< The deleted user >
0
All posts from < The deleted user >
whotrades7 in whotrades7,

المسافة الآمنة الفاصلة بين البشر

الجماد من حولنا صفته الطاغية هو الصمت والسكون، والتفاعل مع محيطه قد يكون من المستحيلات التي طالما حلم بها البشر. وقصة هذا الكرسي أنه نطق، وما فقه لغة حديثه إلا عدد قليل، وما فهم حواره إلا من أصغى للهمسات، وما درى ما يجري إلا من لاحظ وأدرك. فقد احتضن قصة بها فيض من دلالات، واحتواها بدفق المشاعر، وقام بتربيتها بشيء من اهتمام قد يندر أن نصادفه لدى من امتلك الحواس الخمس بأكملها دفعة واحدة. أحداث القصة تتركز في الكلام الذي لم ينطق، وفي الحروف التي استقرت في جوف العيون دون أن تنبس شفاهها ببنت شفة.
فالشاعر «أحمد رامي» كان يعشق «أم كلثوم»، وحواسه كلها تطوف في مدارات حولها، وتغازل طيفها الساري بلهفة المتيم. لم يتزوجها خوفاً عليها من رجولته الشرقية، وما يتبع ذلك من احتمالية منعها الغناء، وحرمان الزمان من موهبة فطرية تتبلور أمام ناظريه. آثر الإبقاء على مسافة أمان، واستمر في كتابة الأغاني لها، وارتضى البعد القريب. كان يذهب إلى حفلاتها بكامل هندامه، ويجلس مستمتعاً متذوقاً لصوتها الشجي على الكرسي رقم (8). هذا الكرسي كان متعارفاً عليه أنه مقيد بسجلات الملكية باسم «أحمد رامي»؛ فكان مكانه الدائم الذي حرص على شغله كلما نوت «أم كلثوم» أن تطرب فوج حضور من على خشبة المسرح.
قد يظن قائل أن البعد هو السبب وراء إبداعات أحمد رامي المتوالية في كلمات أغاني أم كلثوم، لكن السبب يكمن جوهره في تلك المسافة التي أتقن أحمد إبقاءها دون أن يحيد عن الهدف الأساسي منها. فحاله كان ككوكب الأرض والشمس؛ إذا اقترب أكثر، فحرارة الشمس حتماً ستحرقه، وإذا ابتعد أكثر، فالبرد سيقتله وسيتجمد له أطرافه. لقد كان يحاكي البعد القريب، ويتجاور مع النار دون أن يلامسها، ويراقب وهجها مضيئاً لما جاوره، ويتنعم بالدفء دون أن يطال لهيبها أنامله. أحمد عرف تماماً مقدار المسافة التي يجب أن تفصله عن من يحب، دون أن يتعدى ذلك قيد أنملة. فازدهر أحمد، وازدهرت أم كلثوم، وترافقا في نجاحات ما زالت الأجيال اللاحقة تتغنى بها. وعلاقاتنا نحن البشر صنوها، ولا بد من فطنة تلك المسافة وتقديرها خير تقدير. واقعنا يشابه كثيراً أسراب الطيور المحلقة في الآفاق، وكل طير يحرص على المسافة الآمنة عن الطير الذي يسبقه، فيكمل السرب رحلته بأمان دون أن يصطدم أحد أفرادها بالآخر، وبالتالي تجنب تشوه المنظومة عن بكرة أبيها. ربما جاوزنا الصواب في مغامراتنا الحياتية، وفقدنا تلك المهارة مع مرور الوقت، وآثرنا القرب المؤلم، وجار الطمع على راحة بالنا؛ فغدونا أفراداً متصادمين في سرب الحضارة.
ونكمل التأمل أكثر، ونصل إلى واقع نهايات القصص التي نبذل جهداً في الوصول إليها. نبتغي غالباً النهايات السعيدة، ونجري خلفها، وجل ما يدور في أذهاننا أن الهناء هناك يسكن. فنهاية قصة عشق «أحمد رامي» لأم كلثوم ليست بالنهاية المثالية التي نتمنى أن نراها كخاتمة، لكنها كانت الأفضل لكل منهما. تزوج أحمد، وتزوجت أم كلثوم، وتابع كلاهما درب حياته، وأواصر المودة ما خفت صوتها يوماً، ولا اختفى بريقها الذي كان الناظر يستطيع تمييزه من أميال معدودة. فسعينا الدائم نحو النهايات السعيدة ينبع من دوافع فطرية، وتناسينا لمعطيات ماثلة أمام أعيننا فيها الإجابة المخفية. لعل في وعينا المسبق لهذه المعطيات الخير الوفير، وتفادي شر متنكر بأبهى حلة.
فالكرسي رقم (8) أضحى رمزاً على تهذيب رغبات النفس وتطويعها في الفضاءات التي تسبح فيها، وحبل الود المشدود دون أن يؤدي ذلك إلى قطعه. فهالة النور التي تنبثق من مسنده وأرجله ما كانت إلا دلالة على نضج مشاعر، وقدرة إنسان على مصادقة نبضات قلبه ومرافقة طاقتها رويداً رويداً. ولعل ما يمثله ذاك الكرسي يتقارب مع شعرة معاوية التي تم وصفها يوماً ببضع كلمات: « إن بيني وبين الناس شعرة إذا أرخوا شددت، وإذا شددت أرخوا «.

حسام خطاب – الأردن