< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

نظرة التونسيين إلى الرئيس القادم زالت «القداسة وعاد الحنين إلى «الهيبة»

تونس – «القدس العربي»: على جدران مكتب محلي لحزب حركة نداء تونس في بلدة ساقية سيدي يوسف على الحدود الشمالية الغربية لتونس ظهرت أيام الحملة الانتخابية الرئاسية صورة كبيرة للباجي قائد السبسي زعيم الحزب ومرشحه للرئاسة ممهورة بالعبارة التالية «فبحيث سانتخب الغول». الإعلان لم يكن كما يبدو للوهلة الأولى دعاية مضادة بـ»نيران صديقة» أو قدحا وتخويفا من الباجي واستشعارا لتغوله و»تغول» حزبه بعد الفوز في الاستحقاق التشريعي أواخر الشهر الماضي، بل على العكس من ذلك ترويجا فريدا ومبتكرا للمرشح الأوفر حظا بحسب المراقبين ومراكز سبر الآراء للفوز بأول انتخابات رئاسية في ظل الدستور التونسي الجديد. فبنظر المشرفين على حملة «النداء» فإن أفضل الطرق لنفي اتهامات الخصوم وتبديد المخاوف والشكوك هي مزج الجد بالهزل واللعب بمهارة وحرفية شديدة على التناقضات من خلال قلب المفاهيم والمصطلحات وتحويل «الغول» الافتراضي الهلامي إلى كائن أليف ومحبوب بل منقذ يتسابق الناخبون للتصويت له من أجل الدفاع عن بلدهم وعن أنفسهم من مخاطر أخرى محدقة أشد خطورة وأكثر تهديدا كما يعتقدون. تلك العملية تجد تبريرها في ان كلمة «الغول» في اللهجة العامية التونسية تتضمن الشيء ونقيضه في الوقت نفسه فهي تعني ذلك الكائن الخرافي المخيف ولكنها ترمز أيضا إلى الشخص القوي والناجح. ليست كلمة «الغول» هي التناقض الوحيد على ساحة الانتخابات، فهناك تناقضات أخرى كثيرة ومتنوعة داخل الشخصية التونسية ذاتها ثم في تصورات التونسيين ونظرتهم إلى شخص الرئيس المقبل وطبيعة دوره ووظائفه.
كل تلك التناقضات تعقد بالأساس مهمة المرشحين للمنصب الرئاسي وتجعلهم يحسبون خطواتهم ومواقفهم بدقة وعناية من أجل كسب ود ناخبيهم وجني أصواتهم وهو ما حصل الأحد الماضي في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية ويحصل الآن على نطاق مصغر بين المتسابقين في الدور الثاني أي الباجي أو «البجبوج» كما يلقبه أنصاره والرئيس المؤقت الحالي والمرشح المستقل المنصف المرزوقي. في بداية السباق وجد التونسيون أنفسهم أمام خليط سريالي من المرشحين للجلوس على كرسي قرطاج أقفل عددهم رسميا وبشكل نهائي على سبعة وعشرين شخصا فيهم المثقف والمناضل ورجل الأعمال والسياسي والتاجر وحتى المغامر.
وقتها برز تساؤل بسيط ومشروع حول الدوافع غير المعلنة للكتيبة الهجينة من المرشحين من وراء خطوتها تلك وما الذي ينتظره الناس منها أو من سعيد الحظ الذي سيختار من بينها؟ لم يعدم كل مرشح في كلماته أثناء الحملة الانتخابية سواء على شاشات التلفزيون أو في الاجتماعات العامة عن التبرير والشرح ليتفق الجميع في النهاية على ان الوطنية المفرطة والحرص الشديد على مستقبل تونس ونجاح مسارها الديمقراطي الناشئ هو الذي قادهم جميعا للمبادرة بالترشح للرئاسة.
المأزق الحقيقي هنا لم يكن فقط في ان اقناع الجمهور الواسع بصدق النوايا وجدية الأقوال ليس بالأمر الهين أو السهل بل أيضا في التباس صورة الرئيس في أذهان معظم التونسيين وهو ما جعل التعقيد والصعوبة يتعديان قدرة المرشحين على الاقناع ليشمل أيضا وفي الوقت نفسه قدرة جمهور ناخبيهم على الاستيعاب والفهم. فقد عاشت تونس منذ إعلان الاستقلال في 1956 ربطا وتطابقا شبه تام وكامل بين شخص الرئيس وهياكل الدولة ومؤسساتها وطغت شخصية الرئيس الراحل بورقيبة أول رئيس للبلاد على مدى ثلاثين عاما من حكمه الفردي المطلق على كل شيء بعد ان أزاح معارضيه أو منافسيه المحتملين على السلطة، فهو السياسي الأول ورجل الاقتصاد والحكيم والمثقف والرياضي والمحامي وقبل ذلك وبعده أب الأمة التونسية وباني أسسها مثلما كانت تطلق عليه الصحافة المحلية وتقدمه للتونسيين.
احتكار الصفات والسلطات وجعلها ملكية حصرية بيد شخص واحد هو من يقرر حاضر ومستقبل شعب كامل وصفه يوما في إحدى خطبه بانه مجرد»غبار أفراد» لم يقد فقط لمجرد ترسيخ حكم استبدادي مطلق ألغى وأزال فكرة العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكومين بل جعل أيضا صورة الرئيس في أذهان أجيال متتالية تتلخص في كونه القادر الوحيد على التأثير سلبا وايجابا على حياة الناس وان لا شيء يمر أو يتقرر من دونه. حتى مرض بورقيبة وعجزه الواضح عن إدارة شؤون الدولة في السنوات الأخيرة من حكمه لم يدفع الكثيرين لتخيل البلد بلا بورقيبة أو مستقبله من بعده فقد ترسخت بمرور الوقت حالة من الكسل الفكري والشلل التام الذي عطل قدرة التونسيين وطاقتهم وحولهم إلى مستقبلين سلبيين لمصدر بث عمودي صارم من أعلى القمة إلى اسفل القاعدة وذلك في شكل ما كان معروفا في تونس بـ»توجيهات الرئيس» وهي خطبه التي ظل التلفزيون الرسمي يبثها باستمرار حتى آخر أيامه في الحكم.
لم يكن الأمر مقتصرا على الصلاحيات الواسعة التي حازها الرئيس بمقتضى فصول الدستور بل انطبعت حالة نفسية وذهنية جعلته يتخطى حاجز القانون ويصبح بصفته «أب الأمة» فوق الدستور. ولما أزاحه وزيره الأول زين العابدين بن علي من السلطة في انقلاب عام 1987 اختلطت مشاعر التونسيين بين الصدمة والفرحة المكتومة.
لقد انهار ما كان يلوح أمامهم قدرا لا يمكن الهروب منه إلا بحلول الأجل الإلهي وقال لهم الرئيس الشاب في بيانه الأول ان الشعب التونسي»قد بلغ من الوعي والنضج ما يسمح لكل أبنائه وفئاته بالمشاركة البناءة في تصريف شؤونه في ظل نظام جمهوري يولي المؤسسات مكانتها ويوفر أسباب الديمقراطية المسؤولة وعلى أساس سيادة الشعب كما نص عليها الدستور» قبل ان يضيف بانه «لا مجال في عصرنا لرئاسة مدى الحياة ولا لخلافة آلية لا دخل للشعب فيها فشعبنا جدير بحياة سياسية متطورة ومنظمة تعتمد بحق تعددية الأحزاب السياسية والتنظيمات الشعبية». لم يحصل شيء من ذلك بل انقلبت سنوات حكم بن علي والتي تخطت العقدين إلى نسخة مشوهة ورديئة من سنوات حكم سلفه وصارت تونس كما قال الدكتور المرزوقي يوما «جملكية» في إشارة إلى غياب قيم الجمهورية وهيمنة فرد وأسرة على مفاصل الدولة.
وبعد الهروب الشهير لبن علي مساء الرابع عشر من كانون الثاني/يناير 2011 بقيت سفينة تونس تبحث عن ربانها الجديد. لكن تغيير القائد ووصول مثقف من أصول جنوبية للمرة الأولى إلى قصر قرطاج بعد انتخابات المجلس التأسيسي في تشرين الاول/اكتوبر من العام نفسه لم يعدل النظرة القديمة للرئيس رغم ان الدكتور المرزوقي فاجأ التونسيين بخروجه عن البروتوكول وعدم تقيده بما اعتاده الناس من حيث الشكل والمظهر أو لغة الخطاب والممارسة. بقي الدكتور محل مقارنة لا شعورية شكلية بالأساس ودائمة بينه وبين الدكتاتورين السابق والأسبق انجرف إليها الكثيرون بعد السنوات الصعبة للانتقال من حكم الفرد إلى حكم المؤسسات دون النظر إلى طبيعة المهام والصلاحيات المحدودة للرئيس في ظل النظام الانتقالي أو تقبل فكرة ان البلاد لا تدار فقط وحصريا من داخل قصر قرطاج وبتعليمات الزعيم الخالد .
فتش السياسيون إذن عن الفوارق فعثروا على ما أطلقوا عليه «كاريزما» الرئاسة. كانت بنظرهم الهاما بورقيبيا قبل ان يضيعها المرزوقي بثوريته الزائدة. الأحد الماضي كانت تلك الكاريزما هي المدار الحقيقي للنزال الانتخابي. أطلق عليها أنصار الباجي هيبة الدولة التي تبدأ بنظرهم من هيبة رئيسها وقال عنها أنصار الدكتور المرزوقي انها هيبة الشعب التي تبدأ بتحرره من قيود الماضي ورواسبه الثقيلة. بين هذا وذاك ظلت مواقف التونسيين مشتتة وعلى قدر كبير من الغموض والارتباك.
لكن بعيدا عن النتائج التي لم تكن حاسمة بشكل واضح لصالح طرف دون آخر وحكمت على المرشحين للمرور معا إلى الدور الثاني فان ملاحظة بسيطة لنسبة عزوف الشباب ومقاطعتهم للانتخابات والتي فاقت بحسب أرقام مراكز سبر الآراء السبعين في المئة من المسجلين منهم على اللوائح الانتخابية تكفي للدلالة على ان فئة واسعة ومهمة من التونسيين وتمثل ستين في المئة من العدد الاجمالي للمقترعين لا تنتظر شيئا يذكر من الرئيس المقبل سواء أعاد هيبة الدولة أو لم يعدها ما دامت هي قد فقدت ثقتها وأملها في المستقبل.
هذا بالتأكيد أخطر تحد قد تواجهه تونس ويواجهه أيضا رئيسها المقبل الذي ستفرزه الصناديق في جولة الإعادة وبغض النظر ان كان ذلك الرئيس الجديد الفائز «غولا» في عيون البعض أو حملا وديعا في عيون البعض الآخر.

نزار بولحية