< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

المثقف العربي في وضع لا يحسد عليه؟

يجب أن نتوقف قليلا عند بعض الأسئلة التي تقلق المثقف قبل غيره. ما معنى أن تكون مثقفا حيّا في عالم عربي ارتبكت فيه القيم بقوة واهتزت بشكل عنيف؟ هل يعني ذلك أن تكون سباقا لفهم الظواهر والتفاعل معها إيجابيا، أم تتلقاها فقط وتعمل على قراءتها وتبريرها باستمرار لدرجة التماهي مع القوة والقوي؟ أن تكون مثقفا فاعلا وهذا ليس إبداعا ولا خلقا ولا تمايزا، يشترط منك ان تعمل أكثر من غيرك على تغيير الأوضاع التي يعيشها شعبك من موقعك كمثقف، فنان. كاتب. محام. جامعي. وكمواطن تقتسم آلام الناس في حيك أو منفاك بدون التحول إلى منظر عارف لكل شيء وموزع شهادات الاستحقاق وحسن السلوك، وتسهم في إشاعة العدل والسعادة وجبر الدولة والنظام على توفير العمل والسكن والعيش الكريم للناس بدون وصاية.
طبعا المسألة ليست سهلة تتطلب تكاتف المجتمع المدني الحي والمثقف والسلطة المصغية للناس الذين انتخبوها والناظمة للتحولات الإيجابية والمحافظة على العدالة والديمقراطية وحق المرأة وقبول التداول على السلطة. العقدة المأزقية والكبيرة هي هنا. عندما يتوقف المثقف الحالم عن الحلم ماذا يرى في النهاية وإن أخفى الحقيقة القاسية؟ مجتمع متخلف يتثاءب داخل النظم القبلية والتقاليد الميتة والأعراف التي تختلط بالديني لدرجة القداسة وهي بعيدة طبعا عن ذلك.
ترسخت بحكم الممارسة والتوارث والتكرار، يضاف إلى ذلك الأمية التي قد تصل أو تتجاوز في بعض المناطق السبعين بالمائة. لا وجود تقريبا للمجتمع المدني كما يعرفه الغرب اليوم لأن ذلك مرتبط عضويا بالديمقراطية والتسيير الرشيد للحكم. فالتنظيمات الشعبية والنقابية والنسوية الحرة في العالم العربي تكاد لا توجد.
باستثناء المنظمات الجماهيرية التي لها تبعية سياسية للحكم، بل كثيرا ما تتحول إلى وسائل دفاعية عن النظام الذي تدور في فلكه. تصبح هي المجتمع المدني المضاد للمجتمع المدني، حيث يختلط المال الفاسد، بالمصالح الخاصة بالانتهازية والوصولية والرغبة في الوصول والتسلق.
إما العلاقة مع النظام فهي علاقة الشبهة إذ ينظر هذا الأخير للمثقف من منطق الريبة وضرورة الحرب المعلنة بالسجن والمتابعات القانونية وغير القانونية لدرجة الفعل المخابراتي والتوغل في الحياة الخاصة وتهديمها من الداخل. كل الأسلحة مسموح بها بما في ذلك الإبادة. هذا طبعا نعرفه جيدا. لكن الذي لا يريد المثقف رؤيته هو حلقة الفراغ والدوران فيها. ماذا يمكنه ان يفعل في سياق مثل هذا. قد يكون الفعل الثوري نخبويا ولكنه أيضا فعل اجتماعي. الذي لم يجده المثقف العربي ولم يستطع ابتداعه، هو هذه الخاصية الاجتماعية التي تخرجه من دائرة الفردانية والموت في طواحينها والدخول في الفعل القرائي لتوضيح المسالك الصعبة.
تفككت الأنظمة العربية ولكن ليس كما يحدث في الثورات التقليدية، أي إما التفكك الداخلي بواسطة الضغط الشعبي القوي والحاسم بحيث تحدث شروخ تجعل النظام يتبدد من الداخل وتنشأ قوى بديلة أكثر عقلانية وأكثر قربا من الخطاب الشعبي، أو تفكك النظام من داخله عن طريق الانقلابات والدخول في مراحل انتقالية وليس مؤكدا ان تعاد فيها الكلمة للشعوب المضطهدة.
المشكلة ان الأنظمة تفككت أو اهتزت بعنف بوسائط داخلية. صحيح طبعا أنه لا يمكن نكران الساحات التي امتلأت برواد التغيير في مصر مثلا، في تونس، اليمن إلى حد ما، والتي بينت هزال الأنظمة التي كانت مجرد عصابات إجرامية وفزاعات، لكن في بعض المواقع لم تترك المبادرة للشعوب لكي تستوعب ما تقوم به، فتتكون داخل المعاناة، فكان الفعل الحاسم عسكريا خارجيا مثل العراق وليبيا وحتى السودان التي استبقت الفعل بالتراضي قبل الإجبار العسكري.
منطق القوة والمصلحة التي لا يمكن تغليفها. التحالف الدولي مهم، ضد الظالمين. كل الظالمين بما في ذلك النظام العسكري الإسرائيلي. ولكن المسافة بين استباحة أرض الآخر والتضامن مع رواد التغيير، نكاد لا نرى الفارق، بل العكس هو الذي يتأكد يوما بعد يوم. دخل المثقف العربي في دائرة جديدة غير مهيأ لها، بل يشعر أحيانا في أعماقه بالخيانة للقيم التي عرفها في وقت سابق. ما معنى الوطنية والتغيير عندما يصبح حليفك المؤقت هو عدوك بالأمس وربما مستعمرك السابق وهو خاضع لحركية الحسابات المصلحية والسياسية.
هو معك اللحظة وفي اللحظة نفسها مع غيرك وربما حتى مع النظام الفاسد ويقايس من خلال التحولات الميدانية. كيف ستكون وانت المثقف الواعي، وأنت ترى بلدك يتفكك ويضمحل ويتحول إلى مجموعات متصارعة، فمع من تصطف؟ وعلى من تدافع وأية أرض ستنشئ عليها مشروعك؟ أسئلة قاسية تطرح على المثقف العربي اليوم بغض النظر عن الأحكام الأخلاقية الجاهزة من موالاة وتخوين إلى غير ذلك من الخطابات السهلة. ما معنى الوطنية التي تعني الثورة ضد النظام مع الحفاظ على أرض يراد لها ان تظل قائمة بشعبها وإلا سيصبح المثقف جزءا من الطاحونة التي لن يتحكم هو فيها.
إذن، المثقف التغييري يعيش معضلات قادته بالقوة نحو حلمه الدائم أي الثورة والتغيير بل ووضعته في خضمها وبين يديه، ولكنه في الكثير من الأحيان تمت الاستعاضة الشعبية بالقوى الأجنبية التي قبل بها برضى أو على مضض. هذه المآزق على المثقف العربي أن يحلها بالتأمل والتبصر.
وكلما هرب المثقف من هذا المأزق حضر التبرير في كل شيء الذي يسهل كل شيء في الخطاب. مع أن التحليل والإنصات لكل الأصوات المحيطة، حتى تلك التي لا ترضينا، ضرورة ثقافية وحضارية، قد نجد فيها بعض الحقيقة التي تنقصنا اليوم وتشل المثقف وتحجم من دوره وفاعليته.

واسيني الأعرج