< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

سفر الحلم وسفر الوهم في مسرحية «باي باي جيلو» لابراهيم الهنائي

على خشبة صمِّم فضاؤها سينوغرافيا على شكل سفينة مبحرة، بأشرعة متعددة، كان تشخيص الحكاية الدرامية لـ»الجيلالي»، الحاكي والمحكي عنه، المشخِّص لحلمه ووهمه وخيبته.. تبدأ حكايته استيهاما طفوليا لطفل قروي مأخوذ بطيران العصافير وانطلاقها، من دون أن يخطر في باله الشَّرَكُ الممكن أن تقع في مصايده.
تبدأ حكايته بانجذاب حالم إلى قراءة مقطوعة شعرية مدرسية على لسان طفل يخاطب العصافير، لتطير وتغني مطمئنة بلا توجس ولا خوف.. يساكن الطفلَ حلمُ الطيران كالعصافير، حلم انطلاقها في الفضاء الرحيب، لإحساسه العفوي بضغوط على سيولة تلقائيته، من ثم إلحاحه في قاعة الدرس، على قراءة المقطوعة الشعرية، من دون أن يجد استجابة من مدرسه.
فيكون عدم الاستجابة من مرسِّخات إحساسه بكبح أحلام طفولته.. لذلك نراه يردد المقطوعة في استفراده بذاته، مصرا على الطيران خيالا، وعلى السكن في أعالي الشجر كحال العصافير في حضن النضارة والفضاء المفتوح، مصرا على البقاء هناك، استجابة لما يسكن ذاته.. ينضاف إلى شرط الدراسة القاسي، بعدم تفهم الحاجة الوجدانية للطفل، شرط المحيط الأسري الذي لا يتفهم من جهته أيضا، رغبة الابن في التعبير عن ذاته.. هذا إلى ضغوط الحالة المعيشية للأسرة، التي تحول دون الاستجابة حتى لأساسيات حياة طفلها، وهو ما ينعكس سلبا على الجو الأسري للطفل، الذي لا يتاح له التعبير عن ذاته إلا حين تفرده بها في خلواته الخاصة، التي يختلسها من تطويق واقع دراسته وواقع أسرته، وتضافرهما الإرادي وغير الإرادي، في شل تطلع جناحيه، والدفع به خطوة خطوة إلى مهوى الضياع… فلم يكد يشارف مطلع الشباب حتى انعطف حلمه بالطيران إلى نفق الاغتراب المغلف للحلم في إهاب الوهم.. نفق الهجرة التي ستتكشف معها معالم تراجيديا إنسان مغترب، ملاحق على أرصفة باردة صلبة، ينهدر في عرائها ماء إنسانيته، ويتجمد في صقيع الاغتراب هناك.
فالانكسار في حياة الجيلالي يتقدم نحو المأساة بوفاة والده ووقوع كفالة الأسرة على عاتقه وهو في مطلع شبابه. الحلم يستدرج إلى الوهم إذ يجد الجيلالي نفسه مدفوعا إلى الإغراء القسري بالهجرة، بإلحاح من أمه وتوسلها لعمه المهاجر في بروكسل لما حضر إلى مأتم أخيه. فكان تهجير الجيلالي سرا في مخبأ سيارة عمه.. وفي بروكسل تأخذ أوراق التوت في السقوط، إذ يجد الشاب المهجّر نفسَه مجرد خادم لأسرة عمه، يكدح لراحتها في البيت وخارجه، من دون اعتبار لحاله أو مراعاة لإنسانيته. غربة أخرى في الغربة من أقارب لا صلة عاطفية بينهم وبينه.. ولم يكن للشاب، وقد فاض احتماله، سوى الانتفاض على استغلال وإهانة ذوي القربى، والبحث عن ملاذ حاضن لم يكفله له متاه الاغتراب.. فكان أن انسل من مهجر بلجيكا إلى مهجر هولندا عاريا من السند، لا أوراق تعفيه من المطاردة، ولا دخل يقيه غائلة الجوع. بله أن يوافي أمه بما تنتظره منه.. عندها تحركت أصابعه للسرقة والبحث عن أي وسيلة لتصيير الوهم حقيقة.
زعم في مخافر الشرطة أنه لاجئ عراقي. وإذ انكشف زعمه المكشوف، خطر له الانسلاخ عن اسمه الجريح، فاستبدل اسمه الأصلي «الجيلالي» باسم «جيلو» لكنه لم يستطع استبدال دمه الجاري في عروقه، ولا استبدال إيقاع قلبه، ولا رشح مسام جلده ولا لونه. حتى اسم «جيلو» الذي التف بوهمه، تحمل حروفه ويحمل وقعه أصداء اسمه الأصلǃ فلا مهرب منه إلا إليه.. هكذا يكون تهجيره وزعمه أنه لاجئ عراقي وتغييره لاسمه، نوعا من الاحتجاج الضمني على مفتقد في شرطه الأصل، شرط ذاكرته المشكلة لهويته.. لكن الهوية تحتاج دائما إلى ما يسند قيمها، ويدعمها بأمداد إيجابية في واقع الحياة، أي بما يمدها بعناصر الصون والقوة والرسوخ.
في مهجر «الجيلالي – جيلو» سيواجه تعارضات مأساته. يتحرى السقوط في ما يخل بكرامة إنسانيته، يتحرى أن يقع نهبا لممارسة شاذة، أو غطاء لجسد منهوك يتيح له الحصول على أوراق الإقامة، ويمتص منه دم الشباب وحرارته، وكرامة الإنسان وقيمته. وفي الآن نفسه تتحرك يده للسرقة، لتستولي على أثمن مسروقه، أوروبية تأخذ منه وتغريه بالسراب. تسرق مسروقه ولا تمنحه سوى الوهم. فهو يسرق من جهة ويُسرق منه مسروقه من جهة أخرى، ويستنزف زمنه في مراكمة انكسارات المأساة، التي تصل الى ذروتها بتخلي معشوقته عنه في ليلة رغب في اجتماعه بها، بعد أن أخلى له مشاركوه سكنهم المتواضع لينفرد بعشيقته الأوروبية التي أعد ما أمكنه لليلة لقائها، لكنها تخلف وعدها له، وتبلغه بقطع صلتها به، لينتهي به سكره في تلك الليلة وإلقاؤه زجاجة خمر فارغة من الشرفة تقع على رأس عابر، إلى مخفر الشرطة، إلى السب والضرب والمهانة، والدفع به إلى آخر فصول مأساته.. فلا طيره حلق في سماء ولا وقع على شجرة فيحاء، ولا سفينة أبحرت به إلى الحلم الذي سقط عنه قناع الوهم، فكان مدفنا تخايل في صورة بستان.
إن حس الرحيل يظل ملازما لمجرى أحداث المسرحية «المونودراما». فأحداثها تشخص في فضاء شبيه بسفينة تفرد أشرعتها للإبحار، أشرعة بيضاء تزخرفها شذرات من مخاطبات النفري في البحر، شذرات بتموجات واستدارات خطية رائعة، تؤشر حركتها على جاذبية الإبحار وخطورته في الآن ذاته.
وفي حيز ظاهر الفضاء – السفينة، مقعد مستطيل لتشخيص عدة حالات عبر تتالي أحداث المسرحية، فهو ملاذ للمغترب ومكان للقاء ومرصد محاصرة وتنكيل بالمطارَد الأعزل..
وبالدينامية نفسها اشتغل المنديل المرافق للمثل الفرد – المتعدد جمال أكنول، الذي شخص لحظات المسرحية بتدفق وحضور لافتين في انتقالاته العمرية.. وفي انتقالات الأحداث، وتطوراتها عبر مسارات المسرحية، من لحظة حلم الطفولة، إلى لحظة الاصطدام بجدار الجليد.
لقد اعتدنا من المبدع إبراهيم الهنائي، اقتصادا حيويا في إنجازه الإخراجي. فهو يجيد اختيار العلامة الإخراجية، ويجيد استخدامها في نسيج العرض، لتشكل قراءته الإخراجية إضافة نوعية وليس مجرد ترجمة لترتيبات النص. لقد اشتغل على نص للشاعر طه عدنان وفير المفاصل الدرامية، غزير البؤر واللحظات القوية بمحمولاتها الدلالية وإحالاتها المرجعية، نص عنيف بصدامية حقيقته التي لا تحتاج كثيرا إلى تلوينات خيال، لأنها قوية الدلالة بذاتها.
إن شخصية «الجيلالي- جيلو» في المسرحية تنوء بثقل تاريخها، فلها الكثير مما ترغب في الإفضاء به، ولذلك تزاوج بين الحكي والتشخيص، بين الاستحضار والإحالة، بين البوح والإشارة.. إنها شخصية تحمل عبئها موصولا بشبكة علاقاتها مع الآخرين، الذين تحكي عنهم أيضا، أو تشخص بعض حالاتهم ومواقفهم. شخصية مركبة بمجرى أحوالها وروافد تعالقاتها. ولا يمكن أن يؤدي أدوارها غير ممثل متوفر على طاقات وكفاءات وحيوية فائقة.
ولا بد من الإشارة هنا إلى جاذبية خاصة لدى المبدع إبراهيم الهنائي، في اختيار النصوص ذات الحالات المركبة. وقد سبق أن أخرج مسرحية «شتاء تحت الطاولة» ومدارها أيضا على قضية الهجرة. وهي كذلك من علامات مساره الإخراجي. ولا شك أن اختيار النص الجيد والممثل الجيد يقتضي أيضا اختيار المتدخلين الآخرين في بناء كلية العرض، وهي بنية تتأسس شعريتها على التناغم بين كل مكوناتها.
وفي هذا الإطار كان للمنافذات الموسيقية، كلمات وألحانا وأداء للفنان حسن شيكر، إضاءاتها الجمالية والدلالية في عضوية المسرحية، التي اختلفت صيغتها الراهنة (2014) عن صيغتها الأولى بإضافات جديدة، منها إعادة التشكيل السينوغرافي الذي تدخل في إبداعه الفنان عبد العزيز مهير بإضافات مبدع نبيه.. وهذا البحث للعرض عن إضافات وطرق تصييغ جديدة، يعني أن مخرجه يعتبر كل عرض مشروعا لآخر ممكن، كل عرض يتضمن مساحات مفترضة تستدعي ملء فجواتها بممكنات إبداعية أخرى، تتجدد بها حيوية العرض وحيوية تفاعله مع مشاهده. وهو ما تأكد في الصيغة الراهنة لمسرحية «باي باي جيلو». جيلو أو الجيلالي، وفي الالتباس بين الاسمين يضيع من المغترب الحالم، الواهم، كل شيء، وقد خذله الحلم والوهم معا، وانتهى به التطواف إلى فقدان فاجع..

* ناقد مسرحي مغربي

محمد زهير*