< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

في رحلة البحث عن «إرث» عباس يفتح ملف الجنائية فهل سيقنع شعبه؟

ردت السلطة الوطنية الفلسطينية بزعامة الرئيس محمود عباس (أبو مازن) على رفض مجلس الأمن الدولي مشروعا تقدم به الأردن بشأن الدولة الفلسطينية وضم جدولا زمنيا لإنهاء الإحتلال بحلول عام 2017 بسلسلة من القرارات المتعلقة بتأكيد سيادة دولة غير موجودة ولها اعتراف ضمني وإسمي في الأمم المتحدة، أي الإنضمام لعدد من المؤسسات الدولية خاصة المحكمة الجنائية الدولية. فقد وقع الرئيس أبو مازن على بيان روما المؤسس لهذه المحكمة ومن خلال هذه الخطوة ستتمكن السلطة الوطنية الطلب من الجنائية الدولية التحقيق في جرائم حرب ارتكبتها إسرائيل في المناطق المحتلة وغزة. فللمحكمة سلطة ملاحقة أشخاص متهمون بارتكاب جرائم إبادة وحرب ضد الإنسانية منذ عام 2002 أي عندما تم إقرار ميثاق روما.
ويرى المسؤولون الفلسطينيون أن التوجه للمحكمة الدولية هو جزء من محاولات السلطة الوطنية الوفاء بتطلعات الشعب الفلسطيني. وبحسب حنان عشراوي، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية «هذا جزء من استراتيجية تحاول خلق ديناميكية وتغيير مسار التحرك الذي سمح لإسرائيل قتل كل فرص السلام» مضيفة أن «القاعدة التي سيقوم عليها التحرك من الآن ستكون من خلال القانون الدولي وكل هذا جزء من مرحلة جديدة وعهد جديد» كما نقل عنها موقع «ميدل إيست آي» في لندن. وكلام عشراوي هو تعبير عما يسميه الكثير من مسؤولي السلطة «الحرب القانونية» أي مواجهة إسرائيل عبر المؤسسات الدولية التي يبدو أن الفلسطينيين لا يزالون يعولون عليها وعلى عدالتها. ففي تبرير مسؤول فلسطيني لقرار الرئيس عباس الذهاب للجنائية الدولية قال «لقد جربنا كل سبيل ممكن للوصول إلى حل مع الإسرائيليين، وقضينا 20 عاما من المفاوضات مع الإسرائيليين، وقضينا 20 عاما من المفاوضات التي لم تؤد إلى إنهاء الإحتلال، ولذلك فإننا اتخذنا الآن الخيار السلمي القانوني لتدويل الصراع».
وفي مناسبة استعراضية جمع فيها عباس أفراد قيادته ووقع على سلسلة من المعاهدات، وهي مناسبة في حد ذاتها تعبر عن مرارة وحس بالإحباط من جهود السنوات الماضية التي قضاها عباس منذ أن أصبح على رأس القيادة الفلسطينية بعد رحيل الزعيم التاريخي ياسر عرفات عام 2004 واختار الخيار السلمي، بل لنقل إنه جرب كل الأساليب للتمسك بالعملية السلمية، وآمن بالخيار التفاوضي وحل الدولتين، وبمقولات بناء مؤسسات الدولة وتأكيدها على الأرض في المناطق الخاضعة لسيطرته منذ عام 2007 أي بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، كما اختار خيار المقاومة الشعبية ضد الإستيطان، وقضى العشرة أعوام الماضية وهو ينتقد ويشجب العمليات الإنتحارية وقمع الجماعات المسلحة. وكافأت إسرائيل عباس بتوسيع الإستيطان الذي يتمدد مثل الوحش في قلب الأراضي التي يريد عباس بناء دولته عليها، وخربت عليه عملية المصالحة مع حركة حماس واتخذتها ذريعة لشن حرب ثالثة على غزة في صيف عام 2014 وقبل ذلك انهارت جهود وزير الخارجية الأمريكي جون كيري التي عمل عليها لأشهر وسلم الوزير الأمريكي بهزيمته أمام إسرائيل وتوقف عن الحديث مثل رئيسه باراك أوباما الذي لم يعد مهتما بفلسطين والمنطقة بشكل عام.
ومن هنا فلم يبق لدى السلطة ورئيسها ما يقولونه للشعب الفلسطيني، ففيتو أمريكا وامتناع بريطانيا عن التصويت على مشروع القرار الأردني يزيد من مشاكل عباس الذي أشار استطلاع أن شعبيته في أدنى حالاتها (35٪)، وقال الإستطلاع إنه لو أجريت انتخابات عامة لهزمت حركة فتح ورئيسها عباس. ويرى استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية الذي يديره خليل الشقاقي في رام الله أن الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية بات يرى في السلطة عبئا عليه، وأن هناك نسبة عالية من الفلسطينيين لم يتابعوا تحركات الرئيس في الأمم المتحدة. ولهذا جاء الإنضمام للجنائية الدولية محاولة لاستعادة الثقة وتهدئة خواطر الشعب الفلسطيني وإعطائه صورة أن السلطة لا يمكنها التراجع عن قرارات تاريخية وأنها قادرة على مواجهة إسرائيل رغم أنها ستواجه حربا من هذه التي تتجه للإنتخابات بعد ثلاثة أشهر.
ومن المتوقع أن يستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورقة الإنضمام للجنائية الدولية لصالحه ولإقناع الناخبين الإسرائيليين الذين باتوا أكثر تطرفا ويمينية بانتخابه مرة أخرى وتحقيق الفوز. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن آرون ديفيد ميللر الباحث في معهد «وودرو ويلسون» للعلماء بواشنطن «في تحرك واحد استطاع الفلسطينيون دفع اليمين الإسرائيلي وشحنه» و «أعطوا نتنياهو قضية انتخابات عظيمة» كي يضعف منافسيه ويهمش الأمريكيين في أثناء هذا. ويعني هذا الفوز على تيار الوسط الذي باتت تمثله وزيرة العدل السابقة تسيبي ليفني ورئيس حزب العمل اسحق هيرتسوغ. ويعني فوز اليمين زيادة في مشاريع الإستيطان ورفضا مستمرا للتفاوض وتهديدات مستمرة باقتلاع الفلسطينيين داخل إسرائيل وتهويدا مستمرا في القدس التي لم يعد للسلطة الوطنية فيها زعامات.
في الوقت الذي يرى فيه الفلسطينيون التحرك نحو الجنائية الدولية خطوة «إستراتيجية» للحصول على الدولة الفلسطينية بدعم دولي بعد عقود من المفاوضات الفاشلة إلا أن التحرك يحمل الكثير من التداعيات على السلطة أهمها العقوبات المالية. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن خليل الشقاقي قوله «لا توجد أي علامة استفهام حول تداعيات القرار، فستقوم الولايات المتحدة وإسرائيل بفرض عقوبات مالية» وأضاف «ستشل هذه العقوبات السلطة وقد تعلم بداية النهاية للسلطة الوطنية، وهم يعلمون هذا» لكن ما هي حسابات السلطة إن كانت تعرف النتائج؟ يبدو أن هذا نابع من فهم القيادة الفلسطينية أن السلطة تعتبر ضرورة أمنية لإسرائيل والولايات المتحدة، فسلطة ضعيفة قادرة على الإمساك بالأمن ومنع الفوضى التي ستؤثر على إسرائيل أفضل من لا شيء.
وفي ظل هذا سيستمر الزعماء الفلسطينيون وعباس بالحديث عن الخطوات الدولية والإعتراف الدولي وحل الدولتين والحل العادل للقضية الفلسطينية، ولكن الشعب الذي يعاني كل يوم من عنت المستوطنين وتغولهم لم يعد يثق بهذه الخطوات المسرحية التي تجري بعيدا عن حياتهم وواقعهم. ومن هنا يرى مهدي عبد الهادي، مدير الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية في القدس أن النقد الشعبي ومن المثقفين للسلطة الوطنية قد تزايد في الأسابيع القليلة الماضية. وقال لـ»نيويورك تايمز» «كان أداء السلطة في نيويورك ضعيفا جدا ومخيبا جدا» و» وهذه دعوة للخروج للشارع، وكل واحد يدعو لتحدي النظام العنصري القائم وتحدي إسرائيل». وفي حالة عدم وفاء رئيس السلطة الباحث عن إرث يتذكره الفلسطينيون خاصة بعد سنوات طويلة في النضال الوطني منذ إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية التي ساهم في مؤسساتها في أكثر من دور قبل أن يتولى قيادتها ويرثها من الراحل عرفات فالمخاطر قائمة إلا إذا أقدم على خطوة تتساوق مع طموحات شعبه.
فقد اتسم تاريخ عباس بالمراوحة بين البراغماتية ومحاولة إسكات منافسيه، وظل مترددا في اتخاذ قرارات تاريخية مثل عرفات العائد من كامب ديفيد الذي فجر بعودته انتفاضة الأقصى عام 2000. وبالنسبة لعباس فقرار الإنتفاضة يظل مؤجلا، مهما تعنتت إسرائيل وتمادت في إهانتها له ولشعبه، وتوسعت على حساب دولته، ورفضت الإستماع إليه بل ووصمته بالإرهاب وهو الداعي للسلام وحاول الوقوف مع خيارات شعبه الداعي للوحدة والمصالحة.
لابد من إضافة بعد آخر يساعدنا على فهم تصرف السلطة الوطنية، فتبني القيادة الفلسطينية قرارها الأخير «تدويل» القضية جاء بعد عدد من التطورات التي شهدها العام الماضي وما قبله، وهي تحولات الرأي العام والبرلمانات الأوروبية لدعم الحق الفلسطيني، فنقاشات البرلمانات البريطانية والأيرلندية والفرنسية وغيرها الداعية حكوماتها الإعتراف بدولة فلسطين هي جزء من النقاشات التي تستجيب للرأي العام الغاضب من ممارسات إسرائيل وآلتها التدميرية ضد غزة والشعب الفلسطيني. وهي مواقف تمثل رفضا لتواطؤ الحكومات الغربية مع إسرائيل التي تدعو لدولة ما بعد المفاوضات. والجميع يعرف أنها تعمل على قتل فرص الدولة الفلسطينية أو حل الدولتين الذي لم يعد أحد من الفلسطينيين يؤمن به. وكما قالت الوزيرة المستقيلة من حكومة ديفيد كاميرون، وارسي التي عادت من زيارة للضفة الغربية إن عملية الإستيطان «تمثل خنقا بطيئا لحل الدولتين وفي حالة لم يتم التحرك الآن فمن الصعب تحقيقه في المستقبل». ووصفت المستوطنين «بالمحتلين غير الشرعيين يعيشون على أرض احتلوها بطرق غير قانونية». وقالت إن «سياسة (الإستيطان) منسقة تقوم بها الحكومة الإسرائيلية ولهذا السبب علينا الإعتراف بالدولة الفلسطينية ووضع حد لهذه السياسات. ويجب علينا القول صراحة أن هذه السياسات غير شرعية، ومن يعيش هناك يعيشون بطريقة غير قانونية ولهذا السبب يجب إخراجهم». وتصريحات كهذه مشجعة مع حملات المقاطعة للبضائع الإسرائيلية. ولكن هناك فرقا بين الرأي العام ومصالح الدول خاصة أمريكا التي تواصل كما يقول ديفيد هيرست في «هافينغتون بوست» مع بريطانيا وغيرها من الدول لعبة استخدام الفيتو التي أضحت طقوسا معروفة و «صورة عن قبضة الغرب المرتخية في الشرق الأوسط، وهي تكشف عن قوى لديها السلطة لفرض الحظر لكنها أعجز من أن تقوم ببناء شيء قابل للحياة، قوى تزدري الدول العربية- التي تحتاجها للتحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية- مفضلة إسرائيل عليها». ويقول «إنها مناوشة بين حلفاء يؤمنون بحل الدولتين مع أن معظم الفلسطينيين قد تجاوزوا تلك القضية منذ زمن طويل». ورغم ذلك لا تزال الدول هذه تستخدم حل الدولتين الذي أضحى مثل «قطة تشيشاير» التي تفلت من الملاحقة وتترك وراءها تلك الابتسامة الشقية، وهي القطة التي أسكنها لويس كارول موقعا في روايته الشهيرة «أليس في بلاد العجائب». ويرى هيرست أن كل ما يجري بشأن القضية الفلسطينية ناجم عن سياسات مستنفدة «ولا ينبغي لأحد ونحن ندخل العام 2015 أن يكون من البلاهة بمكان بحيث يخلط ما بين التعنت والإستقرار» مشيرا إلى التيارات التي تتدفق تحت السطح منذرة بانفجار مقبل سواء في القدس، الضفة وكل المنطقة العربية التي شهدت أسوأ أعوامها 2014.
وعليه فكما وعى القادة الفلسطينيون السابقون الدرس أن خيار الوقوف مع آمال الشعب هو الحل مهما كانت نتائجه بدلا من التمسك بورقة تين اسمها المعركة القانونية وتدويل القضية، فهل يتحرك عباس الباحث عن تقاعد من السياسة وإرث يتذكره به الناس أم يواصل تعلقه بوهم العملية السلمية وان بمسمى جديد؟

إبراهيم درويش