whotrades7
0
All posts from whotrades7
whotrades7 in whotrades7,

إدريس الخضراوي في «الرواية العربية وأسئلة ما بعد الاستعمار:» مرجعيات التمثيل بين المعرفة والسلطة

 يصرح الناقد المغربي إدريس الخضراوي في مستهل كتابه عن الاعتبارات الأساسية التي دفعته لوضع دراسته فنتلمس إشارات إلى هيمنة المقاربات السّردية ببعدها اللساني على نقد الرواية العربية لعقود من الزمن وصولاً إلى بداية الألفية الثالثة التي شهدت بروز نهج جديد يتمثل في المتعلقة السردية التفاعلية كما قدمها الناقد المغربي سعيد يقطين. غير أن الخضراوي يرغب في مقاربة تفارق السائد، وتتمثل بمقاربة ثقافية تتكىء على منظور الخطاب الاستعماري الذي يدرجه الناقد في حقل الدّراسات الثقافية باعتباره توجهاً لإعادة قراءة الرؤية العربية ولكن برؤية متحررة من إكراهات النظرية الغربية. فالرواية تتحدد بوصفها نصاً تخيلياً غير منبت الصلة بما هو خارجه، بيد أنه يفترض واقعاً مستحضراً عبر علاقات ورؤى جديدة، تعكس في بعض جوانبها علاقات من القوة والهيمنة، وذلك في ظل ما يتعلق بنشوء الإمبراطوريات، وما خلفته من آثار على كل ما يتعلق ببناء الهوية والآخر.
يمضي الخضراوي في تنظيره بالاتكاء على أهم ما يميز الخطاب ما بعد الكولونيالي، ونعني استراتيجية التّمثيل التي يفرد المؤلف لها فصلاً كاملاً فيحيلها إلى مرجعيتين، الأولى ما أشار له كارل ماركس، فما يتعلق بالبنى التحتية؛ أسلوب الإنتاج مقابل البنى الفوقية، وأشكال الوعي، كالثقافة والأدب، في حين تتمثل المرجعية الثانية بآراء ميشيل فوكو الذي ارتكز على نظرية السلطة التي تتخلل العلاقات الإنسانية.
ما من شك بأن الخضراوي يسعى إلى وضع حدود لمفهوم التمثيل بالاستناد إلى بعض المرجعيات التي تتصل بتكوين المفهوم، كما أفاد منه خطاب ما بعد الكولونيالية، غير أن الناقد سعى إلى ربط مفهوم التمثيل بآليات الإنتاج والخطاب اللغوي المتلفظ، كما لدى الجاحظ وعبد القاهر الجرجاني، وأرسطو، ولاسيما نظرية الأخير في المحاكاة التي تعكس في تكوينها جانباً بدائياً من مفهوم التمثيل، إلى كونه جهازاً كلياً متكاملاً يرتقي إلى مستوى الممارسة. ومما يلاحظ أن الناقد قد فضّل أن يرى مفهوم التمثيل عبر آليات الإنشاء السردي، كما تجسدها تقنيات العمل الروائي، أو بمعنى أوسع القيمة البلاغية بوصفها أداة، أو علامة على حضور الشيء الممثل. ولهذا نجد أن الناقد في معظم نقده للأعمال الروائية، وتتبعه لأسئلة ما بعد الاستعمار يستند إلى منصّات الإنشاء السردي في تكوين التمثيل الذي ينهض حقيقة على مساءلات ثقافية، وتقاطعات تتعالق بمفاهيم الهوية والآخر، فضلاً عن قضية التمثيل المكاني، وإشكالية اللغة، وعلاقات الانزياح الإنساني، وبروز المنفى، وأخيراً صورة الأوطان، وما طرأ عليها من تغيير نتيجة العامل الاستعماري.
يقارب الخضراوي في محور آخر عملية التمثيل الثقافي بالاستناد إلى تنظيرات الناقد الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد التي يحيلها مؤلف الكتاب إلى ثلاث ركائز أساسية، هي:
الأحداث التي تنتجها الشخصيات انطلاقاً من الوظائف، والأدوار المسنودة لها.
الأزمنة المتعلقة بالقصة والرواية.
الفضاء الذي تتحرك فيه المحافل السردية، وتبادل الأدوار (ص63).
وكي يكتمل تصّور الخضراوي فيما يتعلق بمفهوم التمثيل، فإنه يسعى إلى وضع حدود للدراسات ما بعد الاستعمارية، بيد أننا نجد أن بعض المفاهيم لا تستند إلى حدود اصطلاحية، ومفاهيمية واضحة، ولاسيما من حيث الإحالة إلى خطاب ما بعد الكولونيالية. غير أن الكاتب يصيب نجاحاً حين يرى أن هذا المفهوم يشمل تلك النصوص التي أنتجت خلال الفترة الاستعمارية (69)، وهنا يحيل إلى بيل أشكروفت، وما أفاض به من متعلقات الخطاب وتنوعات الكتابة كأنماط كتابة السود والأدب الوطني، وما كان للمفكر والمناضل المارتينيكي فرانز فانون من أثر في تكوين المفاهيم الفلسفية والمعرفية للخطاب. وفي محور خاص، يعود الناقد ليستحضر مرجعية إدوارد سعيد في تحديد التمثيل السردي، ولكن من منطلق مبدأ التعارض، والقراءة الاستشراقية، وتمثيل الآخر والنقد الطباقي، غير أن ما ينبغي أن نتأمله هنا، ما يشير له الكتاب من تبصرات نافذة لسعيد، فالتمثيل والخطاب الاستعماري، لا يعني فقط عملية اكتساح عسكري، إنما تخطيط فكري جرى تعميقه بتشكيلات عقائدية( 88). هنالك خطابات تأتي من خارج المراكز والأطراف، أي من قبل كُتّاب المستعمَرات السابقة، ومنهم جورج أنطونيوس، وراني غوها، والعطاس، وتستند إلى آلية المقاومة عبر استحضار المكونات السردية والتاريخية والتراثية التي تعدّ أداة للاختلاف، أو نفي الخطابات الاستعمارية بصيغتها الاستشراقية.
والناقد المغربي يستند إلى مقاربة انحازت إلى أسماء، وأعمال بعينها. في المستوى الأول نجد روايات «الأمير» لواسيني الأعرج، و»تغريبة أحمدالحجري» لإبراهيم عبد الواحد ، و»الربيع والخريف» لحنا مينة، ولاسيما من حيث معالجة تلك الروايات لثيمة الآخر التي تعد إحدى أهم مفردات رواية ما بعد الاستعمار. غير أن اختيارات الناقد قد أصابت في مقاربة بعض الأسماء، وحادت عن بعضها، فإذا كانت رواية الأعرج تنهض على هذا التصور لحضور المستعمر الفرنسي على أرض الجزائر، وتلك العلاقة المتوترة على محور الفرنسي المستعمِر، وإشكالية التنازع اللغوي، والمقاومة، فإنه يُلاحظ وجود اضطراب من حيث وضوح الحيثيات المعرفية، ومع ذلك تبقى مفردات إعادة تمثيل التجربة الاستعمارية الفرنسية من منظور آخر مبررة في بعض جوانبها. غير أن هذا المستوى لا يكاد يتضح في العملين الآخرين، لأن تغريبة الحجري تحاذي إشكالية الآخر في سياق التاريخ البعيد عن تجربة الاستعمار الحديث، فالرواية لا تحيل إلى مرجعية زمنية تتسق والمشكل الاستعماري، بمقدار ما تتصل بإشكالية الأنا والآخر، والتنازع الثقافي بمعزل عن سياقات التجربة الاستعمارية الحديثة، ولذلك فهي تتخذ تأويلا رمزياً لحضور العربي في بلاد الأندلس. هذا الخروج عن خيارات التعبير عن إشكالية ما بعد الاستعمار يحضر كذلك في رواية مينة التي تستند إلى مقاربة الآخر، ولكن في غياب لمرجعية الماضي المأزوم بين المستعمِر والمستعمَر، فحضور الشخصية المركزية في الصين، أو تمثيل دولة مثل المجر، لن ينطلق من وعي الروائي لإشكالية الآخر المستعمر بمقدار ما هو معني بالآخر المختلف.
في الفصل الثالث نقرأ خيارات موفقة من حيث بروز مفردات نقدية واضحة إلى حد ما، ولكنها كانت تحتاج إلى المزيد من العناية بإشكاليات الخطاب، والنظرية ما بعد الكولونيالية خاصة في الفصل الذي ينشغل الناقد فيه بتكوين أسئلة تتعلق بالمكان، والذاكرة والمرجعيات الثقافية كما في رواية عراقية بعنوان «تل اللحم» لنجم والي حيث تبرز إشكالية العراق الحديث ومأساته، ولكن عبر ثيمة الحرب، ومقدار ضغطها على الواقع مما يدفع إلى بروز العجائبي كصيغة دلالية عاملة، بيد أن عملية التمثيل، ومكونات النظرية ما بعد الكولونيالية تبقى في حدود ضيقة، لا تكاد تتجلى في المعالجة النقدية، فهذه المقاربة تفتقر لوشائج عميقة بالمشكل الاستعماري، إذ هي تعبر عن أو تنشغل بآلية عكس الواقع، ولكن دون مساءلة خيارات تتصل بالحيثيات العميقة لمعنى ضغط الاستعمار بهدف تخريب الهوية.
يتحول الخضراوي فيما بعد إلى رواية أحلام مستغانمي التي تنهض على بناء المكان، ومتخيله عبر تمثيلات متبادلة للجسد للمكان، وخيانة المثقف/ الإنسان لواقع الثورة، وهنا تبدو العملية النقدية مشغولة بالتمحور والمراوحة في إشكالية الأنا، ولكن في غياب حقيقي عن معنى التمثيلات للمكان، كما تجلت في الخطاب ما بعد الكولونيالي الذي يتكئ على ما يقوم به الغربي من تأنيث الأمكنة التي يعاد رسمها، وتخريبها لغوياً، في حين أن دراسة الخضراوي تذهب عميقاً في تحليل تجاذبات الشخصيات، وتوترها. وفي نموذج أخير لفعل البحث عن مفردات ما بعد الاستعمار نطالع رواية «الآخرون» لحسونة المصباحي التي تعد نموذجاً موفقاً لعكس حالة الكتابة المنفية التي تسند إلى الكتابة الاستعمارية، وتداعياتها، وهي تحتمل كذلك مستوى من مفرزات الاستعمار، ووقوعه على إنسان ما بعد الاستعمار الذي تلفظه أوطانه، ليترحل في المكان الأزمنة. إن حضور بطل الرواية العربي في فضاء الشرق، لا يستند إلى ماض تاريخي مأزوم، بمقدار ما يستند إلى تمثيلات وأفكار مسبقة حول الشرق، ولكن دون تبرير للمنظور، اتكاء على عاملي المعرفة والسلطة بين المستعمِر والمستعمَر.
ومع ما يتضح من مغامرة الخضراوي في سياق صوغ معالجة نقدية للتمثيل بمستوياته في الرواية العربية، نجد وزنا لمقاربة تنهض على تمثل البعد اللساني في تقديم مفهوم التمثيل، وهذا يكاد يجعل الدراسة تقترب من منهج لغوي لساني يكاد يغلق النص، وهكذا نجد تراكمات نقدية تنشغل بالتناص والمواقع السردية، وتكون الشخصيات، والبنية السردية، وحضور العجائبي والغرائبي، وسيمولوجية الشخصيات، والانزياحات، وغير ذلك مما يحيف على المعالجة التي تنهض على الوعي بمفردات النظرية ما بعد الكولونيالية، وتوجهاتها النقدية التي تتوسم المعطى الثقافي. وفي الختام تبقى مقاربة الخضراوي ذات أهمية، كونها قد حاولت الاقتراب من تقصي الرواية في سياقات غير مسبوقة، علاوة على أن الدراسة تقوم على إدراك لمشكلات الخطاب بمفرداته، وتوجهاته حيث تسعى لأن تقدم صورة لبعض أسئلة الاستعمار، وتمثّلها في الرواية العربية. 
إدريس الخضراوي: «الرواية العربية وأسئلة ما بعد الاستعمار». دار رؤية للنشر، القاهرة 2012.
319 ص.

د. رامي أبو شهاب