< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

الروائي المصري سعد القرش في «سبع سماوات»: رحلات تفتح عين الكاميرا على أسرار المدن

هل كان الكاتب المصري سعد القرش يعلم بأنه يدوِّن في رحلاته ما كان لا يصدقه الآخرون؟ ربما وضع حياته في فم التنين، بل وضع أصدقاءه العراقيين أمام مدفع ستدمّر إطلاقته كل ما يقف أمامها، لأنه فضح كل شيء، وسعى لكي يكون الشاهد على حياة لم يكن الآخرون، العرب، يرونها.
في رحلاته للعراق وهولندا والجزائر والمغرب ومصر الذي صدر تحت عنوان «سبع سموات»، وهو الكتاب الحائز على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة، كان القرش عيناً تتحرك كعين الكاميرا، فلم تكن مشاهداته مجرّد تدوين لما يسمعه أو يلقن به عن هذا البلد أو ذاك، بل كانت عينه هي التي تسمع وترى وتشم الروائح التي يضعها سكان المدن التي يزورنها.
في رحلته للعراق، وهي الأولى في الكتاب، والأخيرة لهذا البلد، حاول القرش أن يقرأ ما يحصل في العراق عموماً، وبغداد على وجه الخصوص في زمن الحصار الذي أنهك شعباً كاملاً، فضلاً عن المثقفين الذين على الرغم من حياتهم البائسة والفقيرة، أغلقت أفواههم كما خُيّطت جيوبهم، فلا مال ولا نشر ولا حرية ولا كرامة، الجميع كانوا يعيشون تحت خط الحياة، عدا أو أولئك الذين كانوا يعيشون على موائد السلطة والبعثيين، وهم كثر ولا يمكن إحصاؤهم، لأنهم كانوا يتكاثرون كما النمل.
في الفصل الذي يتحدث فيه القرش عن العراق، والذي جاء تحت عنوان «شرك الكلام عن العراق الآن.. شعب (تحت الأرض) يتنفس الشعر» ليبدأ رحلته منذ دخوله للسفارة العراقية في عمارة، قلت البداية، لأنه سيرى ما العراق، وقتها، منذ تلك البوابة: «منذ أن تدخل السفارة العراقية بعمان، أنت في قبضة حالة حرب، تسحب نسخة من صحيفة «القادسية»، فيطالعك شعار لجندي يرفع العلم بيسراه، وباليمنى يمسك البندقية. يعلو اسم الصحيفة شعار آخر: «القلم والبندقية فوهة واحدة» بتوقيع «الرئيس القائد صدام حسين». وحين تدخل مسرح الرشيد، سيكون الواقف يقرأ شعرا، محاصرا بين صورة في إطار كبير وجميل للسيد الرئيس إلى يمينه، وإلى اليسار إحدى مقولاته: «الأمة التي ليس فيها فنانون كبار وشعراء كبار ليس فيها سياسيون كبار» بتوقيع «الرئيس القائد صدام حسين».
هذا المدخل يجعل الآخرين يعيدون قراءة ماذا يعني ما كان يعرف بالبطل القومي، فهل بطل على شعب يسحق كل يوم، لكنه في الوقت نفسه، يتمثل صورة أخرى للشعوب العربية التي كانت تنادي باسمه، حتى بعد دخوله الكويت واحتلاله لدولة جارة وشقيقة. لكن عيناً كالتي يمتلكها القرش ربما تفرز ما يمكن أن يكون غائباً عن عيون الآخرين: «بعد يومين فقط، ستكون جزءا من هذا الجو العام المشحون.. الصحف لا يزيد عدد صفحاتها على ثمان، تخلو من الألوان، متواضعة الإخراج. المادة مكتوبة عن الحصار، وجرائم أمريكا، ونقص الأدوية، وانتشار السرطان، والنفط مقابل الغذاء، وكذب ادعاءات فرق التفتيش.. إلخ. أما برامج التلفزيون فغير منشورة في الصحف، كما أنها دعائية، ذات نبرة خطابية، تعبوية لشحن مشاهد مشحون أصلا، وقابل للانفجار».
هذه الحكايات لا يعرفها إلا العراقيون الذي يعيشون وسط هذه الجرائم التي راح بسببها الملايين، غير أن ابن الأسرة التي زارها القرش تحدث له وهما يسيران لوحدهما في شوارع بغداد: «(نحن كالحمار أو الحصان الذي يجر عربة. السوط يلهب ظهره، وعليه أن يسير، ولا يعرف متى يتوقف أو يستريح، كما أنه لا يستطيع أن يرى ما حوله بسبب الحاجزين الأيمن والأيسر في السرج)… إلا أنهم، برغم كل ذلك، يتحايلون على الضغوط بالصمت، ويسخرون من العالم الخارجي، الظالم أو المتواطئ، بممارسة فن الحياة».
الشعر في العراق مثل الهواء، هذا ما يؤكده القرش، فترى الشعراء في كل مكان، البائع يردد الشعر، عامل المقهى يردد الشعر، الجميع هكذا، لكنه يشير أيضاً إلى أن الشعراء في بغداد اليوم يحاولون عدم التصادم؛ فإذا كانوا غير مؤيدين فهذا لا يهم، الأهم ألا يكونوا معارضين. «جيل يقتات حزنه الشخصي والقومي، ولا يجد وسيلة للتحاور مع تجارب مجايليه خارج العراق، أو حماية نفسه من التآكل الإبداعي الذاتي. يعيشون على ثقافة (الاستنساخ)، بتدوير صور بعض الكتب الصادرة حديثا، التي لا تصل إلى بغداد إلا مصادفة».
الحياة التي رآها القرش هي حياة السطح، لكن ماذا عن حياة الأرض، فلكل مواطن عراقي حياتان، الأولى أمام الدولة، فهو موظف، مدرس أو أستاذ جامعي، طبيب أو مهندس، لكن هذه الحياة تقف فوق حياة أخرى لا يرغب أي مواطن بإظهارها للغرباء، فأستاذ الجامعة يعمل حارساً في عمارة يمتلكها بعثي لأن راتبه لا يكفي ليومين، وعامل البناء يشتغل منذ الساعة السادسة صباحاً وحتى الرابعة عصراً، وفي المساء يفرش بسطية وسط شارع تجاري ليبيع الأشياء الرخيصة، لأن مهنته مثل الآخرين لا يمكن أن تعيل شخصاً واحداً، فكيف إذا كانت عائلة تعيش في بيت مستأجر!
اختلفت لغة القرش ومفرداته في رحلاته الأخرى التي ضمها الكتاب، فمن لغة الخوف والموت التي عاشها في العراق انتقل مباشرة إلى لغة الحياة والجمال في هولندا: «قبل الهبوط إلى مطار أمستردام، ترى كل شيء أخضر، من أقصى مدى للرؤية، إلى الخضرة الزاحفة نحو ممرات هبوط وصعود الطائرات. باستثناء طُرق الأسفلت تشعر بأن المطار، الذي يعد من أكبر مطارات العالم، كأنه نبت في حقل لا نهاية له. بين المطار والعاصمة الهولندية لا توجد أسوار، بل مسافة خضراء تعبرها السيارة. تجد فوقك على سبيل المثال جسرا تسير فوقه طائرة تستعد للإقلاع أو الهبوط، ويتأكد لك أن كل جزء في المملكة الهولندية مستغل بحكمة وجمال، بعيدا عن القبح الذي أصبح سمة في بلادنا». ومثلما قارن القرش بين مصر والعراق من كونهما بلدين لا يمكن محو الحياة منهما، فهما كالعنقاء ينبعثان من الرماد كلما مرت حرب عليهما، يقارن أيضاً بين مصر وهولندا، لكن من باب الحسرة على الجمال والحياة التي يعيشها الهولنديون والحياة الصعبة التي يعيشها المصريون. «في مصر أثيرت المشكلة السكانية منذ كان عدد السكان 22 مليونا، ولا تزال تعلق عليها أسباب فشل المشاريع المستقبلية، في حين لا تشكو هولندا، ولا تناشد سكانها الرحمة وتحديد النسل، بل تستقبل مزيدا من العرب ضحايا الدكتاتوريات، وتمنحهم جنسيتها بعد إقامة خمس سنوات، وفي حالات أخرى يهبط الرقم إلى سنتين».
وهكذا، يستمر القرش في فصله الثالث برحلة أخرى لهولندا، وعلى الرغم من الروتين الذي لقيه في رحلته للجزائر، غير أن هذا لا يغير من متعته في المدينة وكيف كان بإمكانه أن يكتب عنها، لولا رحلة نوري الجراح التي صدرت عن سلسلة ارتياد الآفاق. لكنه يعود مرة أخرى ويكتب عن الجزائر في رحلة ثانية، موثقاً أنه «من فندق الأوراسي، حارس البحر والجبل، أطللت عام 2007 على المتوسط والجزائر معا. يمد الأوراسي جذوره في أعماق المياه، ويلامس سقف السماء، هو الأسمى والأفخم في العاصمة، أما فندق الجزائر (سان جورج سابقا)، في قلب العاصمة، فهو أكثر عراقة ووفاء وإخلاصا لعاصمة معلقة، فوق متاهة خارجة من طزاجة الأسطورة، تعاند الاستقامة والتبسيط، ويمنحها التعقيد الجغرافي غموضا».
ربما تكون رحلاته السابقة تمثل تغيراً مهماً في وجهة نظر القرش عن العالم، إلا أن رحلته إلى دلهي كانت مغايرة تماماً، فالحياة الهندية وطبيعتها، والبنايات الجميلة والتاريخية غيرت من آرائه في البلد الذي ينتج أكثر من 800 فيلم في السنة الواحدة، «نغادر القلعة الحمراء، ونفاجأ بأن منتظري الدخول من الهنود بالآلاف، لا يبالون بالحر. مشهد يدفع المصري إلى الغيرة، على تاريخه وآثاره وذاكرته، لا شيء من هذا يحظى ببعض هذا التقدير؛ قلما أرى مصريا في المتحف المصري، أو المناطق الأثرية التي أصبحت للسياح وحدهم، وإذا وجد مصري في مثل هذه الأماكن، يظل موضع ريبة من ضباط الأمن».
في رحلات القرش يسعى الكاتب للمقارنة بين أي مدينة يزورها وبين مصر، وهو ما ربما يشير إلى تمسكه بالقاهرة وطريقة وضعها في المقدمة مهما كانت المدينة التي يزورها، لكنه يدخلنا إلى عوالم جديدة مع كل رحلة، ويقدم لنا معلومات عن المدن وعن الحياة والبشر الذين يعيشون حياة لا يتمكنون من قراءتها بعينهم هم، بل بعين زائر مثل القرش يعرف كيف تدار الحكاية.

سعد القرش: «سبع سماوات: رحلات في الجزائر والعراق والهند والمغرب وهولندا ومصر. دار العين، القاهرة 2014. 179 ص.

صفاء ذياب