< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

الكونغرس يمنع تكرار انتهاك حقوق الإنسان

تعرض خالد شيخ محمد الذي يعتبر العقل المدبر لهجمات 11 أيلول 2001 إلى الإيهام بالخنق 183 مرة، أدت إلى خروج الزبد من فمه وحصول اضطرابات ذهنية لديه. في حين تعرض المدعو أبو زبيدة إلى طريقة التنكيل ذاتها 83 مرة، إضافة إلى احتجازه داخل صندوق بحجم التابوت لمدة 266 ساعة.
ومن وسائل التعذيب الأخرى التي يذكرها تقرير لجنة الاستخبارات في الكونغرس الأمريكي بخصوص عمليات التعذيب التي تعرض لها معتقلون بشبهة الانتماء إلى منظمة القاعدة، من قبل عملاء المخابرات المركزية الأمريكية، في فترة ما بعد هجمات الحادي عشر من أيلول: ربط المعتقل بسلاسل حديد وتركه لفترة طويلة عارياً فوق أرضية من البيتون.. التغذية عن طريق الحقن الشرجي للغذاء السائل بدون وجود اضطرار طبي.. التحرش الجنسي.. التهديد بقتل المعتقل وأسرته.. إرغام المعتقل على الوقوف على قدميه عارياً لمدة 72 ساعة.. خبط المعتقل بالجدار.. الحرمان من النوم.. التغطيس في مياه مثلجة.. إلخ.
29 معتقلاً لدى السي آي إي من أصل 119، هو الرقم المعتمد في تقرير الكونغرس، تم الاحتفاظ بهم بدون وجه حق أو بالخطأ. أي أن ربعهم أبرياء! ومع ذلك يدافع الجمهوريون عن تلك الإجراءات الوحشية المخالفة للقوانين الأمريكية بدعوى أنها «أنقذت أرواح العديد من الأمريكيين» ممن كانوا ضحايا محتملين لعمليات إرهابية كشفت عنها تحقيقات السي آي إي بفضل عمليات التعذيب التي يذكرها تقرير الكونغرس. لكن المدافعين عن التقرير، من حزب الرئيس، كذّبوا هذه المزاعم بالقول إن الاعترافات التي تم الحصول عليها بتلك الوسائل الوحشية لم تؤدِّ إلى إحباط أي عملية إرهابية.
هذا السجال وحده مما يخفف من وطأة المعطيات البشعة التي كشف عنها التقرير، على رغم أنه لا ينطلق من دوافع أخلاقية أو إنسانية، بقدر ما يعبر عن صراع سياسي مفهوم بين الجمهوريين الذين سيطروا على الكونغرس، بعد الانتخابات النصفية الشهر الماضي، وبين الديمقراطيين الذين يحاولون ضرب خصومهم بالتذكير بميراث عهد جورج دبليو بوش الذي شكلت «الحرب على الإرهاب» عنوان سياسته العريض. فهذا السجال السياسي بين حزبين متنافسين على السلطة هو ما يتيح أحياناً كشف المستور القبيح، كعَرَض جانبي لا مفر منه من أعراض النظام الديمقراطي. ويأتي وصف القبح بمعيار «القيم الأمريكية» التي تضررت كثيراً على قول الرئيس باراك أوباما بسبب عمليات التعذيب الموثقة في التقرير.
هذه القيم المعلنة لا تعني الساسة الأمريكان إلا بقدر خدمتها لمصالحهم السياسية، أو بالعكس مدى ضررها على تلك المصالح. وهذا ما نلاحظه بالعين المجردة في السياسة الخارجية الأمريكية ربما أكثر منها في السياسة الداخلية. فتوثيق قتل 11 ألف معتقل تحت التعذيب في زنازين نظام دمشق الكيماوي بالصور، لم تهز شعرة واحدة في رأس الإدارة الأمريكية التي وحدها تملك القدرة على معاقبته وشل يديه. وقد أكدت تقارير للأمم المتحدة ارتكاب النظام جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حربها المعلنة على السوريين. وإذا كانت الإدارة إياها هددت جزار دمشق بالمعاقبة بعد قتله 1500 شخص، بينهم مئات الأطفال، في غوطة دمشق بالسلاح الكيماوي في شهر آب 2013، فسرعان ما تراجعت عن ذلك أمام الصفقة المغرية التي تمثلت بتسليم القاتل سلاحه الكيماوي مقابل استمراره في قتل السوريين بجميع الأسلحة التقليدية، إضافة إلى ذلك السلاح البدائي المسمى بالبراميل المتفجرة المختصة بقتل المدنيين.
لا يعني الكلام السابق أن المطلوب من الولايات المتحدة أن تتجرد من مصالحها وتشتغل شرطياً أو قاضياً عالمياً، بدوافع أخلاقية وإنسانية، لمحاكمة المجرمين ضد شعوبهم. فهذه الدوافع هي آخر هموم الدول والحكام في مشارق الأرض ومغاربها. لكنه محاولة لكشف المعايير المزدوجة أو تغييب المعايير أو استحضارها وفقاً للحاجات الديماغوجية. فالإدارة الأمريكية ذاتها التي تعترف بالحكم الانقلابي في مصر الذي ارتكبت قواته مجزرة في ميدان رابعة العدوية، العام الماضي، وما زالت تعتبر العصابة الكيماوية في دمشق «حكومة شرعية»، لم تتردد كثيراً في إنشاء تحالف من ستين دولة لمحاربة منظمة إرهابية سيطرت على مساحات من العراق وسوريا أقامت عليها «دولة الخلافة»، وراحت تشن غارات جوية في تلك المناطق يشك جميع المراقبين في جدواها وفاعليتها. تنظيم الدولة الإسلامية المعروف باسم داعش، أصبح، بقدرة «الإقناع» الأمريكية، هو البوصلة في تحديد أولويات «المجتمع الدولي»: فهو تنظيم إرهابي مجرم يرتكب فظائع يندى لها جبين البشرية. يراد لنا اتخاذ هذه البوصلة «الأخلاقية» وغض النظر عن فظاعات إرهابيي حزب الله الإيراني في لبنان وكتائب أبي الفضل العباس الإيرانية في العراق وشبيحة النظام الكيماوي، المرتكبة بدم بارد في أرجاء سوريا بدوافع طائفية معلنة. بل إن وقاحة الإدارة الأمريكية وصلت حد الترحيب بالطيران الإيراني الذي بدأ يضرب في عمق الأراضي العراقية، بعد الصمت عن ضربات طيران النظام الكيماوي في مناطق عمليات طيران التحالف في الرقة ودير الزور وحلب.
ولكن لمَ البحث عن هذه المفارقات في تأويل «القيم الأمريكية» في تعاطي الإدارة مع حكام مجرمين في دول أخرى، في الوقت الذي يوثق تقرير الكونغرس الذي نتحدث عنه هنا الأماكن التي جرت فيها عمليات التعذيب الفظيعة تلك: في معتقلات سرية في رومانيا وبولونيا وأفغانستان وتايلند وليتوانيا وغيرها من الدول. ولا ننسى حالة المهندس الكندي من أصل سوري ماهر عرار الذي تم تسليمه إلى المخابرات السورية، قبل سنوات، ليتعرض لفظاعات التعذيب التي اشتهرت بها تلك الأجهزة، قبل أن تنكشف براءته من تهم الإرهاب الموجهة له.
فالولايات المتحدة دأبت على تصدير قذاراتها إلى دول معروفة بانتهاكاتها لحقوق الإنسان. هذا على الأقل ما نعرفه بفضل الفضائح التي تم كشفها إلى الآن.
فهل يشكل هذا التقرير علامة فارقة تمنع تكرار تلك الفظاعات في الولايات المتحدة وخارجها؟ لا نملك للأسف أي مؤشرات مشجعة على هذا التفاؤل.

٭ كاتب سوري

بكر صدقي