير وواسع عمل على تعزيز روح الانتماء والهوية الوطنية من خلال الأنشطة التي تتميز بالإبداع والتشويق، والتي تساهم في التعريف بجهود المؤسسة الرامية إلى إرساء أسس اقتصاد المعرفة، والارتقاء بالقدرات البشرية والاجتماعية والاقتصادية الوطنية، بما فيها صالح الإنسان القطري.

«زمن الفرج»

يؤكد ناصر مبارك الخليفي رئيس فعالية البدع ضمن أنشطة «درب الساعي» أن الفكرة الرئيسية تم استحداثها بهذه المناسبة ونجحت في إدارة عقارب الساعة إلى الوراء من خلال العودة إلى الحياة في الماضي بكل تفاصيلها الدقيقة للفريج القديم (الحي) والمتكون من بيت المطوع والبيوت القديمة والمسجد والمقهى الشعبي، مشيراً إلى وجود العديد من الفقرات التراثية في البدع منها فلق المحار وخطف الشراع والدامة.
ونظمت جولات للعبة «التمبة» التقليدية التي شهدت إقبالاً كبيراً من قبل الصغار وأغلبهم يعرفونها لأول مرة، حيث بلغت الفرق التي شاركت في هذه المنافسة 12 مجموعة. وهي عبارة عن لعبة كرة قدم ولكن كما كانت تلعب قديماً بالطريقة التراثية حيث يلبس الصغار الثياب و»القحافي» ويداعبون الكرة في ملعب ترابي. وأشعرت الطريقة التي تلعب بها هذه المنافسة الأطفال بالسعادة والفرح أثناء اللعب حيث يكونون على طبيعتهم من دون الأدوات والملابس الحديثة الخاصة بلعبة كرة القدم. كما نظمت للحضور من الأجيال الحالية منافسات «خطف الشراع» وهي عبارة عن رفع الشراع لمحمل تقليدي وتحسب نقاط الفوز على حسب السرعة والدقة في خطف الشراع. ويعتبر «فريج البدع» الذي سجل منافسات عدة من أهم الأحياء التي تم استحداثها في درب الساعي وهي تشكل أحد أهم فرجان الدوحة القديمة بكل تفاصيله من بيوت ومسجد وقهوة شعبية وألعاب شعبية ومسابقات تراثية وذلك من أجل التذكير بالحياة في الماضي الجميل.

قرّب المسافات بين الأجيال

وأشاد زوار مخيم درب الساعي بالفعالِيات والعروض التراثية الْخاصّة باحتفالات اليوم الَوطني وبالجهُود الْكَبِيرة التي قام بها المِنظمون لَهَذِه الفعالِيات لتخرج بهذا الشَكْل. وأكدوا أن هَذِه الفعالِيات مثلت مزجا بَيْن الماضي والحاضر والمستقَبْل، بَيْن تراث وأصالة الأجداد وروح المدنية والعصر واستوحت بروحها جمَال الماضي كَما أنَّها تعد فرصة للتواصل بَيْن الأجيال حيث عرفت الأطفال الذين قدموا بصحبة آبائهم وأجدادهم بقيم وتراث الأولين الذي انتقل مِن جيل لجيل بروحه وأصالته وفخره وعزه.
وكشفوا حينما التقت بهم «القدس العربي» في درب الساعي، أنهم استمتعوا خلال تجولهم بالمخيم برفقة أطفالهم فِي الأجنحة التراثية التي تعبر عَن ماضي قطر العريق وغمرتهم سعادة بالغة فِيما كَان الأطفال يوجهُون أسئلة تتعلق بالتراث المحلي ما يدل عَلَى اهتمام الناشئة بتاريخ الآباء والأجداد، ووثق ما شاهدوه هذا الإرث فِي عقولَهم وأذهانهم بَعْد أن رسمت الصورة الحقيقية التي عاشها أهلهم في هذا المكان منذ القدم. وأكد عبد الله الكواري وهو في السبعينيات من عمره، لم تمنعه سنواته التي قضى أغلبها في البحر على متن مركب شق به عباب مياه الخليج أنه استعاد خلال جولة في أجنحة المكان صور الماضي الذي يشده إليه حنين غامر. ومنح لنفسه فسحة للسفر عبر الزمن نحو ذكريات ظلت راسخة حتى الآن في الأذهان وهو يجد متعة كبيرة في رواية كل تلك المشاهد لأحفاده بطريقة ممتعة وحية وليس مجرد قصص شفهية قد يصعب عليهم تصديقها بالمقارنة مع النهضة الشاملة التي تشهدها قطر والتي اختلفت كثيرا عن الماضي.

ألعاب شعبية من ذاكرة الزمن

ما ميز درب الساعي خلال رحلة السفر لزواره هو تلك الألعاب الشعبية القَديمة التي تميزت بفكر مبتدعيها الخلاق الذي طور من وسائل بدائية فقرات تخلق نوعا من تطوير فكرة العمل الجماعي للطفل لاسيما أن مثل هذه الألعاب يشارك فِيها عدة متنافسين حقيقيين على عكس ألعاب الفيديو والمنافسات الإلكترونية الوهمية التي سيطرت على مخيال الجيل الحالي وأخذت بعقولهم ليعتبروها وسيلة من وسائل التسلِية وجعلوها بديلا عن الألعاب البسيطة التي كانت السائدة في وقت سابق.
ويقف معظم الذين يزورون درب الساعي الذي يجسد قطر قديما وحديثا، أمام هذا التمازج العذب الذي يجمع بين الماضي والحاضر حيث يقضون ليلتهم في المدينة العامرة بالعديد من المناطق التراثية والفنادق الحديثة ثم يقومون برحلة إلى الصحراء في سيارة ذات دفع رباعي والاستمتاع بمشاهد الطبيعة حيث كثبان الرمال التي يعشقها الجميع. يضاف إلى هذا جلسات خيم الشعر التي تعد مكانا ساحرا تمتزج فيه المفردات الخليجية المميزة من المراكب الشراعية القديمة والمآذن الشاهقة وأشجار النخيل اليافعة والخيول العربية الأصيلة. ونصبت بيوت الشعر التي يحرص القطريون على إقامتها داخل منازلهم والقلاع القديمة المحاطة بالأسوار والتي تشهد على عظمة الحضارة القديمة، فيما يتم تشييد المباني الجديدة على أحدث طرق الهندسة المعمارية الدولية وكثير منها يغلب عليه الطابع الخليجي والإسلامي.

اعتزاز بالتراث

يعبر تصميم «درب الساعي» الفريد والذي يسافر بزواره عبر الزمن عن اعتزاز أهل قطر بتراثهم وتعاليم الإسلام وثقافتهم الخليجية وهذا يندرج تحت شعارٍ وطني هو (الحفاظ على الماضي وبناء المستقبل)، ويتصادف والثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر وهو ذكرى يستلهم فيها الشعب القطري تاريخ الماضي بروح الحاضر وأمل الواقع بالثقة في زاهر المستقبل. وإذا كان التاريخ الحقيقي هو أيام تُسَجّلُ بمداد الصبر والإرادة والتحدي وتُكْتَبُ أحداثها بأحرفٍ من نور لتمد الأجيال بشعاع المعرفة وتسلحها بقيم وعراقة الماضي التليد لتنير لها طريق المستقبل فإن لكل دولة وشعب على هذه الأرض يومها التاريخي الذي تفخر به وتعتز به.

معالم الدوحة قديما

ومن بين المعالم التي ميزت كبسولة السفر عبر الزمن مثلما عبر عنها زوار المكان، تلك الأحياء القديمة التاريخية في الدوحة ومنها «فريج الجسرة»….والجسرة في أبسط معانيها اللغوية «جِسْرُ تَوَاصُلٍ وهمزة وصل ومنطقة التقاء وتقاطع بين الأحياء والناس»، وحولها عدة أسواق مثل النجادة ومشيرب وسوق واقف، وقد ولد وترعرع في الفريج العديد من أبناء قطر ورجالاتها، وكانت لهؤلاء أدوار بارزة ومساهمات واضحة في إثراء المجتمع القطري ككل وكذلك مشاركات فاعلة في نهضة المجتمع وتطوره.

أثير الماضي

في زاوية من «درب الساعي» حاولت المؤسسة القطرية للإعلام أن تختصر مسيرة الإعلام القطري الممتدة على أكثر من ستة عقود في متحف تضمن مقتنيات وأعمال قديمة لـ «تلفزيون قطر» وإذاعة «صوت الخليج» و»راديو قطر» رصدت بدقة تطور مناحي الحياة في هذه الدولة من أيام الغوص وتجارة اللؤلؤ قبل اكتشاف النفط والغاز. وداخل المتحف تعود الذاكرة بالزوار إلى أيام تأسيس التلفزيون سنة 1970 ليجول بهم في تفاصيل الأحداث المساهمة في تحقيق النهضة الإذاعية في ذلك الوقت بكافة دول الخليج. يقترح المعرض على ضيوفه برنامجا تفاعليا يجعلهم في لحظات يكتشفون عالم الراديو السحري ويعيشون تجربة إنتاج البرامج الإذاعية والتلفزيونية. وتمكن جولة داخل المتحف صاحبها من اكتشاف التطور التكنولوجي الحاصل على مستوى التجهيزات الإذاعية بما يمثل دعوة يوجهها متحف المؤسسة القطرية للإعلام للأجيال الصاعدة لحفظ هذا التاريخ العريق في أذهانهم.

السفر وتطور وسائله

وشهدت خيمة وزارة المواصلات بدرب الساعي إقبالاً كبيراً من العائلات والأطفال للتعرف على وسائل النقل وتطورها من القديم إلى الحديث، كما جذبتهم أجهزة محاكاة القيادة. وقال علي عبدالله النصف من إدارة العلاقات العامة والاتصال في وزارة المواصلات أنّ المنظمين حرصوا على تعريف الجمهور بـ»الريل»، وهي شبكة سكك الحديد القطرية، وعرضت مجسماً للقطار الجديد، وهو يحمل الركاب من العائلات والأطفال ويجوب درب الساعي بأكمله ويعرض لهم صورا قديمة في تسلسل زمني داخل الخيمة، والتي تبدأ من التاكسي البرتقالي وحتى قطار الريل الحديث، وهي تنقل الجميع في آخر محطة لسفرهم عبر الزمن لتضعهم في مستقبل قطر وتحديدا سنة 2022 مع احتضان البلد لفعاليات كأس العالم وليكتشفوا الوجه الذي ستكون عليه الدوحة عاصمة عصرية حديثة، وهي في الوقت نفسه تحافظ على تراثها وأصالتها.

سليمان حاج إبراهيم