< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

لا أحد يصدق إسرائيل وقانون الجنسية تكريس للأبارتيد

حذرت صحيفة «هآرتس» الأسبوع الماضي في مقال افتتاحي من آثار ما يعرف الآن بقانون الجنسية الإسرائيلي الذي إن مرر في البرلمان الإسرائيلي/الكنيست فسيجعل الدولة حكرا على اليهود وليس دولة لكل مواطنيها. وقالت «هآرتس» إن تمرير القانون سيعني خروج إسرائيل من منظومة الدول الديمقراطية وانتقالها إلى مصاف الدول الظلامية التي تقمع فيها الأقليات، رغم أن المحامين والحقوقيين الفلسطينيين يؤكدون أن إسرائيل كانت دائما في مصاف الدول الظلامية وما سيفعله هذا القانون إذا تم تمريره هو تسليط الضوء على هذه الحقيقة.
فلطالما كانت إسرائيل تتبجح على العالم بكونها «واحة الديمقراطية» في الشرق الأوسط ومحاطة بدول قمعية من كل جانب. ولم تكن في الحقيقة إٍسرائيل يوما ديمقراطية بالمعنى الكامل، فديمقراطيتها منحصرة باليهود فقط، فيما تعاملت إسرائيل مع المواطنين العرب فيها وعددهم 1.6 مليون نسمة في وضعية المواطن المهمش من الدرجة الثانية، فهم وإن شاركوا في الإنتخابات ورشحوا ممثلين عنهم للكنيست إلا انهم ظلوا ومنذ نشوء إسرائيل موضوعا للتمييز والإتهام والملاحقة وقوانين الطوارئ. ومن هنا فتمرير القانون سيكرر وضعية العربي واللغة العربية في المرتبة الثانية وبالقانون.
ولاحظت صحيفة «هآرتس» أن القانون يؤسس لتأكيد الطابع العنصري للدولة اليهودية خاصة في علاقته بالضفة الغربية، وهنا تشير إلى مقال كتبه الوزير المتطرف نفتالي بينيت، في صفحة الرأي بصحيفة «نيويويورك تايمز» (5/11/2014) ورفض فيه حل الدولتين لتسوية الصراع العربي- الإسرائيلي «بالنسبة لإسرائيل حل الدولتين ليس حلا» هكذا قال بينيت، وأضاف «إسرائيل لا يمكنها الإنسحاب من الأراضي المحتلة ولا السماح بإنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية». ويقترح بنينت بدلا عن ذلك سيطرة إسرائيلية كاملة على الضفة الغربية، ومن خلال هذا تقوم إسرائيل بإنشاء «منطقة فلسطينية ذات حكم شبه ذاتي» بمستوى معين ولكن أقل من دولة، بشكل لا يسمح فيها للكيان هذا بالسيطرة على الحدود أو إنشاء جيش بمعنى آخر «بانتوستان» على طريقة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا. ويعبر مقال بينيت عن الرؤية الأحادية التي تصنعها إسرائيل ومنذ عام 1967 في الأراضي المحتلة وتكشف عن نظام للتمييز العنصري تطور على مدار عقود طويلة. وفي ظل النزعة اليمينية المتطرفة التي تعيشها إسرائيل والتمترس خلف شعارات القومية والدين والتفوق فأي نظام عنصري واضح بمعنى «أبارتيد» جنوب أفريقيا سيلقى قبولا واضحا من المجتمع الإسرائيلي الداعم في معظمه لمواقف نتنياهو واليمين.
وفي الحقيقة فقانون الجنسية ما هو إلا ورقة يستخدمها نتنياهو لشراء رضا الجماعات المتطرفة خاصة بينيت الذي يمثل مستوطني الضفة الغربية. وبعد التخلص من وزيرة العدل تسيبي ليفني، ووزير المالية يائير لابيد من حزب «هناك مستقبل» تأكدت حاجة رئيس الوزراء الحالي لليمين المتطرف في الإنتخابات المبكرة التي دعا إليها في الشهر المقبل. ولا حاجة لنا بالتذكير بما ينص عليه القانون المقترح لكن إقراره سيقنن وضع التمييز العنصري وسيلغي كل الضوابط التي منعت تطبيقه في الماضي وبطريقة علنية وصارخة. فمن ناحية سيؤكد القانون فكرة إلغاء الفلسطيني ومحوه، خاصة العرب في إسرائيل. وليس مصادفة أن يتحدث أفيغدور ليبرمان وزير الخارجية عن ترحيل الفلسطينيين. ووصف نتنياهو التظاهرات احتجاجا على مقتل عربي في القدس بالخيانة. كما سينهي القانون حق الفلسطينيين وحلمهم بالعودة لوطنهم وحقهم في تقرير المصير، مما يعني محو فلسطين والفلسطينيين من أرضهم.
على ما يبدو لا أمل في وقف انحدار السياسة الإسرائيلية نحو هاوية التطرف ولا وقف القانون. فالحكومة الحالية هي الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل ولن تكون المقبلة أحسن منها، فمرشحاها سيكونان بالطبع نتنياهو وبينيت.
يجري كل هذا في وقت تشكو فيه إسرائيل من تراجع شعبيتها في الخارج ومن تفوق «الرواية» الفلسطينية، وتشكو أو من يدافع عنها من اللوبيات وشركات العلاقات العامة من تصاعد مشاعر الكراهية واللاسامية ضد اليهود، وتنسى في كل هذا أن الرأي العام الأوروبي وجزء من الأمريكي بدأ ينظر لإسرائيل كجزء من المشكلة لا الحل. فهي لم تعد عاملا إيجابيا في العملية السلمية وتواصل حرمان الفلسطينيين من دولتهم. وفي الوقت الذي كانت تتفهم حكومات الدول الغربية الداعمة للموقف الإسرائيلي من الدولة الفلسطينية إلا انها تنظر للقانون الجديد كمحاولة لتعطيل العملية السلمية التي يسلم الجميع أنها لم تكن موجودة وبل ولم يكن أمامها أي حظ للنجاح منذ أن كثفت إسرائيل من الإستيطان. فالمستوطنات في الضفة الغربية هي طلائع فرض الأمر الواقع وبالتالي تجريد خيار التسوية من معناه، بما يتضمن من إنهاء حلم الدولة الفلسطينية. فبدون تفكيك عدد كبير من المستوطنات يبقى حلم الدولة الفلسطينية على الورق.
يبدو قادة إسرائيل غير معنيين بمواقف الرأي العام العالمي ولا يريدون الإستماع لنصائح أصدقائهم من عدم حاجة إسرائيل لسن قوانين تؤكد على هوية الدولة، فلا أحد ينكر كما قالت صحيفة «التايمز» يهودية الدولة. فنشيدها الوطني يتغنى بأمجاد اليهود وعطلتها الدينية هي السبت، ويهود العالم لهم الحق في التوطن في إسرائيل، فما الحاجة إذا لقانون لن يعطي إلا فكرة عن دولة لا تحترم الأقليات ويفاقم التوتر داخل البلا؟، فمنذ الصيف تعيش إسرائيل على صفيح ساخن، من غزة لانتفاضة القدس.
صحيح أن قانون الجنسية مرتبط بالسياسة الداخلية الإسرائيلية، فهو رشوة من نتنياهو لليمين الذي طالما دفع باتجاه هذا القانون تماما كما كانت الحرب المدمرة على غزة وتفكـــيك ما تبقى من معالم لاتفاق أوسلو وقتل المصالحة الوطنية بين حركتي فتح وحماس. وفي السياق نفسه موقفه المتهاون من الإنتهاكات المستمرة لليمين في الحرم القدسي الداعية لإلغاء الوضع القائم.
لكن هناك بعدا آخر في سياسة نتنياهو فهو لا يلقي وأعوانه من اليمين بالا للرأي العام العالمي ما دام الكونغرس الأمريكي يقف مع إسرائيل. وقد أعطى انتصار الجمهوريين في الإنتخابات النصفية الشهر الماضي زخما لموقف نتنياهو الذي اتسمت علاقته بالبرود والمواجهة مع إدارة الرئيس باراك أوباما.
ومع ذلك يجب أن تقلق إسرائيل، فالنقاش المفتوح في برلمانات الدول الأوروبية والتعبيرات الناقدة التي صدرت من نواب لم يكن أحد يتجرأ عليها قبل سنوات، تعبر عن تغير في المزاج العام تجاه إسرائيل التي كانت عصية على النقد. حدث هذا في البرلمان البريطاني والفرنسي والبلجيكي والسويدي. ويترافق كل هذا مع مواقف للرأي العام شاجبة لإسرائيل خاصة بعد حرب غزة الأخيرة. فلم يعد المعتذرون عن إسرائيل قادرون للتبرير أو الدفاع عنها وعن ممارساتها القمعية والإستيطانية أو حتى رسالتها التي لم يعد يصدقها أحد.
وعبر عن هذا الواقع سفير إسرائيل في بريطانيا، ماثيو غولد الذي ألقى محاضرة قبل فترة أمام معهد دراسات السياسة اليهودي في لندن وتحدث فيها عن صعوبة تحسين صورة إسرائيل حتى من خلال شركات العلاقات العامة واللوبيات «لا يمكن لأي قدر من «الهاسبارا» أو السياسة العامة إقناع غالبية البريطانيين أن المستوطنات هي فكرة جيدة». والرأي العام ليس وحده الذي يتعامل مع إسرائيل ويحكم عليها من خلال أفعالها لا أقوالها بل المؤسسات الحكومية الأوروبية. ومن هنا بات من الصعب على إسرائيل «تسويق» منتجاتها الإستيطانية والعنصرية للمجتمع الدولي.
وفي ضوء ما تعانيه إسرائيل من أزمة في الصورة أعلن نتيناهو العام الماضي عن منح دراسية للطلاب كي يشاركوا ببرنامج من أجل نشر رسالة مؤيدة لإسرائيل عبر وسائل التواصل الإجتماعي «والتواصل مع الجمهور العالمي عبر الإنترنت» لمكافحة معاداة السامية ودعوات مقاطعة إسرائيل. وأشرف على البرنامج في مرحلته الأولى شخص يدعى داني سيمان المعروف بمواقفه المعادية للإسلام، وهو ما دعا المعلق في «هآرتس» باراك دافيد للقول «هل هذا العنصري العدواني أفضل ما أنتجته للعلاقات العامة في إسرائيل؟».
والأخطر من كل هذا هو حالة العمى التي أصابت القيادة الإسرائيلية ورفضها تعلم دروس التاريخ وتجارب التمييز العنصري التي لم تقف أمام إرادة الحرية. ومن هنا ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» إسرائيل بآثار حـــرمان الأقليـــات من حقوقهم الكاملة. مستشهدة في هذا بما حـــدث للأفـــرو- أمريكيين الذين تسبب حرمانهم بضرر بالغ لأمريكا. وتظل معاملة السود كما تقول «وصمة في جبين الديمقراطية الأمريكية».
وحذرت من مخاطر «صب الزيت على النار» في وقت تشهد فيه القدس اضطرابات. وذكرت أيضا بالقول «لأننا جربنا التبعات المرة التي تخلقها الحكومات عندما تقرر إنقاص حقوق شعبها فإننا نعرف أن هذا ليس هو الطريق الذي يجب على إسرائيل السير فيه». ولن تجني إسرائيل من ســــياسة الإستــــعداء لســـكانها العرب سوى حصاد الهشيم، فالتطرف مجلبة للشرور وعلامة للنهاية. فهل قانون الجنسية هو نهاية المرحلة الأخيرة في الصهيونية، دولة دينية تمارس العنف والتمييز؟

إبراهيم درويش